جاء وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن متأخرا إلى الشرق الأوسط ثم ذهب مخلفا وراءه وقف إطلاق للنار تم الاتفاق عليه قبل وصوله، ووعودا بالعمل على رفع المعاناة الإنسانية عن غزة بدون الحديث عن خطوات أخرى تتعلق بالعملية السلمية وحل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. ومعظم الوعود التي قدمها بلينكن للجانب الفلسطيني تم الإعلان عنها من قبل، مع أن الإعلان عن إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية هو خطوة لإعادة تعميق العلاقات الأمريكية-الفلسطينية التي توقفت في عهد إدارة دونالد ترامب بسبب تحيزه لإسرائيل وتهميشه للجانب الفلسطيني.
وكان بلينكن واضحا في تصريحاته للصحافيين أنه جاء بناء على طلب من الرئيس جوزيف بايدن لتحقيق 4 أهداف: التأكيد على الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل وتعميق الحوار مع الفلسطينيين والحفاظ على وقف إطلاق النار الذي جاء بعد 11 يوما من الحرب بين إسرائيل وحماس وأخيرا العمل على مساعدة غزة وإعادة ما دمرته الحرب ورفع المعاناة الإنسانية بدون الحديث عن كيفية تحقيق الهدف الأخير. وكل ما قاله أن المساعدة لغزة مشروطة بعدم منفعة حماس التي تسيطر على القطاع.
لا عملية سلمية
وتجنب بلينكن الحديث عن مفاوضات أو عملية سلمية لحل جذور النزاع في المنطقة. وصمته عن هذه النقطة إشارة لعدم استعداد إدارة بايدن المنشغلة بملفات أخرى الدخول مثل غيرها من الإدارات في ملف ترى أنه بات شائكا ولا يمكنها تغييره باستثناء العمل على إدارته. ويبدو أن الفريق الحالي لبايدن ومعظمه عمل في إدارة باراك أوباما يعي التجارب الفاشلة لأوباما ومحاولات وزير خارجيته جون كيري، الذي فشل في المحاولة الأمريكية الجادة والأخيرة قبل مجيء ترامب و»صفقة القرن» التي لم تعترف إلا بأرخبيل فلسطيني مقطع الأوصال بين كتل استيطانية اعتبرتها الخطة جزءا من إسرائيل. كما ولم تعترف خطة ترامب بعاصمة للفلسطينيين في القدس الشرقية بل بالأحياء القريبة من الضفة الغربية وعلى الجانب الآخر من جدار الفصل العنصري. وعلى العموم لم يكن الدور الأمريكي في وقف إطلاق النار رئيسيا بل ثانويا وأعطت واشنطن القياد لدول المنطقة، ومصر بالتحديد التي استغل رئيسها عبد الفتاح السيسي المنبوذ حتى حرب غزة الحادثة وعزز من صورته في واشنطن وحصل على مكالمة من بايدن الذي تجاهله مدة خمسة أشهر. بل وحاول الظهور بمظهر الراعي لغزة والداعم للإعمار وحملات المساعدات الإنسانية. واستطاعت مصر التي تقيم علاقات قديمة مع إسرائيل عبر اتصال أمني مع حركة حماس التفوق على أصدقاء إسرائيل الجدد بمن فيهم الإمارات الطامحة لدور في الأزمة، نظرا لعدم وجود علاقات عميقة مع الجانب الفلسطيني الذي لم يعد يثق بها بعد توقيعها على ما عرف باتفاقيات إبراهيم. ومن هنا سمحت إدارة بايدن لنفسها بالتعامل مع دولة تتهمها بانتهاك حقوق الإنسان وأعطتها فرصة لأن تعزز دورها الإقليمي كما جاء في صحيفة «فايننشال تايمز» (27/5/2021).
دبلوماسية الهاتف
وكي تتجنب إحراجات التدخل السريع في الأزمة، قررت اللجوء إلى «دبلوماسية الهاتف» وأجرى المسؤولون الأمريكيون أكثر من 80 مكالمة مع قادة العالم شارك بلينكن بـ 15 مكالمة فيها. ورأى فريق بايدن أن هذه الصيغة أحسن من مسارعة إرسال وزير الخارجية مباشرة ولتتجنب إحراج رفض حماس وإسرائيل الإستجابة لمطالب واشنطن. ويعرف جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الحالي والذي عمل مع فريق أوباما ما حدث لكيري عندما حاول وقف إطلاق النار في حرب غزة عام 2014 حيث عاد بدون نتيجة. ويرى أليكس وورد بتقرير نشره موقع «فوكس» (27/5/2021) أن فريق بايدن الذي فوجئ باندلاع حرب غزة الأخيرة فضل دبلوماسية الهاتف ومواصلة برنامج وزير الخارجية الذي كان يعد لزيارة الدانمارك، البلد الذي تدهورت علاقاته مع واشنطن أثناء ترامب وأيسلندا لحضور مؤتمر مجلس القطب الشمالي، وليجتمع على هامشه مع نظيره الروسي والتحضير للقاء بايدن مع الرئيس فلاديمير بوتين الشهر المقبل في جنيف. وكانت الصيغة مناسبة لإدارة بايدن أو كما وصفها مسؤول «تحدث واعلك اللبان في الوقت نفسه» وهي مناسبة لمواصلة أجندة الإدارة على المدى البعيد فيما يتعلق بسياستها الخارجية في أوروبا وتغير المناخ والصين وغير ذلك ومهمة للنزاع على المدى القصير. ولم تكن هناك حاجة لترك أهم دبلوماسي أمريكي كل شيء ويسافر إلى المنطقة وعمل جولات مكوكية بين الأطراف المتنازعة. ولكن الإدارة ظهرت أمام نقادها كمن غسلت يديها من النزاع وتركت القنابل تسقط وكانت كثيرة. وبرزت الإدارة كما قال عمر رحمن من معهد بروكينغز الدوحة «غير مهتمة كثيرا بالتدخل وأكثر اهتماما بإدارة التدخل من أجل عملية إسرائيل في غزة» وهو ما أضر بزعم الإدارة لقيادة العالم بناء على أجندة حقوق الإنسان حتى لو عملت من خلف الأضواء على وقف الحرب. لكن الإدارة كانت منشغلة وسط النزاع بما يمكن أن تخسره لو قررت تغيير أجندتها الخارجية وانشغالات بلينكن وإرساله حالا إلى المنطقة، وأعطى صورة عن محاولات «إدارة» النزاع وليس حله، وهو ما أفصحت به الإدارة ولو لم تقله. وهي معنية بترتيب ملفات الشرق الأوسط والمضي بعيدا عنه، فبايدن وإن تحدث عن نهاية حرب اليمن وسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق وإعادة التواصل مع الفلسطينيين إلا أنه لم يقل الكثير عن النزاع في سوريا ولم يظهر اهتماما واسعا في ليبيا رغم زعم المسؤولين عن انخراط واشنطن الواسع، ولم يفعل الكثير مع السعودية ومصر مقارنة بتهديداته وهو مرشح للرئاسة. وهو ليس معنيا بإعادة دوزنة للعلاقات بقدر ما يريد تجنب مشاكل الشرق الأوسط.
كيف تصل المساعدات؟
وأعطت الولايات المتحدة شعورا، سواء حضر بلينكن حالا أم متأخرا، انها تريد منح إسرائيل الفرصة لإنجاز المهمة ضد حماس ثم التدخل، وكان هذا باديا في التصريحات التي خرجت من البيت الأبيض «توقع» وقف الحرب وإلى «تخفيض التوتر المفضي لوقف إطلاق النار» وتأكيد بايدن وفريقه طوال الوقت على حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها. وظهرت الإدارة عندما سنحت لها الفرصة لكي تظهر موقفها من أزمة معينة ركزت في رسائلها على حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها وليس تأثير الحرب على الفلسطينيين الأبرياء في غزة. فالحرب توقفت في النهاية لكن إدارة بايدن لم تنتصر في حرب المفاهيم، فمعالجة بايدن لإسرائيل-غزة لم تكن نقطة ساخنة في بداية رئاسته ولكنها تعبر عن مثال قد يتكرر في السنوات المقبلة. وانعكس هذا الموقف على رحلة بلينكن القصيرة التي زار فيها إسرائيل والسلطة الوطنية ومصر والأردن. فقد أكد على أن وقف إطلاق النار ليس نهاية بحد ذاته ولكن بداية للبناء عليه، كما قال بعد اجتماعه يوم الأربعاء في عمان مع الملك عبد الله الثاني، لكن كلام وزير الخارجية عن مساهمة دول المنطقة بتخفيف المعاناة الإنسانية وإعمار ما دمرته الحرب، وتركيزه على المساعدة المصرية (500 مليون دولار) في منطقة تحتاج إلى مليارات الدولارات لكي تعود الحياة إلى طبيعتها، بعد حروب أربع وسنوات من الحصار والفقر يحتاج لأكثر من مساعدة مصرية رمزية. ولم يقدم بلينكن حلا نهائيا لهذه المسألة. بل ترك مسألة التعامل مع غزة معلقة، ذلك أن إدارة المساعدات الإنسانية هي معركة متواصلة بين السلطة الوطنية في رام الله وحركة حماس. مما حكم على كل محاولات إعادة بناء غزة في الماضي بالفشل كما جاء في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» (26/5/2021). وقال بلينكن إن المساعدات ستتم بالتشارك مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وردت إسرائيل إنها لن تتعاون معها حتى توقف تعاونها مع محكمة الجنايات الدولية وتحقيقتها في جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل بالمناطق المحتلة منذ عام 1967.
كتاب قديم
وحتى في زيارته الأولى للمنطقة كان على بلينكن التكلف بالحديث عن حقوق الإنسان، فهو وإن أكد في لقائه مع الرئيس المصري على الانتهاكات التي ارتكبت في ظل السيسي وتأكيده على مواصلة واشنطن الضغط للإفراج عن الأمريكيين في السجون المصرية، إلا أن بيان الحكومة المصرية تحدث عن دفء العلاقات الثنائية بدون الإشارة إلى هذه الموضوعات. وابتعد بلينكن عن أي حديث حول الحل السلمي أو ترتيبات سلمية بقدر ما حاول إرضاء كل طرف والتأكيد على ملف المساعدات الإنسانية التي قد تصل أو لا تصل، وخاصة أن المعوقات قائمة، ويعرف بلينكن أن المسألة ليست بالمساعدات ولكن في إدخالها بسبب الحصار المصري-الإسرائيلي لغزة منذ 2007. والمشكلة في تأكيدات بلينكن حول المساعدات لغزة أنها جاءت مرفقة بوعود بتزويد السلاح لإسرائيل والذي استخدمت جزءا كبيرا منه، وهو يعطي صورة إن أمريكا التي تطالب بمساعدة أهل غزة هي التي أفشلت ثلاث محاولات لمجلس الأمن لوقف إطلاق النار. ويرى أرون ديفيد ميلر الدبلوماسي الأمريكي السابق في تصريحات لصحيفة «واشنطن بوست» (28/5/2021) «المفارقة هي غسل يدين وتنشيفها ثم دورة ثانية» من العنف، مشيرا إلى ملايين جديدة في إعمار غزة لتدمر من جديد. وترى ميشيل دان من وقفية كارنيغي إن إدارة بايدن تقرأ من كتاب «علاه الغبار» عندما يتعلق الأمر بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني وهو أمر لا يمكن لأي إدارة تجاهله، فالإدارة حددت أولوياتها بالمنطقة وحاولت الانضباط بعد سنوات من الفوضى في ظل ترامب. ويبدو واضحا بعد مرور أشهر على الإدارة أنها لن تف بالكثير من الوعود التي أطلقها بايدن في حملته الانتخابية. فقد وعد بجعل السعودية «منبوذة» على خلفية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، ولكنه اكتفى بالإفراج عن تقرير المخابرات المتعلق بالجريمة. وفي مصر التي تحصل على مساعدات عسكرية أمريكية كبيرة، قال إن زمن «الشيكات المفتوحة لديكتاتور ترامب المفضل» سينتهي. وترى دان أن إدارة بايدن تواجه صعوبة في «إدارة العلاقة الصعبة التي ورثتها في الشرق الأوسط» والذي يحتاج لأكثر من دبلوماسية هادئة أو خاصة. ولا ينفع التحضير للأولويات والتركيز على المهمة الكبرى «التوجه لآسيا» وهو شعار رفعه أوباما ثم وقع اتفاقية نووية مع إيران عام 2015 وقبل ذلك اضطر للتعاون مع نظام السيسي بعد انقلابه على أول رئيس منتخب ورفض وصف أحداث عام 213 بالانقلاب.
ويرى توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»(23/5/2021) أن منطقة الشرق الأوسط جاهزة لحل على طريقة هنري كيسنجر الذي قام بعد حرب 1973 بدبلوماسية مكوكية بين مصر وإسرائيل وسوريا وانتهت في عهد كارتر بتوقيع أول دولة عربية معاهدة سلام مع إسرائيل. وذكر بايدن بأنه لو لم يكن مهتما بالشرق الأوسط فالمنطقة مهتمة به. وقال إن الأطراف المنخرطة في الجولة الأخيرة من الحرب، إسرائيل، حماس والسلطة الوطنية تضررت و «ربما تكون مهتما بالصين لكن الشرق الأوسط مهتم بك، فهذه لحظة كيسنجر ولن ألومك لو لم تفعل، لكنني أحذرك أن الوضع لن يتحسن». وعاد بمقال آخر (25/5/2021) وذكر أن نهاية حل الدولتين سيترك آثاره المدمرة على الفلسطينيين والإسرائيليين والأمريكيين وتحديدا الحزب الديمقراطي. ودعا إلى تنشيط حل الدولتين، مع أنه أصبح حلما بعيد المدى، كما ناقشت مجلة «إيكونوميست»(27/5/2021) قائلة إن اتفاقيات أوسلو والمحادثات السلمية فقدت مفعولها وبات الواقع على الأرض يفرض حقيقة تجعل من حلم الدولة الفلسطينية أمرا صعبا، مشيرة إلى تغير المواقف بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشأن الحل، مضيفة ان أوسلو قدمت لإسرائيل غطاء لمواصلة أعمالها الاستيطانية وخربت السياسة الفلسطينية، فالسلطة التي أنشئت كعجلة مؤقتة على طريق حل الدولة تحولت إلى موزع رواتب ومنسق أمني مع إسرائيل. وحتى علاقة أمريكا مع إسرائيل تتغير. وفي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» (24/5/2021) أن إسرائيل اعتمدت في الماضي على الدعم العسكري والدبلوماسي الأمريكي، لكن هذا الاعتماد قد ينتهي، ونشهد مرحلة من استقلالية إسرائيل عن أمريكا. ولم تعد إسرائيل بحاجة إلى ضمانات أمنية أمريكية لحمايتها من الدول المجاورة، التي صنعت السلام معها في الغالب. كما أنها لا ترى نفسها في حاجة إلى وساطة أمريكية في الصراع الفلسطيني، الذي يجد الإسرائيليون إلى حد كبير أنه يمكن تحمله ويدعمون الإبقاء عليه كما هو. وتنتج الآن العديد من أسلحتها الأساسية محليا وأصبحت أكثر اكتفاء ذاتيا من الناحية الدبلوماسية أيضا، حيث اكتسبت حلفاء مستقلين عن واشنطن. وبينما تظل المساعدة الأمريكية لإسرائيل مرتفعة من حيث القيمة المطلقة، فإن الازدهار الاقتصادي لإسرائيل على مدى عقود جعلها أقل اعتمادا. في عام 1981 كانت المساعدات الأمريكية تعادل ما يقرب من 10 في المئة من الاقتصاد الإسرائيلي. في عام 2020 بنحو 4 مليارات دولار، كان أقرب إلى1 في المئة. وهذا لا يعني توقف الاعتماد لكن إسرائيل ستتوقف عن التعويل على أمريكا في الوقت الذي تجد فيها نفسها قادرة على فعل ما تريد عندما لا تحتاج الحزبين.