في خطاب وداعي مؤثر، القاه في دائرته الانتخابية، اعلن توني بلير رئيس وزراء بريطانيا انه سيقدم استقالته من منصبه الي الملكة يوم السابع والعشرين من الشهر المقبل، منهيا بذلك عشرة اعوام من الحكم، كانت حافلة بالانجازات والاخفاقات في الوقت نفسه.
بلير خطيب مفوه، يعرف كيف يتلاعب بعواطف الجماهير، فهو محام بارع، يملك ناصية اللغة، ويعرف كيف ينحت الكلمات والعبارات المؤثرة، التي تكسب عواطف الكثيرين، وتحتل العناوين الرئيسية في صحف اليوم التالي، ولكن العواطف لا تدوم طويلا، وسرعان ما تتبخر، والشيء نفسه يقال عن الصحف ونشرات التلفزة، فغدا هو يوم آخر.
الشعب البريطاني سيتذكر توني بلير دائما بانه الرجل الذي ضلله، وحول بلاده الي دولة تابعة لرئيس امريكي مغامر متعطش للحروب الفاشلة والمدمرة. بلير هو الزعيم البريطاني الذي كذب علي شعبه، وعلي العالم بأسره، عندما قال امام البرلمان ان الرئيس العراقي صدام حسين يستطيع تجهيز اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته في اقل من خمس واربعين دقيقة، ليكتشف العالم بأسره ان الرئيس العراقي تخلص من جميع هذه الاسلحة. نقول ان توني بلير كذب علي شعبه وضلله لانه لم يجهز قواته للوقاية من اسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية، عندما ارسلها الي العراق جنبا الي جنب مع القوات الامريكية، لاحتلال هذا البلد وتفكيك مؤسساته وتسريح جيشه، وقتل مليون من ابنائه علي الاقل، وتشريد اكثر من اربعة ملايين، مليونان منهم هربوا بارواحهم الي دول الجوار.
الشعب البريطاني سيتذكر توني بلير علي انه الرجل الذي افسد النظام القضائي البريطاني المستقل، وقيد الحريات المدنية، عندما تصرف كديكتاتور من دول العالم الثالث المتخلفة باصداره قوانين الطواريء التي تجيز الاعتقال لاشهر وسنوات دون محاكمات، وبناء علي تقارير امنية.
البريطانيون لن ينسوا لبلير تدخله شخصيا لايقاف التحقيقات في عمولات صفقة اسلحة اليمامة الي المملكة العربية السعودية في سابقة تاريخية، ليس لها مثيل في تاريخ النظام القضائي البريطاني، تحت ذريعة حماية المصالح البريطانية، وبيع مجموعة من الطائرات الجديدة.
من اوقف التحقيقات في صفقة العمولات هذه هو الرجل الذي طالما اتهم حزب المحافظين المعارض بالفساد، ووعد بانه سيكون ابيض من البياض نفسه، ليكتشف البريطانيون بعد ذلك، اكبر فضيحة فساد تتعلق ببيع الالقاب الشرفية في مجلس اللوردات، مقابل قروض ومساعدات لحزب العمال تورط فيها كبار مستشاريه، وابرزهم صديقه الشخصي اللورد ليفي مبعوثه الي الشرق الاوسط، واحد اعمدة اللوبي اليهودي في بريطانيا.
توني بلير الذي برر مساندته لحروب بوش بالتأثير عليه لصالح اقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة يغادر سدة الحكم دون ان يحقق هذا الهدف، بل دون ان يقترب منه. فالقضية الفلسطينية اسوأ مما كانت عليه قبل توليه الحكم بمراحل، والجرائم الاسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني في تصاعد.
بلير قال في كلمته الوداعية انه اتخذ قراراته بناء علي قناعة ذاتية بانها صحيحة في حينها، ولكن هذه القرارات ادت الي تمزيق بلد اسمه العراق واغراقه في حرب اهلية طائفية، واقامة نظام طائفي استئصالي قدم نموذجا في الفساد، ونهب المال العام، والتعذيب وانتهاك حقوق الانسان، وتشكيل فرق الموت، وتأصيل ممارسات التطهير الطائفي والعرقي.
بلير يجب ان يقف امام القضاء كمجرم حرب لكي يدافع عن نفسه امام تهم كثيرة، ابرزها تحويل العراق كله الي مقبرة جماعية.