بمشاركة 46 دولة و4703 شركات: هل يتحول معرض دمشق الدولي مهرجانا للتسوق؟

حجم الخط
0

أنور بدر

دمشق ـ “القدس العربي” افتتح الدكتور عامر حسني لطفي وزير الاقتصاد والتجارة نيابة عن رئيس الجمهورية بشار الأسد الدورة الثالثة والخمسين لمعرض دمشق الدولي، والتي أقيمت في النصف الأول من أيلول (سبتمبر) الراهن، بمشاركة (46) دولة عربية وأجنبية و(4703) شركات، فيما قام المهندس محمد ناجي عطري رئيس الحكومة بجولة تفقدية في اليوم الأخير منه، يرافقه نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وكل من وزراء المالية والسياحة والاقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة والشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة للسيد نصري الخوري الأمين العام للمجلس الأعلي السوري ـ اللبناني الذي أكد حرص لبنان علي مشاركة دائمة في معرض دمشق الدولي رغم الظروف التي مر بها من دمار وحصار فرضه الاحتلال الإسرائيلي بعد 12 تموز (يوليو)، ومع هذه الظروف كانت هناك مشاركة بسيطة لكنها معنوية هذا العام.

إلا أن الأحداث التي مرت بها المنطقة جراء الاعتداءات الإسرائيلية علي لبنان والشعب الفلسطيني أرخت بظلالها علي الكثير من النشاطات والفعاليات الاقتصادية والثقافية خارج حدود المشاركة اللبنانية، ومع ذلك استطاع المعرض أن يحافظ علي مستوي مقبول من المشاركة الدولية، خاصة بعد ما عادت الصين للمشاركة بجناح ضم /41/ شركة، إضافة للمشاركة الواسعة للمركز التجاري الكوري عبر /60/ شركة، كما أكد السيد عماد الزعبي المدير العام للمؤسسة العامة للمعارض والأسواق الدولية، مُضيفاً أن المشاركة الإيرانية كانت من أضخم المشاركات هذا العام إذ حجزت صالة دولية كبيرة بمساحة /2600/ متر مربع، بالإضافة إلي المساحات المكشوفة.*****ولا يُخفي علي احد من المتابعين أن الوظيفة الأساسية للمعرض هي وظيفة اقتصادية بالدرجة الأولي، إلا أن معرض دمشق الدولي سعي منذ بداياته للتأكيد علي وظائف أخري سياحية وثقافية وفنية علي هامش المعرض، ربما لا تقل أهمية عن الوظيفة الاقتصادية التي كانت وما تزال محكومة إلي درجة كبيرة بشروط الاقتصاد السوري، وبيروقراطيته المعيقة، والتي لم تفلح حتي عام /2001/ برفع قيمة الصفقات التجارية المتعاقد عليها خلال المعرض عن سقف لـ19 مليون دولار فقط، وهو رقم بائس بالقياس للمعارض الدولية، إذ يُمكن لشركة واحدة كبري أن تنجز تعاقدات بهذه القيمة في بعض المعارض الهامة.

وهذا يُشير إلي ضرورة تطوير آليات التسويق والإعلان، والاهتمام بجذب العارض من جهة والترويج للإمكانيات المتاحة أمام الشركات والمستهلكين معاً، ليس بصفتهم الفردية، وإنما من خلال تلبية الاحتياجات التسويقية لهم، والاهتمام بشكل خاص بترويج وتسويق المنتجات المحلية ورفع سقف الصادرات مقابل ثقل الواردات المتزايد.

وكان السيد الزعبي قد أشار في مؤتمر صحافي الي أن المشاركين في الجناح السوري بلغ عددهم /243/ مشاركاً بالإضافة الي /18/ مشتركاً في سوق البيع، و/75/ مشاركاً آخر في جناح الصناعات اليدوية، وحوالي /78/ مشاركة مباشرة لشركات أجنبية وخمسين مشاركة ممثلة بوكلاء سوريين.

أما عن المساحات المؤجرة في المعرض فقد بلغت /76913/ متراً مربعاً، ومجموع العارضين الإجمالي بلغ /4703/ شركات، منهم /2540/ عارضاً محلياً و /2163/ عارضاً عربياً وأجنبياً، كما تم تخصيص مساحات مكشوفة تقدر بـ /6000/ متر مربع مخصصة لشركات السيارات، وأقيم جناح خاص بالسياحة والريف السوري والزراعة، وجناح خاص بالطاقة المتجددة.

إشكالية معرض دمشق الدولي أنه لن يتمكن من رفع وتائر وسقوف التصدير ما لم يتم رفع القدرة التنافسية للصناعة السورية، وهي مسألة مشكوك فيها ضمن المناخات المحلية والدولية السائدة. كما أن مفهوم المعارض الشاملة قد أخذ في السنوات الأخيرة يتراجع عالمياً لصالح المعارض التخصصية، وهنا يبدو طموح مديرية المعارض والأسواق الدولية بتحويل معرض دمشق الدولي إلي مهرجان تسوق دولي كمهرجان التسوق في دبي مثلاً، ضرباً من الوهم في ظل المعادلة السياسية والاقتصادية المحلية.*****المسألة الجديرة بالنقاش تكمن بالدور الثقافي والاجتماعي لمعرض دمشق الدولي الذي بدأ يتراجع منذ عام /2003/ أي تاريخ انتقاله من ضفة بردي في وسط المدينة إلي موقعه الجديد في مدينة المعارض المشادة علي طريق مطار دمشق الدولي بمسافة تبعد حوالي /30/كم مربعاً عن وسط المدينة.

وقد حاولت مديرية المعارض توفير مساحات خضراء ومياه ملونة وراقصة ومشاهد مغرية للزيارة، خاصة وأنها تمتلك مساحة تصل إلي حدود مليون ومئتي ألف متر مربع، قابلة للتوسع حتي حدود المليوني متر مربع، وهي تكاد تضاهي أكبر المعارض الدولية كمساحة، إلا أنها عجزت عن تحقيق تقدم مواز في عدد الزوار، ورغم تأكيد السيد الزعبي أن عدد الزوار في المكان الجديد لم ينخفض عن زوار المعرض القديم، اعتماداً علي واردات بيع البطاقات، إلا أن المدير العام يتجاهل الأعداد الغفيرة التي كانت مؤهلة لدخول المعرض القديم بدون بطاقة، وهي الآن لن تجشم نفسها عناء الوصول إلي مدينة المعارض الجديدة علي طريق المطار.

وهو يعترف أن عدد زوار العام المنصرم قد انخفض عن الأعوام السابقة، وأتوقع أن تكون الأعداد هذا العام أقل، خاصة مع تخصيص الأيام الثلاثة الأولي من المعرض لرجال الأعمال حصراً. بحيث تتأكد الوظيفة الاقتصادية للمعرض علي حساب وظائفه الاجتماعية والثقافية، إذ كان المعرض يُساهم سنوياً في تنشيط السياحة الداخلية باتجاه دمشق، إضافة للسياحة العربية، وكان البرنامج الفني لمعرض دمشق الدولي أغني بكثير من البرنامج الحالي، ولن ننسي فيروز وهي تتألق سنويا ً علي مسرح المعرض بالإضافة لكبار الفنانين العرب وأضخم الفرق الفنية والاستعراضية العالمية التي كانت تؤم دمشق بهذه المناسبة.

وأعتقد أنه باستثناء صباح فخري في حفلٍ يتيم، يمكن اعتبار برنامج المهرجان الفني لهذه الدورة استنساخاً عن الكثير من المهرجانات التي تحتفي بها دمشق أو المحافظات السورية الأخري، خاصة وأن فرقة إنانا تكرر عرضها زنوبيا ـ النخلة والعاصفة، وفرق التراث وشموع الطفولة وسواها من الفرق السورية لم تقدم ما هو جديد أو مميز، واقتصرت المشاركة العربية علي نادي فتيات فلسطين من مخيم اليرموك في دمشق، وفرقة راني أبو حدية من لبنان مع حفل غنائي للمطرب اللبناني مروان خوري، مقابل مشاركة دولية يتيمة لفرقة الجيل الجديد باسم أرمينيا. جميل أن يتذكر القائمون علي المهرجان الفني للمعرض وجود المطرب الكبير صباح فخري، ولكن السؤال: هل خلي الشعراء من متردم؟ أم أن سورية لن تجد مطرباً يوازيه أمد الله بعمره؟ وإن خلت سورية فهل جفت الساحة اللبنانية إلا عن مروان خوري؟ وهل افتقدنا وجود أسماء هامة في مصر والخليج وسواهما من الأصقاع العربية؟

وهل تخطط مديرية المعارض لتحويل المعرض إلي مهرجان للتسوق الدولي اعتماداً علي هكذا برنامج فقط؟! وماذا تمتلك حقيقة لتقدم لذلك المتسوق العربي أو المحلي لأنني لا اطمح لمتسوق دولي، رغم إضافة هذه الدولية لكل مهرجاناتنا؟.

يبدو أن معرض دمشق الدولي أمام استحقاق قد يطال مصيره بعد /53/ عاماً علي ولادته، فإما أن يتراجع أمام المعارض التخصصية التي تتكاثر كالفطر في كل يوم، أو أن يستطيع تجديد العقلية الإدارية والإعلامية والفنية المهيمنة عليه كي يحقق طموح التحول إلي مهرجان تسوق دولي حقيقة وليس شعاراً فقط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية