بمناسبة صدور روايتها الجديدة آرتيست : هاديا سعيد: العمل الروائي يستوعب الفنون ومن الاجحاف أن نحدد خصائصه بقوالب محددة
يحيي القيسيبمناسبة صدور روايتها الجديدة آرتيست : هاديا سعيد: العمل الروائي يستوعب الفنون ومن الاجحاف أن نحدد خصائصه بقوالب محددةعمان ـ القدس العربي : تتميز الروائية والقاصة والصحافية اللبنانية هاديا سعيد بالغني في تجربتها وبتنوعها الخلاق فقد ذهبت بعيدا في الكتابة الابداعية الروائية والقصصية، وأيضا في العمل الصحافي والبحثي، ومؤخرا أصدرت روايتها آرتيست التي تمتاز بولوجها في عوالم الفنانين خلال سنوات الستينيات وما قبلها بلغة رشيقة، وبحث عميق، وتداخل فذ في البناء السردي، وتوظيف جلي للفنون الأخري اضافة الي المعرفة المعمقة عبر البحث والتوثيق. تقول سيرة هاديا سعيد بأنها من مواليد بيروت ودرست فيها.كما عملت في الصحافة اللبنانية كمتدربة أثناء دراستها، وانتقلت للعيش مع زوجها في بغداد خلال السبعينيات وعملت معه في الصحافة وترأست اقساما مختلفة في مجلة ألف باء ثم عادت الي بيروت وعاشت فترة من الحرب اللبنانية في مطلع الثمانينيات وعملت في جريدة السفير وبعدها انتقلت الي المغرب وعملت في الصحافة هناك ولا سيما في جريدة العلم وجريدة الاتحاد الاشتراكي كما عاشت في لندن لعشر سنوات ثم أخيرا في دبي حيث هي المسؤولة المشرفة علي التحرير في مجلة سيدتي ، وقد كتبت القصة والرواية وسيناريو العمل الدرامي التلفزيوني والمسلسل الاذاعي والفيلم التسجيلي.أصدرت من الروايات بستان أحمر ، بستان أسود ، آرتيست ، ومن المجموعات القصصية: أرجوحة الميناء ، يا ليل ، رحيل ، نساء خارج النص ، ضربة قمر ، كما أصدرت كتاب سنوات من الخوف العراقي وهو كتاب سياسي اشكالي نال الكثير من القراء والمتابعة. هنا حوار شامل حول روايتها الجديدة وهواجسها الابداعية وغربتها الطويلة وآرائها في الكتابة والحياة. لنبدأ من آرتيست روايتك الجديدة فقد لاحظت أنها تتناول حياة فنانة عربية قال البعض انها سعاد حسني، حدثينا عن الجانب البحثي الذي قمت به وما مدي التطابق بين الخيال الروائي والوقائع الوثائقية؟ حول الجانب البحثي لا أستطيع أن أقول الا أني اشتغلت بما أستطيع ان أصفه بـ العنف لألملم الكثير من شظايا الذاكرة أولا التي تشكل المخزن الأول للمعلومات الفنية، وهي التي رافقتني ايام الطفولة والصبا، ثم الامساك بشظايا أخري انطلقت منها لأبحث عنها في مراجع عديدة بين كتب ومجلات وقواميس وسير حياة فنانين، وأشرطة وافلام وموسوعات تتعلق بالسينما والمهرجانات، و.. الحقيقة اني لا أعرف كيف اشتغلت علي كل هذا، ربما وظفت حادثة موت أو مقتل الفنانة سعاد حسني توظيفا ضمن هيكلة الرواية، كما استعنت بمواصفاتها كنموذج يمثل جيلا أنتمي اليه، لكني أحببت التوصيف الذي استخدمته الكاتبة املي نصرالله حين كتبت عن الرواية وأشارت أني اشتغلت مثل نحلة دؤوبة. الآن اري أنه التوصيف الملائم، لكن ما أحب أن أقوله اني اشتغلت بحب جارف ولم أكن أحس بالساعات الطويلة المتواصلة، بل ان اعداد هذه الرواية رافقني حوالي ثلاثة أعوام كنت أعمل فيها بشكل يومي، فأهرب اليها في ساعات الفجر الاولي قبل حلول موعد دوامي الرسمي في عملي، وفي أواخر ساعات المساء، وأيام العطل الأسبوعية والأعياد. أما التطابق بين الخيال الروائي والوقائع الوثائقية فهو متلاحم لدرجة أني استعنت بتقنية أفلام الدراما التي تستوعب شخصيات كارتونية في مشاهدها كفيلم الارنب الشهير وفيلم ماري بوبينز وغيرها، فهناك الكثير الكثير من الوقائع التي تسللت اليها بطلة الرواية وشخصيات أخري وأضفت الخيال الدرامي اليها دون ان تفقد مصداقيتها، من هذه الوقائع للمثال: المصالحة بين الفنانين فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، والسهرة برفقة الشاعر سعيد عقل، وغيرها. اذن من هي بطلة الرواية الحقيقية؟ هل هي سعاد حسني أم ظلها؟ هي كما ذكر أحد النقاد سلسلة من سلالة سعاد حسني، الغريب اني لم ابحث عن تفاصيل حياة سعاد حسني الشخصية، ورغم هذا اكد كثيرون ممن قرأوا الرواية ان الاحداث تشبه الي حد كبير حياتها وخاصة في جانبها العائلي وطلاق الابوين والبيئة الخ.. ومع هذا يبدو لي أني اردت تركيب حيوات لجملة من الفنانات في شخصية درامية واحدة هي سلمي حسن. ماذا عن ابطال الرواية الآخرين؟ المليونير كميل تيدروس الذي يكبر سلمي بحوالي اربعين عاما، وزوج شقيقتها، ومدحت الذي أحبته، الي أي مدي تقترب هذه العلاقات من الحقيقة أو تبتعد عن الخيال؟ هؤلاء الابطال هم الذين رافقوا سلمي حسن في رحلة عمرها الفنية والحياتية فكميل اصطادها وهي علي عتبة انوثتها الأولي، وبالنسبة لها هو البديل للأب، لكن هذا الفهم النفسي التقليدي سرعان ما يأخذنا الي مفهوم اكبر واكثر عمقا وتعقيدا وهو العلاقة المتشابكة بين الحب والرغبة والاحتياج النفسي وتعدد مستويات الصداقة، كما تشف علاقة سلمي بمدحت، بمفهوم آخر يختزل العلاقات العاطفية المشبوبة والمتوترة بين المبدعين والفنانين. هل تعتقدين ان التشويق الذي اعتمدته والحبكة شبه البوليسية وروح الفكاهة، ادوات مقنعة للقاريء العادي مع أنها ليست ادوات معيارية بمفهوم النقاد؟ بل أعتقد أن التشويق والعناصر الاخري التي ذكرت هي ركائز أساسية في كل عمل روائي، والنجاح مرتهن بقدرة الكاتب او الكاتبة علي ارساء معادلة التشويق والعمق، وهو ما أزعم أني سعيت اليه وما افرحني ان بعض القراءات تلمست هذا السعي. وهل هناك شخصية معينة أحببتها بشكل خاص في الرواية؟ سلمي حسن بدون شك، وأذكر ان الصديقة الرائعة الراحلة مي غصوب وهي الناشرة، قالت لي: احذري ان تقعي في حب روايتك ففي بعض الفصول كنت اقف عند هذا المنزلق، ورغم أنه خطر كما يقولون، لكني أزعم أيضا أن معظم الروائيين وقعوا بشكل أو بآخر بحب أبطالهم.. بالمناسبة فقد أحببت جدا كميل تيدروس، وعشت مع هذه الشخصية صراعات من الرأفة والكراهية وكانت تسيطر علي توجه الاحداث في بعض الفصول بشكل مخيف. أجواء الفن وتحولاتها أحببتها أيضا ولعل فضل هذه الرواية علي انها اتاحت لي عودة شبه موسوعية لعالم الموسيقي والغناء والتمثيل خلال 3 عقود، ليس في البلدان العربية فقط، بل في مراكز الفن في العالم كلندن وباريس وهوليوود. من الواضح أيضا توظيف الخبرات الصحافية والاذاعية في هذا العمل، فهل يحتمل العمل الروائي الأدبي برأيك الانفتاح علي الاعلام المرئي والمسموع والصحافة دون أن يفقد من خصائصه ؟ الحقيقة ان هذه هي مغامرتي الكبيرة، فأنا ممن يؤمنون بتداخل الفنون، وهذا اللعب دخل مجال الرواية منذ سنوات والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها، حيث تم توظيف المسرح والقصيد والفن التشكيلي وغيرها، ومن التجارب هذه ما قدمه كل من فاضل العزاوي وأحلام مستغانمي وغازي القصيبي وبعض كتاب المغرب العربي وآخرين لا مجال لذكرهم جميعا.. لكن العمل الاذاعي بالتحديد لم يوظف في الأعمال الابداعية بالشكل الذي غامرت به، وهذا حسب اطلاعي المتواضع (وأتمني أن يصحح لي احد هذه المعلومة ان كنت أخطأت). أما دفاعي الثاني فهو أن العمل الروائي لم يعد يكتفي بالتوقف عند اللغة السردية المنضبطة بايقاع النحو والعبارة الأدبية الصرفة، خذ للمثال باولو كويليو، ايطالو كالفينو، صنع الله ابراهيم، ماريو فارغاس، فمعهم وسواهم ننطلق الي ايقاعات العصر في الاعلام والصورة السينمائية والسيناريو الخ.. الانفتاح واقع، بل هو بالنسبة لي نداهة تجذبني الي آفاق أحب أن أرمي تجربتي بها، وهو ما فعلته في أرتيست ، وما سأظل أدافع عنه حتي لو رفضه كل النقاد. أزعم أني استخدمت تقنيات البث المباشر، والتحقيق الصحافي والفيلم الوثائقي والسرد الدرامي، وأعتبر ان العمل الروائي يستوعب كل هذه الاضافات، ومن الاجحاف أن نحدد خصائصه بقوالب محددة ومرقمة. بالمناسبة ما هو الدافع الذي أوحي لك بالدخول الي عوالم الفنانين في مصر ولبنان في تلك الفترة المبكرة لانجاز رواية عنها ؟ هل تعلم أن فكرة هذه الرواية انطلقت من لحظة غير متوقعة؟ كنت تسلمت شيك مكافأة من اذاعة البي بي سي، عندما كنت أشارك في تقديم برنامج أوراق لمسابقة القصة القصيرة، مع المذيع والمخرج سمير فرح، وفجأة لفتتني عبارة أمام مبلغ المكافأة حيث يتم التعريف بالمشاركة، فقرات عبارة، ارتيست، بالانكليزية بالطبع، وكان هذا يعني ان مساهمتي ادخلت في خانة المشاركة الفنية، فجأة ايضا انطلقت ذاكرتي في تدحرج غريب نحو معاني كلمة (ارتيست) واخذتني الي تعريفات لمغنيات ومنولجستات كنا نقرأ عنهن في المجلات الفنية ونسمع بهن، وفي لعبة الذاكرة هذه وجدت عالما شاسعا يمتد ويأخذني للمفهوم المتغير والمتطور والمتراجع والمزيف لمعني (ارتيست) بكل اشتقاقاتها اللغوية، في اللاتينية أو العربية. من هنا ايضا، أخلصت لهذه اللحظة حيث وظفتها في نهاية الرواية مستخدمة الحدث (الاطلاع علي عبارة ارتيست في بيانات المكافأة من اذاعة بي بي سي) مع البــطلة الثانية للرواية،اريد أن أقول ايضا، ان ما كان يعرض علي الفضائيات من أفلام قديمة جذبني ايضا للعودة الي تلك الحقبة الذهبية،ولكن يبقي المهم وهو أني اردت تقديم شهادة لتحولات رهيبة لعالم الفن العربي طيلة أربعة قرون، واذا كان لكل عمل ابداعي رسالة يود الروائي توجيهها فان رسالتي في ارتيست ، كانت حول تحولات الفن وعالم أهل الفن، والذي يسيطر اليوم علي الكرة الأرضية. لاحظت أنك بدأت قصاصة وكتبت في الرواية والسيناريو التلفزيوني والاذاعي والمقالات الصحافية والتوثيق السيري.. برأيك هل هذا التنوع يغني التجربة الابداعية أم يجعلها مشتتة؟ لفترة كنت أشعر بالذنب و أسمع ملاحظات من زملاء بأني أشتت تجربتي، لكني الان مطمئنة أن مغامرتي تجد أصداء ما، وأن ما كان البعض يعيبه علي بأني لم احدد نفسي في دائرة الابداع الأدبي فحسب وأنطلق عموديا منها، أو في دائرة الاعلام وأتفرغ لها، يتراجع بقوة، لتتقدم حصيلة المغامرة الابداعية، وعليها بصمتي الصغيرة المتواضعة، حيث يفرحني جدا عندما يتعرف علي أحدها قاريء غريب أو قارئة بعيدة ثم يقتربان.اذن فالتشتت لا أعترف به، أما غني التجربة، فلست أنا من يتحدث عنه، فهناك من تحدث وهناك من آمل أن تستوقفه محاولاتي، ويبقي علي الاجتهاد وهو ما أحبه في هذه المغامرة التي اعتبر نفسي محظوظة في رغبتي بخوضها. هل تعتقدين أن النقد العربي قد أنصف رواياتك وقصصك وتناولها كما يليق بها أم مر عليها مرورا سريعا ؟ لا أتوقف كثيرا، كي لا أشعر بالزهو، أو الظلم، ما زلت أتصرف كتلميذة تتمني النجاح. غير اني الاحظ ان النقد في معظمه، حين يتحول الي ما يشبه اضواء المسرح او حفلات البوب الصاخبة، يبدو حصيلة علاقات شخصية، ومن ناحية أخري تلعب الصدفة دورا في وصول النتاج الي ناقد ما.لكن كلمتي الاخيرة حول هذا السؤال، هو أنه لا بد لهذه الروايات أن تنصف ذات يوم، فلا بد أن يعثر عليها نقاد كما يعثر الغرباء علي رسالة في زجاجة لفظها الشاطيء، بعد أن رمي بها كاتبها أو كاتبتها من ضفة أخري، الي عرض البحر. تبقي متعة الكتابة ورمي الرسالة في زجاجة وسط البحر، أهم بكثير من التوقف عند محاسبة النقاد أو محاكمتهم.أحيانا تعتريني لحظة غرور فأقول لنفسي: ان بعض النقاد يحرمون أنفسهم من متعة قراءتي، وأولهم الدكتور جابر عصفور!! من الملاحظ أنك عشت طويلا ولا زلت خارج لبنان (لندن، دبي، الرباط، العراق..) تري ما الذي أضافت الغربة الطويلة لتجربتك الابداعية والكتابية أو ما الذي أخذته منها ؟ علمتني الغربة مفاهيم جديدة للوطن والجذور والانتماء، أضافت الي انسانيتي بعدا ينتمي الي العدالة والتفهم والتقبل وتعدد اللغات، نوعت وأثرت ثقافتي في القراءة والتعرف علي الأصقاع واكتساب الصداقات، صار أفق الكتابة أعمق وأرحب. هذه قطرات من الكرم الذي منحته لي تلك الغربة . أما ما أخذته مني فهو شعوري بهذا الدين الذي لن أفيه ابدا. لديك تجربة في الكتابة السياسية (سنوات من الخوف العراقي) ماذا جرت عليك هذه التــجربة من النقـــــد أو التشجيع ولماذا لم تواصلي الكتابة في المجال نفسه ؟ هذا الكتاب اسموه (البست سيليرز) في تجربتي، وحظي بمراجعات ما زلت أكتشفها بالصدفة عندما اتجول في الانترنت. لم أكن أخطط لهذا الكتاب، كما أني لم أخطط لمشروع آخر أعمل عليه الآن عن تجربة أخري، تبدأ بالحجاب ولا أعرف الي أين تصل، هذا يعني أني ما زلت أواصل هذا التجربة، ولكن لا أدري كيف والي متي، الا أني أدرك بالتأكيد لماذا أخوضها.QHR0