عبد الوهاب الملوح ‘بماذا تعدني أيّها الليل’ بهذا العنوان تدشن علياء رحيم فضاء مختلفا مغايرا في الكتابة الشعرية ؛ ينبني بالأساس على السؤال الذي يتأسس على مبحث جمالي ينهض تعززه رؤيا قائمة على الحيرة وعدم الاطمئنان لليقين ؛ قائمة أيضا على فكرة إن الكتابة قفز في المجهول. مغامرة جمالية في اللغة لاستبطانها واستكشاف أسرار بهائها وإيقاعاتها الحفية التي تنهض ببعض الوجود في جانب من جوانبه المسنعصية ؛ ليس العنوان سؤالا بما يقتضي جوابا جامعا مانعا شافيا وهو ليس أيضا سؤالا عاطلا عن الفكرة بما قد يوحي انه من قبيل العب في الوقت البدل الضائع؛ سؤال جمالية مربكة مريبة ؛ مزدهرة بما قد تزرعه من بذور فرح الشعور بواجب الوجود رغم العدم نكاية فيه وفي وكلائه هنا وهناك هي إذا كتابة لا تعد بما هو معتاد ولعلها تعد القارئ بلذة مختلفة هي لذة الاكتشاف ولذة المغامرة في المجهول مغامرة عبور هذا الليل دونما الحاجة لحمل الفوانيس المعتادة والتعويل على استنارات الحدس ومكاشفات المعنى التي ما أن تنبثق حتى تبدأ في الانطفاء وعلى هذا القارئ أن يعيد إيقادها مجددا ‘بماذا تعدني أيها الليل ‘ليس مجرد عنوان لقصيدة تضمنها هذا الكتاب الشعري الثاني لعلياء رحيم ؛هاجس مُلِحٌٌّ يعكس مرحلة من اشد المراحل القاسية التي تمر بها تونس ليس الليل تلك الفسحة الرومانسية لتأمل القمر فلا أثر لقمر في سماء مفخخة بالجحيم فقط وهو ليس ليل السكون والستر هو ليل السواد العميم يكتسح كل شيء حتى الصباحات سوداء وضحكات الصبيان وهم يقصدون مدارسهم معتمة ؛ هو إذا كتاب شعري لامرأة لم تعد قضيتها مجرد المساواة مع الرجل ولا تعاني هجر الحبيب لها لكنه كتاب لامرأة تقدم نفسها شريكة في واجب الوجود المرأة الكائن الأول الآنثى خلاقة الذكر والانسان أولا و قبل كل شيء تضع الشاعرة في هذا الكتاب نفسها في خط الدفاع الأول عن الإنسان كشرط لهذا الوجود وكقيمة كونية لا يمكن المس من جوهر كينوتنه والقيم التي بناها منذ مجيئه إلى هذه الأرض تعالج علياء هذي الرؤي مستقرئة الراهن العربي بما يميزه من تحولات اجتماعية وسياسية اتسم بالتمرد على أنظمة ديكتاتورية ومازال يعيش حالات المخاض من اجل تأسيس نظام يعكس تطلعات شعوبه الصادقة و إذ يهجس نصها بهذه الأسئلة فلا يتفاعل معها بشكل مباشر ولا باتي منفعلا في مقاربة انطباعية عاطفية ولا يمر بها سطحيا ولكنه القصيدة بالنثر هذا البحث الجمالي الذي يرتاد مناطق فنية مجهولة يعدها بنية تحتية لشعرية مفارقة ومن ثمة تأهيلها للاطاحة بأنساق وأنظمة في الكتابة اصبحت سلطة بدورها وهنا مربط الفرس كما تقول : ‘القبيلة تروّض فراشة الضوءتعود عائشة إلى’مربط الفرس’.وهو ما استدعى العودة بالشعر الى لغته الأم لغة الشارع فليس هناك لغة مخصوصة للشعر كما يقول ساعر تشيلي الاكبر نيرودا انما هي اللغة المتداولة إذا لم نقل نخالة القول لغة تنقلب على مرجعباتها متمردة كل الصيغ الجاهزة؛ تصنع سياقاتها وحدها خارج الأطر المعهودة للمعنى المكرور ؛ تمحو كل ما يسكنها وما يتعقبها وتعقبها من ظلال تاريخها المشبوه أحيانا المحبوس في القواميس والمعاجم والألسنة المتجمدة ؛ تحررالكلمات من لمعنى الذي تم إيقافها فيه تقول : ‘ما شكّكت يوما في نبوءة الحرف’بهذا تدشن معجمها اللغوي فتكثر مفردات من قبيل : ‘يرتدي الصمت بذلته الرسميّةيصبح الطريق مقبرة’.وتقول: ‘صاحب لحية التيسيجرّب حبال صوته العنكبوتي.الفكرة عاهرة علمانيّةوقوس قزح ماسوني؛أمّا ماء الناروزواج المتعة بين الأخيارفتلك آياتنا… ويل للمكذّبين!’وتقول : ‘باختصار شديد…..لم يفارق الجلاّد يوما جلدنافاضطررنا إلى ممارسة الحياة خلسة؛’وتقول :’باختصار شديدمارسنا الحياة خلسة وعوّلنا كثيرا على أجراس الإحالة والصرفهي هو..سواء…أنا هم..الزا أرغون..مدام بوفاري المتنّبي و حتّى عنترة العبسي..تداخل الضمائر والأزمنة؛’وتقول :’حين يفرح يؤرجح نواقيسه علىhymne de la joieوإذا بكي ينشّف دمعه بكمّ زنبقة’..والخ ..فهنا يتم رسم لوحة انطلاقا من إدراك شعوري بالمفردة في قيمتها الدلالية أولا فقيمتها الجمالية ثانيا ثم وأخيرا في قيمتها الفنية التداولية بينها وبين الشاعرة وبينها وبين المتلقي بما استدعاه الأمر من توظيف لغة السرد وخلق تدرج ألوان الطيف في الحقل المعجمي ولذلك سوف يأتي سياقها في الجملة مختلفا وقد هيأت لها الشاعرة تراكيب غير جاهزة من مثل؛ شبه الجملة والجملة المبتورة والجملة الشرطية غير المكتملة والتكرار المتقصد واللجوء إلى التقفية الداخلية بما منح النص إيقاعية مغايرة تقول : ‘وعلينا ما على النحل موسم اللقاحعلينا ما على البوصلة في مهب الرياح… ‘وتقول: ‘هذا الهوى لقيط هواء!’وتقول :’كأنّي ما عدت أشبه غضبي؟كأنّي لا أحد؟’تقول ايضا :’مدن سكنتنا؛مدن نسكنها؛مدن حين تعيد كتابة الحنين لا تذكرنا….’هذه الأساليب المراوغة وغير المعهودة في سياقاتها الشعرية شكلت بدورها صورا مبتكرة لم تأت موغلة في الإبهام أو تجريدية بعيدة عن العالم المناخ الذي تريد ان تصنعه الشاعرة في كتابتها ؛ صورة مخدومة بإتقان بالغة الشفافية غير معتمة رغم شجنها الطاعن في الحزن تقول:’أتسكّع في ممرات الصمتعلى إسفلت الكلام المختنقتتساقط فراشات صوتي…’وتقول : ‘هي متعدّدة المواهبتجيد تعكير مزاج فكرة لاتزال بقميص النوم تهوى تقصيب ريش صباح’تقول كذلك من صورها المبتكرة :’العاشق المخدوعيطارد قمرا افتراضيا؛يزعم أنّه الربيعوإنّ في زئبق الوطن بقيّة؟’ومن تشكيلاتها اللافتة ما تقوله هنا:’تصرخ العاشقة عند نفق صوتهاأين أنا؟في لوحة المعنى الهاربإلى جسارة الضوء…’فالثورة هنا لا تقوم على الاستعارة أو المجازات فقط وإنما تعمل على تثبيت فقه الاختلاف ليس من خلال لقاء المتنافرات فقط ولكن أيضا بمقاربة ما هو منسي من عوالم الهوامش والعناصر المتفلتة وتلك الرؤى العابرة عالم التفاعل والانقطاع الغياب والحضور والصورة العائلية التي لم يبق من إطارها غير حليب النوستالجيا .لا تحتاج قصيدة النثر إلى نقاد يعلون من شانها بقدر ما هي في حاجة إلى شعراء يعتنون بها كفعل ثقافي من شانه أن يسهم في تغيير العقلية عقلية الإنسان وهذا ما عملت عليه علياء رحيم في كتابها هذا الأخير ‘بماذا تعدني أيها الليل’* من مقدمة المجموعة الشعرية * ‘بماذا تعجني أيها الليل ‘المجموعة الشعرية الاخيرة للشاعرة علياء رحيم صادرة بتونس مؤخرا .qadqpt