د. عماد عبد الرازق
أنا مدين للدكتور صبري حافظ بالأوصاف الجميلة التي خلعها علي مقالي حول جمعية مريدي الأستاذ وخلصائه والمستميتين دفاعا عن هيكله المقدس. لكنني لن أستطيع أن أرد الجميل بأحسن منه ولا حتي بمثله فأخلع علي مقاله رتلا من المحسنات البديعية الرائعة، خشية أن أتهم بالنفاق والتزلف. ما أدهشني في رد الدكتور صبري أولا وقبل كل شيء، أنني وقد عرفته منذ سنوات لم أكتشف ذات يوم أنه من مريدي الأستاذ وأحد المتعبدين في محرابه. لكنني مع ذلك أتلمس له العذر في غضبه العارم من مقالي لأنني أحسب أنه أصاب ذائقته النرجسية في مقتل، اذ كيف وهو الذي تجشم العناء باستدعاء فني الساتالايت ليركب وصلة تمكنه من تسجيل الدرر الثمينة و الأحاديث الشريفة لطيب الذكر الأستاذ، ثم يأتي رجل مثلي مولع بالسفاسف ويمثل بمسلسل حكواتي المصطبة الذي يحتكر فيه الأستاذ الاخراج والتأليف وجميع الأدوار من البطولة المطلقة الي الكومبارس.
أدهشني ثانيا، أن الدكتور صبري، وهو الأستاذ الأكاديمي والناقد المخضرم، ما كان ينبغي له أن ينزلق الي هذا النوع من النقد الانتقائي وبالأحري النقد العشوائي (علي طريقة المساكن العشوائية في مصر)، فينتقي من مقالي تلك الأجزاء التي يري فيها متسعا للرد والمحاججة، ويتعامي عن نقاط أخري ومطاعن اثرتها أنا ولم يجد هو لها في موسوعته ردا ولا يحزنون. المدهش أيضا أن الشطر الأعظم من مقالي كان حول حلقة برنامج خليك بالبيت مع مفيد فوزي، ولم أتطرق للأستاذ الا في الشطر الأخير، رأفة بالقراء، وحرصا علي عدم هدر وقتهم الثمين وبما أن الموضوع وصاحبه لا يستأهلان أكثر من تلك المساحة المتواضعة. كما أنني لم أتطرق للجزيرة ولا لانجازاتها من قريب أو بعيد، حتي ينبري الأستاذ في هذه المقدمة المسهبة التي زعم فيها أن الاعلاميين باتوا ينظرون الآن لما أسماه مرحلة ما بعد الجزيرة؟ أدهشني ثالثا، أن الدكتور صبري، وهو الناقد الأدبي المخضرم، فاته ثانيا نبرة السخرية والتهكم التي تغلب علي المقال، وهذا جنس من الكتابة لا يتأتي لكل من هب ودب. وهذا في حد ذاته يشرح ـ لمن احتاج الي شرح ـ كيف أنني لم أتعرض لانجازات الأستاذ المزعومة من قريب ولا من بعيد، فهي لا تعنيني في المطلق ولا في حدود هذا المقال. وعلي فرض ثبات هذه الانجازات الفذة (وهي في النهاية مجموعة كتب فيها من النقل والترجمة المباشرة بعشرات الصفحات من المراجع الأجنبية ـ لمن يتجشم عناء قراءة الأصول ـ أكثر مما فيها من تأليف وتوليف، وقص ولزق وتركيب)، أقول علي فرض وجود هذه الانجازات، فليهنأ بها الأستاذ ومريدوه، لكنها لا يمكن أن تجعل منه متحدثا تلفزيونيا بأي حال، وهذا هو لب مقالي: ان الأستاذ متحدث تليفزيوني فاشل بالثلاثة، لانعدام الحضور لديه، وفقر الجاذبية الذي يعاني منه، الي جانب فجوات الذاكرة الخطيرة التي تطل برأسها من ثنايا كل فقرة في أحاديثه المطولة. وهنا كان موضع دهشتي الثالثة ـ أو ربما الرابعة فقد تركت العد لكم ـ لأن الدكتور لم يتعرض لأعراض طق الحنك و الحكي المسترسل، والمفكك، ولا الجمل المبتورة، والقفزات القنفذية من فكرة لأخري منبتة الصلة بها، لأن ذلك كله في رأي الدكتور من السفاسف. كما أن الدكتور لم يدل بدلوه في مسألة النرجسية وعبادة الذات وتمجيدها التي تأخذ بتلابيب الأستاذ وتقطر بها آلاف الاشارات لشخصيات ومشاهير من كل حدب وصوب، قابلهم أو قابلوه، هاتفهم وهاتفوه، تلقي دعواتهم علي الطعام والكلام وتبادلوا الآراء والمقالات والكتب وربما الرسائل الغرامية، أو أولئك الذين طلبوا منه التوسط لهم عند هذ الملك وذاك الرئيس وذينك الأمير أو الغفير. هذه الحواديت قد لا تكون بالضرورة من شطحات خيال الأستاذ، وعلي فرض صدقيتها فما علاقتها بالتحليل الموضوعي للتاريخ والرؤية الثاقبة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا العربية؟ علاقتها الوحيدة أنها مكرسة لصنعة عبادة الصنم الذاتي، رب أرباب الكتبة والصحفجية في بر مصر وبلاد العرب. فالأستاذ ومنذ زمن طويل في حالة عشق متيم وهيام بذاته، لا يطيق أبدا أن يشاركه انسان كائن من كان منصة الحكي والافتاء الاستراتيجي/ الجيوبوليتيكي/ التكتيكي/ التاريخي، والأنثروبولوجي بالمرة. مرد ذلك ببساطة ـ الي جانب داء النرجسية العضال الذي يعاني منه ـ أن الكثير من آرائه وفتواه وتنظيراته وتحليلاته لا تصمد أمام تمحيص ولا تدقيق يمكن ان تتعرض له من صاحب رأي مضاد أو خبير في المجالات العديدة التي يحتكر هو فيها الافتاء دون أن يرد عليه أحد. (وسبق للقدس العربي علي سبيل المثال لا الحصر، أن نشرت مقالا لكاتب فلسطيني فند فيه ما افتي به الأستاذ في احدي حلقات المصطبة، لأن صاحب المقال كان ذا باع وشأن ومعنيا ومطلعا علي القضية قيد الافتاء، ولم يكن الوحيد بالطبع. فعل سمعتم ردا من الأستاذ الجهبذ علي ذاك الرأي؟). وتلك هي مرة ثانية مأساة برنامج الجزيرة فخلافا لكل برامجها التي يحسب لها أنها أدخلت ثقافة الرأي والرأي الآخر، و الاتجاه والاتجاه المعاكس، في فضاء الثقافة العربية الأحادية الاستبدادية، الا أنها تنكبت فجأة هذا الطريق لأجل عيون الطاغية العجوز. السبب الثالث والذي لا يقل أهمية يترجمه المثل القائل من شب علي شيء شاب عليه، فالأستاذ عضو قديم بل من مؤسسي رابطة صناع الطغاة، وأحسب أن له سبق الريادة في كونه أول من دشن مفهوم الصحافي الملاكي الناطق باسم الحاكم مباشرة: فهذا هو ما مارسه الأستاذ طوال سنوات حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في بابه الأسبوعي الذي كان يطلق عليه بكل تبجح بصراحة كان يكتب ما يشاء في مؤسسة صحافية تربع علي رأسها، وما من أحد يجرؤ علي محاججته او مخالفته الرأي في طول البلاد وعرضها، لأنه بالطبع لم يكن ينطق عن الهوي، بل يستقي الحكمة من فم السلطان مباشرة، ومن نعم بذهب المعز، لا بد وأن يضرب بسيفه. هذه العادات السيئة تمكنت من الأستاذ وحتي الأمس القريب، حين رفض رفضا باتا أن يظهر معه أي ضيف آخر، صحافيا كان أو متخصصا ما، في برنامج أعدته شبكة البي بي سي، وصاحب البرنامج لا يزال حيا يرزق. الاستثناء الوحيد لهذا الوله النرجسي بالذات يأتي فقط اذا كان الضيف المقابل من الخواجات، كما حدث في برنامج علي الجزيرة انترناشيونال مؤخرا، وكان ظهور الأستاذ مأسويا أمام الأمريكي ريتشار هاس وكان بوسع المشاهدين رؤية الفارق الشاسع بين هلفطة الأستاذ بالانكليزية، وبين حديث الضيف الأمريكي المتسق، وهو ما دفع المذيع الي رد الأستاذ الي صوابه أكثر من مرة. لأن الأستاذ تميد الأرض تحت قدميه اذا ما خالفه انسان الرأي أو بين خطأه أو شطط شطحاته الاستراتيجية، لا يجد أفضل من جلسات المصطبة ـ وفقا لوصفي الركيك ـ (ولا أدري لماذا تزعج هذه الكلمة بالذات الدكتور صبري؟!) قالبا لعشقه الأسطوري لذاته. أحاديث المصطبة هذه ـ يخبرنا الدكتور صبري أنها استطاعت استخدام التقنية البصرية الحركية لتحويل المادة التاريخية والوثائقية الي مادة شيقة ومشوقة معا.. يا عيني ع الجمال. رجل يجلس أمام كاميرا واحدة وحيدة ساعة كاملة يتحدث اليها دون انقطاع الا في الاستراحات الاجبارية، يؤشر تارة بيده وتارة يعبث ببضع وريقات علي الطاولة، ويسميها الدكتور التقنية البصرية الحركية الجديدة؟ جديدة علي من؟ ومنذ متي؟ منذ اختراع التلفاز؟ حتي أولئك المشرفون علي البرنامج في الجزيرة أدركوا عقم هذا الشكل التلفزيوني البليد وحاولوا غير مرة كسر بلادته بعرض بعض الصور الفوتوغرافية لبعض الشخصيات المتحفية التي يتناولها الأستاذ من العهود السحيقة. الدكتور يتحسر علي أن مقالي ظهر في عامود مخصص للنقد التلفزيوني الذي يجزم هو أنه لا بد من التأسيس له، ربما علي طريقة التقنية البصرية الحركية الجديدة فما أحلي تلك مأسسة. دعونا من التقنيات البصرية الحركية الجديدة، ولنتأمل مضمون أحاديث المصطبة هذه والتي قال عنها الدكتور صبري تشكل أحد أرقي نماذج التحليل العلمي الرصين والذي يتسم في الوقت ذاته بجاذبية السهل الممتنع، كما أنها تشكل نقلة نوعية في طبيعة الأحاديث والمذكرات التاريخية ليس فقط لأن الأحاديث لا تقل عمقا ورصانة عن أي محاضرة أكاديمية يتحقق فيها التوازن بين البناء النظري وعمق التحليل والمادة الوثائقية التي تدعم الوقائع؟ فاليكم نموذجا لهذا التحليل العلمي الرصين: ردا علي سؤال للمذيع الوديع محمد كريشان حول نتائج انتخابات الكونغرس النصفية قال الأستاذ: اذا كان تغييرا كبيرا بالطريقة اللي تصوروا بها بعض المراقبين العرب باعتباره هزيمة للسياسة الأمريكية فأنا باقول انه ليس هزيمة.. لا يعبر عن هزيمة حتي لو كانت فيه هزيمة فعلا هو لا يعبر عن هزيمة، نحن نحتاج لأن نفرق بين الهزيمة والفشل، ما جري هو فشل وما عاقب عليه الناخب الأمريكي هو فشل ولم يعاقب علي هزيمة.. .. الله الله يا أستاذ.. لا فض فوك. هذا هو التحليل الأكاديمي العلمي الرصين الموثق بوثائق. أما عن الفارق بين الهزيمة والفشل، فهذا ما سوف يستغرق فيه الأستاذ نصف الساعة القادمة من البرنامج دون أن يشفي غليلنا ينتقل فيها من رامسفيلد وما اذا كان قد تنحي أو نحي والجنرال غارنر وبول بريمر ومنهم الي شوارتسكوف وال Concepts اللي دخل بيها الحرب. هذا في الوقت الذي تطفح فيه الصحف الأمريكية بالمقالات والتحليلات التي تقر بهزيمة السياسة الأمريكية في المنطقة، حتي أن مفكرا استراتيجيا مثل زبغينو بريجنسكي (مستشارالأمن القومي الأسبق) كان أول من أعلن بداية أفول الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، كما لم يتردد وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس اثناء جلسات استجوابه في الكونغرس لاقرار ترشيحه، لم يتردد في القول ردا علي سؤال أن أميركا لا تكسب الحرب في العراق، ثم عاد بعد الاستراحة ليتدارك الأمر قائلا انها لا تخسرها أيضا ـ فقط حتي يتلافي تأثيرا سلبيا لتصريحاته الأولي علي معنويات الجنود. لكن الحلقة استمرت لبعض الوقت حول هذا السؤال الخزعبلائي بشأن الفرق بين الفشل والهزيمة، فأفتي الأستاذ بإحدي أقواله الماثورة بأن الامبراطوريات لا تهزم بالضربة القاضية وضرب مثلا نترك لكم الحكم علي علاقته بالموضوع: فاكر انت القصة الشهيرة بتاعت عرافة أدلفي لما راح لها امبراطور اغريقي وقال لها لو دخلت في معركة ضد الفرس تفتكري يحصل ايه؟ قالت له امبراطورية عظيمة سوف تنتهي وبعدين راح هو اللي خسر وأما رجع يلوم قالت له انا لم أقل لك أي امبراطورية اللي حاتقع فأنت اللي وقعت، لكن هنا الامبراطوريات كلها جيوش متحركة اذا هزمت فانتهي الأمر، أنت أمام جيوش مواردها بالدرجة الأولي امبراطوريات، مواردها بالدرجة الأولي واسعة جدا تتحمل فشل بعد فشل لكن تراكم عمليات الفشل يؤدي الي سقوطها، لكن أنا باعتقد ان نحن لم نصل بعد الي المرحلة اللي نقول فيها ان الامبراطورية الأمريكية فشلت ولا نقول أيضا ان هدفها في الشرق الأوسط.. أقصد هزمت ولا نقول ان هدفها في الشرق الأوسط هزم…. فهل أدركتم علاقة حكاية عرافة أدلفي بالتحليل الاستراتيجي الرصين؟ ربما كان الأستاذ يقصد ان العرافة ضحكت علي الامبراطور الاغريقي، أو لعل المعني في بطن الأستاذ. هذه هي نوعية التحليلات الرصينة التي اعتادها الأستاذ منذ أن كان عضوا في رابطة صناع الطغاة. في هذه الفترة بالذات كان الشاعر الفذ أحمد فؤاد نجم أول من فضح زيف التحليلات الخزعبلية لـ الأستاذ في أعقاب النكسة حين كتب قصيدته الشهيرة بصراحة يااستاذ ميكي.. أنك رجعي وتشكيكي ولا ناوي تبطل تكتب.. بصراحة كلام بوليتيكي عن دور الحل السلمي.. واستخدامه التكتيكي بصراحة ولا انت معايا.. ولا طالل من شبابيكي وبلدنا لسه جريحة.. وبتصرخ في البلجيكي في هذه الفترة كان الأستاذ غارقا لأذنيه في تبرير الهزيمة وتبرئة أسياده وغسل أياديهم من أدرانها. هو نفسه الذي انبري يشرح في اسهاب اسباب قبول عبد الناصر مبادرة روجرز، وهو ما استفز شاعرا ومسرحيا آخر هو الراحل نجيب سرور، فكتب قصيدة مطولة يسخر فيها من مقالات الأستاذ وهيامه بتجاذب أطراف الحديث مع وزير الخارجية الأسبق علي طريقة قلت لروجرز.. وقال لي روجرز، وجلست مع روجرز وجلسنا أنا وروجرز، والقصيدة وان اصابت كبد الحقيقة، الا أنها للأسف تحوي ألفاظا لا يمكن نشرها في هذه الصحيفة.
هو نفسه الأستاذ الذي ظل حارسا علي دكان الناصرية يتاجر بها ليل نهار، هو أيضا نفسه الذي ظل مواكبا للرئيس الراحل أنور السادات في كل خطواته لخمس سنوات علي الأقل، قبل أن ينقلب عليه بعد أن اكتشف أن السادات لن يمن عليه بأكثر من موقعه في الأهرام، وهو الذي تصور نفسه خليفة لعبد الناصر. هذا هو ما فضحه بالوثائق الدكتور فؤاد زكريا ـ رئيس قسم الفلسفة سابقا في جامعة عين شمس ـ في كتابه بعنوان كم عمر الغضب؟ الذي رد فيه علي كتاب هيكل خريف الغضب، وهو الكتاب الذي كان بمثابة انتقام الهيكل الشخصي من السادات، وتحت ستار التحليل الموضوعي المزعوم شن عليه هجوما مقذعا وسخر من أصوله الريفية والسودانية المتواضعة. (تتضح وضاعة الهجوم الشخصي علي السادات ـ بعد موته بالطبع لأن الأستاذ مولع بالهجوم علي الأموات فقط ـ اذا ما قارناه بما كتبه الصحافي صلاح عيسي في معرض تقييمه لتجربة السادات، فلم يتطاول عليه ولا علي شخصه، رغم أن عيسي سجن في كل العصور منذ قامت الثورة، لكنه ترفع عن الانحطاط للنيل من أصول رجل وضعه في السجن). لب هذه التحليلات المزعومة لا يخرج عن تلاعب بالألفاظ، علي طريقة التفرقة بين الفشل والهزيمة، أو كـأن يدعو طرد السادات للخبراء السوفييت بعد وفاة عبد الناصر وقفة مع الصديق، أو مبادرة روجرز حل سلمي تكتيكي. في هذا وفي غيرها من عشرات الأمثلة لا يختلف الأستاذ عن عشرات من كتاب السلطة وصحفجية البلاطات من الانتهازيين والمتنطعين في سائر الدول العربية، كل ما في الأمر أنه قيض له أن يجلس علي حجر النظام في عهد عبد الناصر، ما مكنه من خلق سطوة وصولجان حول نفسه وجوقة من المريدين والأتباع يسبحون بحمده ويتعبدون في هيكله المقدس، يستخدمهم كجزء من ماكينة الدعاية الذاتية التي تطفح بها كتاباته. أما عن خرافة موقفه من التوريث فهذا زعم يفطس من الضحك و يميت من الغيظ، والله انه لفرية لم نسمع بها. فقد سئل الأستاذ تحديدا سؤالا مباشرا في الموضوع حول مسألة توريث الحكم الجارية علي قدم وساق في مصر، فراح يلقي في وجه السائل بعشرات التخريجات والعبارات المبهمة، والبهلوانيات اللفظية دون أن يظفر المحاور منه باجابة تشفي الغليل، وقال أتصور وأعتقد ولا بد أن نكون دقيقين، ولازم نفرق بين أيزنهاور والحاج متقال قناوي. نفرق وأن نكون دقيقين. وسلام مربع للجدعان.. هذا هو الوجه الآخر الخفي لأحاديث المصطبة، فاللجوء للتاريخ لاستحضار دروسه وتأسيس ما لا أساس له، حسب تنظير الدكتور صبري، ليس سوي وسيلة للهروب من الحديث عن الواقع المباشر الطافح بكل ما هو مُرزٍ وقبيح وجدير بالبحث والتحليل من الصحافي الكبير الأستاذ، من غرق العبارات لاحتراق القطارت، واحتراق المسارح وانتشار الأمراض وتلوث المياه وانهيار التعليم وتفشي الفساد والفقر المدقع الذي يغرق فيه غالبية المصريين، كل هذا ليس معنيا به الأستاذ لأنه ربما من السفاسف، فهو مهموم بأسئلة التاريخ الكبري، من قبيل من كان وراء استقالة وزارة النقراشي باشا، أو كيف قال لعبد الناصر حين التقاه في حصار الفالوجا طيب ما تعملوا حاجة، وهنا فقط نبتت فكرة الثورة واينعت في رأس عبد الناصر، بعد أن استلهمها من أفلوطين القرن العشرين. (نفس الأسلوب في اللجوء للموضوعات التاريخية كان يتبعه كتاب المسرح في الستينات تجنبا لمقص الرقيب أو بطش السلطة، ايهما أقرب، فيما اصطلح علي تسميته بمسرح الاسقاط السياسي). في مصر صحافيون شرفاء كثر، لا يهابون النظام ويتصدون لأساطينه بالنقد ليل نهار، ومنهم من نال قسطا وفيرا من بلطجية النظام وجلاوذته، وهم لا يملكون ثروات طائلة ولا فيلات فاخرة، ولم تقصف أقلامهم ولم يهادنوا، لأنهم يحملون أطنانا من شرف المهنة والشجاعة تفيض علي المئات من أمثال الأستاذ الذين يتخفون تحت عباءة البهلوانيات اللغوية باسم استقراء التاريخ واستنباط دروسه. ان جلسات المصطبة للأستاذ ليست دليلا علي أن التاريخ يعيد نفسه ولا يحزنون، لا كملهاة ولا كمأساة. بل هي الدليل الساطع علي أن الزمن تجاوز أمثاله، فهذا رجل ينتمي لجيل فاشل أوصلنا الي كل ما نحن فيه اليوم من رزايا وبلاو، جيل من رابطة صناع الطغاة وعباد الاستبداد كان هو رائدهم. المهزلة تكمن في ان رجلا مثله لا يزال يصر علي ممارسة شكل قبيح جديد/ قديم من الاستبداد، عبر منبر يفترض أنه يكرس الحوار ويفتح النوافذ علي كل الاتجاهات. هذه هي المأساة الحقيقية، والدليل الأكبر علي درك الانحطاط الذي انحدر اليه الواقع العربي.