رام الله ـ «القدس العربي»: غادر وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن المنطقة المهددة بالتوتر والتصعيد. وأمام توقع المزيد من التصعيد الإسرائيلي مع حكومة يمينية متطرفة قرر الإبقاء على طاقم رفيع المستوى، من أجل الدفع نحو تهدئة الأوضاع، وهو الأمر الذي يحمل إشارة كبيرة على أنه لم يحدث أي اختراق.
وعند أكبر المتفائلين في الإجراء الأمريكي الأخير بالإبقاء على باربرا ليف مساعدة بلينكن لشؤون الشرق الأوسط، وهادي عمرو المبعوث الأمريكي للشؤون الفلسطينية مسألة من شأنها «وضع صعوبات أمام الحكومة الإسرائيلية فيما يتعلق بتنفيذ قرارات المجلس الوزاري المصغر، الكابينت المتعلّقة بتعزيز الاستيطان».
وكان وزير الخارجية الأمريكي بلينكن قد قال خلال مؤتمر صحافي في ختام جولته ما يؤطر به هذه الزيارة حيث قال: «إعادة الهدوء هو مهمتنا الملحة حاليًا، ننتظر من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي اتخاذ خطوات لبناء الثقة ونزع فتيل التوتر المتصاعد».
في المقابل كان الموقف الفلسطيني الرسمي الذي لم يتأثر ولا بأي مقدار بالمظاهرة الشعبية الرمزية على دوار المنارة وسط مدينة رام الله والتي دعت إلى مقاطعة زيارة مسؤول السياسة الخارجية الأمريكية بشكل كامل.
وفي المؤتمر الصحافي الذي جمع بلينكن وعباس أبدى الأخير الاستعداد للعمل مع الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي لعودة الحوار السياسي من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وحمل عباس إسرائيل ما آلت إليه الأوضاع بين الجانبين. وانتقد سياسة استمرار معارضة جهود الشعب الفلسطيني للدفاع عن وجوده وحقوقه المشروعة في المحافل والمحاكم الدولية، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، معتبرا أن هذه السياسة تشجع المحتل الإسرائيلي على المزيد من ارتكاب الجرائم وانتهاك القانون الدولي.
وكانت القيادة الفلسطينية بعد تنفيذ قوات الاحتلال لمجزرة بحق 10 شهداء في مخيم جنين قد اتخذت مجموعة قرارات بينها وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل والتوجه إلى مجلس الأمن واستكمال الانضمام إلى المنظمات الدولية.
وطالب بدوره بمدخل لعودة الأفق السياسي وأعلن عن استعداده للعمل مع الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي لعودة الحوار السياسي من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية على الحدود عام 1967.
في المقابل لم يتم الحديث عن خطة أمريكية حسب موقع «اكسيوس» الأمريكي قام بلينكن بالضغط على الرئيس محمود عباس في لقائهما الأخير للموافقة عليها من أجل استعادة السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية على مدينتي جنين ونابلس. وتقوم الخطة على تدريب قوة فلسطينية خاصة ونشرها في نابلس وجنين لمواجهة مقاتلي المقاومة هناك.
وتضع هذه الخطة على طبيعة الرؤية الأمريكية لخفض التصعيد بعيدا عن اللقاءات أمام عدسات وسائل الإعلام وهي تعكس الرؤية الأمريكية والتي تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية والتي مفادها أن تراجع السيطرة الأمنية للسلطة الفلسطينية هو السبب الرئيسي للتصعيد الأمني.
وكانت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قالت إن السلطة الفلسطينية ربطت أي حديث عن التهدئة وإعادة التنسيق الأمني بعدة إجراءات يجب على إسرائيل اتخاذها لعل أبرزها وقف الاعتقالات اليومية في الضفة الغربية، ووقف سياسة هدم المنازل.
ظهور صارخ للعجز
وحسب المحلل السياسي نبيل عمرو، فإن الحضور الأمريكي من خلال زيارة وزيرة الخارجية هو بمثابة ظهور صارخ للعجز الأمريكي عن عمل أي شيء له قيمة فيما يتعلق بالأزمة الراهنة المرتبطة بالعلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.
ويضيف في حديث صحافي: «العجز الأمريكي ظاهر للعيان، حيث يتلخص دور الأمريكيين في العمل على تقديم تحليل لما يجري، إلى جانب تقديم نصائح غير ملزمة للطرف الإسرائيلي، وهو أمر يظهر بوضوح أنهم لم يعودوا قادرين على التأثير على الحكومة الإسرائيلية في الملف الفلسطيني تحديدا وهو ما يجعلهم يذهبون للنصائح والتهدئة والحديث عن حل الدولتين».
ويشدد عمرو أن الأمريكيين لا يدركون حقيقة أن العالم يرى أن قضيتهم مع الإسرائيليين وليست مع الفلسطينيين، فيما الإسرائيليون لا يصغون أبدا لهم، وكل ما يقومون به هو استغلال الزيارات الأمريكية للمنطقة من أجل تحقيق أهدافهم السياسية.
ولكن رغم ذلك يرى أن الزيارات الأمريكية ستظل مستمرة للمنطقة لإظهار أن الإدارة الأمريكية على تماس مع الأحداث لكنه تماس بلا فائدة وبلا جدوى.
وفي المقابل يعتقد القيادي الفتحاوي والمسؤول السابق في السلطة الفلسطينية أنه «لا مطالب ولا وعود أمريكية لرام الله، بل مجرد نصائح وطلبات أمنية لا يمكن للسلطة أن تقبلها، وحتى في حال قبلتها فإنها لا تستطيع أن تنفذها».
وحسب عمرو فإن الأمريكيين يأتون للعنوان الخطأ، حيث من نفذ عمليات المقاومة في القدس هم أشخاص لا صلة لهم بالسلطة ولا بالفصائل الفلسطينية، ولا يقعون في حدود سيطرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، فالعمليات هي نتاج حالة نضالية تحمل اسم «الذئاب المنفردة» ليكون السؤال: ماذا يمكن للسلطة أن تعمل مع هؤلاء؟ وماذا يمكن لوزير الخارجية بلينكن أن يفرض على السلطة أمام هذه الحالة؟
ويسهب حول انحياز الموقف الأمريكي: «الأمريكيون يتعاملون مع الموقف السياسي (الأزمة الحالية) وكأننا أمام طرفين في حالة مواجهة بالتساوي، وكأن هناك جبهتين متعادلتين، في حين أن كل إمكانيات الاحتلال موجهة ضد الإنسان الفلسطيني».
ويصف عمرو الموقف: «الموقف الأمريكي يقوم على قراءة خاطئة لما يجري، وهو ما يعزز عدم قدرتهم على أن يكونوا فعالين لإحداث أي جديد أو اختراق».
ويلخص الفعل الأمريكي بإنه يقوم طوال الوقت على معالجة أزمات على الأرض، حيث يغيب وقت العمل السياسي «حتى الآن لم يقترب الأمريكيون والأوروبيون والدول جميعا من العلاج الناجع للاضطرابات السياسية المستمرة في المنطقة. أمريكا تحاول أن ترضينا بجملة حل الدولتين فيما الإسرائيليون يوغلون في العقوبات ويفتشون عن عقوبات جديدة لم تمارس من قبل».
ويختم: «في هذا الجو السياسي فإن توقع المستقبل يدفعنا للقول إنه سيظل الاضطراب مستمرا في المنطقة، وبين وقت وآخر سيقوم فلسطيني بعمل مقاوم يعيد الأمور لنقطة الصفر فيما الاحتلال سيعالج الحالة النضالية من منظور أمني وهو ما ثبت فشله منذ زمن حيث لن يؤدي إلى نتائج حقيقية».
بعض التهدئة والتصعيد مقبل
خليل شاهين، الباحث والمحلل السياسي، يرى أنه قد يكتب لزيارات المسؤولين الأمريكيين بعض التهدئة في بعض المجالات، على سبيل المثال أمريكا والأردن معنيتان بتهدئة أي تصعيد يتعلق بالمسجد الأقصى وتحديدا مع الاقتراب أكثر من شهر رمضان، حيث من المتوقع أن يتزامن منتصف الشهر مع الأعياد اليهودية في ظل أن أجندة مكونات الحكومة اليمينية الإسرائيلية المطالبة بفرض السيادة بالكامل على المسجد الأقصى.ويضيف: «لكن المهم معرفته أن التصعيد في الأقصى ليس كل التصعيد الإسرائيلي، إنما نحن أمام حرب مفتوحة على الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، هناك هدم وترحيل وقوانين عنصرية واقتحامات واستيطان..الخ، فنحن أمام سلسلة طويلة من الإجراءات التي تضمنتها اتفاقات مكونات الحكومة الإسرائيلية الجديدة».
في ضوء ذلك يؤكد شاهين أن التصعيد قادم لا محالة طالما أخذت المقاربات لحل الأمر والتعامل مع الفلسطينيين بعدا أمنيا كمدخل للتركيز على التهدئة، وبالتالي لن تحقق تلك الإجراءات نجاحا فيما فشلت في تحقيق ذلك طيلة السنوات الماضية.
وفي مقابل ذلك والحديث لشاهين يأتي الضغط على الجانب الفلسطيني للتراجع عن القرارات الجديدة ومنها وقف التنسيق الأمني، فيما تغيب أي مبادرة سلام، «فالإدارة الأمريكية ترهن المبادرة السياسية للموقف الإسرائيلي، أي أنها تعطي إسرائيل فيتو على أي عملية تفاوضية وليس على حل الدولتين، وهذا نهج يتواصل، فمجمل اللقاءات التي عقدها أمريكيون مع مسؤولين فلسطينيين ركزت على رسالة واضحة للجانب الفلسطيني مفادها: أن الظروف غير واضحة وإسرائيل غير جاهزة وليست مستعدة، وهي أيضا لا تريد في الحقيقة».
ويصف المحلل شاهين السياسة الأمريكية بإنها استمرار في الدوران في مقاربة إدارة الصراع، لكن المتغير الجديد أمام هذه المقاربة هو أنها باتت تتعارض مع مقاربة حكومة نتنياهو التي تعتقد أن الوقت أصبح مواتيا لحسم الصراع.
ويؤكد أن مقاربة الحكومة الإسرائيلية ستؤدي إلى فشل مقاربة الإدارة الأمريكية، وهو أمر سيعيد المنطقة إلى مربع التصعيد والمواجهة التي تفرض على الشعب الفلسطيني، وهو ما سيعزز الموقف النضالي الشعبي وفعل المقاومة المسلحة.
وحسب شاهين فإن السلطة تواجه مأزقا وهي على مفترق طرق، أما أن تنحاز للشعب أو تتحول إلى وكيل أمني واقتصادي للاحتلال، والسلطة هنا لا تستطيع أن تمضي في سياسة ذات طابع انتحاري في ظل اتساع فجوة عدم الثقة بينها وبين الشعب، فهي في عين الشعب عاجزة عن توفير مقومات الحماية أمام تصاعد الهجمات الاحتلالية في كل مناطق الضفة الغربية.
ويختم مشددا على أن السلطة بحاجة إلى استراتيجية جديدة، «فالضغوط عليها لإعادتها لنفس مسار التعاون الأمني والاقتصادي مع الاحتلال هو خيار صعب. أما خيار المواجهة مع الاحتلال فهو صعب أيضا لكنه وفي حال أحسن استغلاله والاستعداد له فإنه سيكون كفيلا بأن يكون أداة لقرع الجرس ومؤشرا على فشل المقاربات الأمنية التي لن تقود لاستقرار سياسي، طالما يدير العالم ظهره للشعب الفلسطيني ويتعامل مع قضيته بازدواجية في المعايير.