كل عام وأمتنا العربية بخير، رغم أننا لا نعرف من أين يأتي الخير- نحاول أن نسرق من أيام المآسي والأحزان هدنة لثلاثة أيام لا غير لنمارس حقنا، نحن المواطنين العرب، بالفرح في أيام عيد الفطر التي تطل على أمتنا غير السعيدة لتنشر شعورا مؤقتا بالهدوء والطمأنينة، نعود بعدها إلى ممارسة الحزن الذي أدخلنا فيه حكامنا الأشاوس الذين وضعونا بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن يبقوا جاثمين على صدورنا إلى الأبد، يورث الأب الابن لمتابعة القهر والطغيان، أو أن يدمروا البلد حجرا على حجر ويلغوا في دمائنا حتى تزور الأرض منها. أنا المواطن العادي/ المواطنة المقهورة، أبعث إلى إخوتي وأخواتي في الوطن العربي الكبير هذه البطاقات القصيرة لأحدثكم عن أيام العيد الحزينة في سورية أو مصر أو فلسطين أو العراق أو تونس أو ليبيا أو البحرين أو لبنان أو اليمن أو السودان أو الصومال، وأفتح لكم صفحات من بعض همومي وأحزاني وآلامي، لعل رسالتي تلامس نخوة في بني قومي فيأتون زرافات ووحدانا لمساعدة إخوتهم وأخواتهم في ميادين الموت والحزن والقهر والظلم. لقد أذلنا حكامنا وأوردونا دروب المهالك والخراب والفساد وحرفوا بوصلة النضال التي كانت مصوبة نحو القدس لتشير الآن إلى كل الاتجاهات إلا القدس، وأطلقوا غول الطائفية ومولوا كل الحركات التكفيرية وأشعلوا العديد من الفتن داخليا وخارجيا. كيف يمكن أن نستمتع بعيد أو نتذوق الحلوى أو نرى أطفالنا يلبسون الملابس الجديدة ويعودون إلى البيت سالمين، من دون أن تتصيدهم طائرة أو برميل أو سيارة مفخخة أو صاروخ أو بندقية رجل أمن أو رصاصة تكفيري أو هراوة شبيح أو بلطجي؟
بطاقة من مصر
كل عام وأمتنا العربية بخير. تعرفون يا أحبابنا أن أمور بلدنا لم تسر على ما يرام منذ ثورتنا المباركة التي أسقطت أعتى طغاة العصر، بعد ثلاثين عاما من الفساد والتخاذل والتراجع والانصياع لإملاءات الأعداء. رقصنا فرحا في الشوارع وكدنا لا نصدق عيوننا ونحن نرى الفرعون المحنط خلف القضبان. لقد اكتشفنا أن مقايضة تاريخية جرت بين العسكر الذين لا يؤمنون أصلا بالديمقراطية والإخوان الذين يتربصون منذ أكثر من 80 سنة للوصول إلى سدة الحكم حتى يتم حرمان من قاموا بالثورة حقيقة وكي يبقى التغيير في الشكل دون الجوهر، وأمام هذه المعادلة الصعبة وُضع الناخبون أمام خيارين أحلاهما مرّ: الفلول أو الإخوان فلم يجدوا بديلا عن انتخاب مرشح الإخوان. كنا نعقد الأمل على أن يرتقي الرئيس المنتخب إلى مستوى يليق بمصر ومكانتها، وأن يصبح رئيسا لكل المصريين وألا يتلقى أوامره من المرشد العام؟، فما هو إلا عام أو أقل وإذا بأرض الكنانة تصبح ميدانا للتمزق والصراع والخوف والتحرش واضطهاد الأقليات وتهميش المرأة والضنك الاقتصادي والانفلات الأمني والفوضى. تمنينا على مؤسسة الجيش أن تستخدم قوتها الناعمة لإجراء تصحيح سلمي وسليم بالضغط على كافة الأطراف للتوصل إلى حل توافقي يعيد عجلة الحياة التي تعطلت أو كادت، ويبعد مصر عن استنساخ النموذج الإيراني وولاية المرشد العام، ولم نكن نتوقع أن نرى الرئيس المنتخب ينقل من قصر الرئاسة إلى السجن وأن تطلق النار بكثافة على المتظاهرين السلميين فيتضرج نحو ثمانين بدمائهم، وتغلق القنوات الفضائية المعارضة، ويتم اعتقال المخالفين للرأي. هذه ليست مصر التي تربينا فيها، مصر المسالمة الهادئة الصبورة المليئة بالحب والتسامح والإيمان العميق. نحن يا أخوتنا نعيش لحظة التمزق الموجعة في هذا العيد فادعوا لنا أن يلهمنا الله طريق الخير والرشاد والتعافي لتبدأ مصر عصر الاستقرار والتقدم والحرية والكرامة لما في ذلك خير لنا ولأبناء أمتنا الكرام الذين دائما يتفاعلون مع مصر في السراء والضراء.
بطاقة من سورية
وهل بقي مكان آمن في سورية لنقيم فيه احتفالاتنا بعيد الفطر، من دون خوف من صاروخ أو برميل متفجر أو شبيحة تلاحق أو جماعة تكفيرية تمارس الإعدامات الميدانية باسم الدين؟ ثورتنا يا أبناء العروبة الأحرار التي كان يمثلها غياث مطر وحمزة الخطيب وعلي فرزات وإبراهيم القاشوش ومي سكاف والمرحوم خالد تاجا، تم خطفها على أيدي التكفيريين والمتطرفين من أمثال أبو محمد وأبو الجماجم وأبو القنيقاع الجولاني أو البغدادي أو الشيشاني أو الداغستاني أو الألباني لا فرق.
شعبنا قام بطريقة حضارية سلمية ينشد الحرية والكرامة بالمسيرات الليلية والشموع والغناء والرقص والحداء ورفع علم سورية عاليا، لكن الرد جاء بالصواريخ والدبابات والبراميل وإطلاق أيادي الشبيحة محترفي القتل والتعذيب. تحولت سورية إلى أرض يباب – دكت معالمها التاريخية من مسلات ومعابد ومساجد وقبور أولياء صالحين، ولم يسلم من ذلك قبر خالد بن الوليد. دخل حدود سورية الأغراب الذين لا يهمهم لا الشعب السوري ولا الحضارة ولا التاريخ ولا المعالم ولا المستقبل. تحولت بلادنا إلى ‘حقول الموت’ على الطريقة الكمبودية، أو حقول ‘الإبادة الجماعية’ على الطريقة الرواندية. لا تقولوا لنا ‘كل عام وأنتم بخير وينعاد عليكم بالسلامة’، لأننا لا نعرف يا أخوتنا هل سيبقى شيء من سورية لرمضان القادم أم ستنعون الديار وتقولون ‘يا دار ما فعلت بك الأيام – ضامتك والأيام ليس تضام’ .
بطاقة من فلسطين
كل عام وأمتنا العربية بخير. نحن أبناء الوطن المحتل من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه لا نعرف كيف نحتفل بالعيد، ومجندة إثيوبية أو أوكرانية تستطيع أن تمنع كل المصلين من دخول الأقصى وقبة الصخرة. نود فقط أن نذكركم في هذا العيد ألا تنسوا فلسطين ‘أم المشاكل جميعها’ لأن كل ما يجري في عالمنا العربي من مصائب يخدم في المحصلة هذا الكيان السرطاني الغريب الذي زرع في قلب أمتنا بطريقة قسرية. إن محاولة إقامة دويلات دينية في المنطقة إنما لخدمة يهودية الدولة التي أصبحت تضع هذا الاعتراف سيفا مرفوعا فوق رؤوس المفاوضين الكبار منهم والصغار . فبينما تستأنف المفاوضات العبثية تعلن إسرائيل عن بناء مستوطنات جديدة أو توسيع مستوطنات حالية… النتيجة أن مفاوضينا الأشاوس تخلوا عن كافة شروطهم وعادوا إلى الطاولة بيدين خاويتين.. فلا الانقسام انتهى ولا الوحدة الوطنية قامت ولا الانتفاضة الثالثة على الأبواب ولا الأوضاع الاقتصادية تسر البال ولا الجدار توقف عن الالتفاف حول القرى والمدن الفلسطينية، ولا الأمل بإطلاق السجناء الذين يربو عددهم عن الأربعة آلاف قد تحقق، ولا تهويد القدس تباطأ ولا سرقة المياه توقفت، ولا اعتداءات المستوطنين تراجعت، ولا القيادة المفروضة على شعبنا بجناحيها تملك رؤية للمستقبل أو لديها بدائل للأوضاع التي وجدنا أنفسنا فيها بعد توقيع اتفاق الذل والعار قبل عشرين سنة تماما. كيف لنا أن نفرح بالعيد؟ وكيف يمكن أن نفرح وإخوتنا في مصر وسورية وتونس وليبيا واليمن والعراق والسودان ولبنان مشغولون عنا بمشاكلهم العظيمة والمعقدة، بدل أن يكونوا معنا في مصيبتنا التي هي مصيبتهم ومحنتنا التي هي أصل محنهم؟
بطاقة من تونس
كل عام وأنتم بخير يا أبناء أمتنا العظيمة. شعبنا المسالم الواعي لا يعرف الاغتيالات. هذا شيء جديد على بلدنا. أتعرفون أن الاغتيال الوحيد الذي تذكره بلادنا كان عام 1961 عندما قتل صالح بن يوسف، المنافس الأقوى للنظام البورقيبي، لكن لم يقتل في بلادنا بل في فرانكفورت بألمانيا. وعندما اغتيل النقابي اليساري المعروف شكري بالعيد يوم 6 شباط/فبراير الماضي سرت قشعريرة في جسم كل تونسي وتونسية. لم نصدق. قلنا بالتأكيد هذه أياد خارجية. شعبنا لا يغتال ولا يغتصب ولا يتدخل في الشؤون الشخصية لأحد. أما أن تتكرر حادثة الاغتيال ويسقط هذه المرة الناشط الناصري المعروف محمد البراهمي يوم 25 تموز/يوليو فهذا ما لا طاقة لنا به، ثم يتبع هذه الحادثة مقتل سبعة جنود، من بينهم اثنان ذبحا ذبحا وبعد أربعة أيام من مقتل البراهمي. كيف يمكن أن يتم هذا في تونس الخضراء بلد المحبة والخير والحضارة والسلام؟ كيف يمكن أن يتحول إنسان تونسي إلى وحش يذبح جنديا بيديه؟ من أين جاءت أيديولوجية القتل والتكفير إلى بلادنا؟ من الذي نصب نفسه وليا على قلوب الناس يحاسبهم حسب مسطرته هو لا حسب مسطرة رب العالمين؟ هذا العيد أيها الإخوة يأتينا ونحن خائفون، خائفون على ثورتنا وخائفون على بلدنا وخائفون على طريقتنا في الحياة وخائفون على مستقبل أولادنا. نجاح الثورة التونسية الرائدة نجاح للأمة كلها وفشلها فشل لكل الثورات ما تقدم منها وما تأخر. قفوا معنا في محنتنا كي نحمي الثورة الرائدة من أيديولوجية التكفيريين والإقصائيين والمجرمين. نأمل أن نلتقى في العيد القادم وقد هدأت الأمواج الهادرة واستقر البحر لتستطيع سفينة الثورة أن ترسو على الشاطئ بسلام.
بطاقة من العراق
كل عام وأمتنا العربية بخير. حتى عروبة بلدنا الآن موضع تشكيك. فقد طغت موجات الطائفية على كل شيء. الطائفية قسمت المحافظات وقسمت المدن وقسمت الأحياء وقسمت الشوارع. نتوق إلى تلك الأيام الخوالي التي لم نكن نعرف طائفة الجار والمدير والموظف والحبيب والسائق. كنا لا نسأل ولا يهمنا أن نسأل. كنا نتعامل مع بعضنا البعض بالمحبة والاحترام. نحب الشاعر لشعره والروائي لرواياته والمغني لغنائه وشيخ العشيرة لكرمه وشجاعته والأستاذ لعلمه، ونقع في الحب من دون أن نسأل من أين وإلى أية طائفة ينتمي الحبيب أو الحبيبة. آخر ما كان يهمنا الانتماء الديني أو الطائفي أو المذهبي. لم نتخلص بعد من العراق الذي ركبه لنا بول بريمر حسب التقاطعات الطائفية. كلما كدنا نتناسى الطائفية تذكرنا بها السيارات المفخخة والقنوات التحريضية وطلقات رجال الأمن الموجهة للمعتصمين. أتعرفون أيها الإخوة والأخوات أن شهر تموز/يوليو الفائت كان الأكثر دموية في بلاد الرافدين منذ نيسان/أبريل 2008؟ فقدت العراق من كل الألوان والأطياف في هذا الشهر الدامي 989 شخصا، من بينهم 778 مدنيا و55 شرطيا و88 عسكريا هذا عدا عن الجرحى الذين زادوا عن 1600. نحن نعتقد أن هناك جهات لا تريد الخير للعراق وأهل العراق، وكلما هدأ أوار نيران الطائفية وثقافة التكفير والسيارات المفخخة جاء من يزيدها اشتعالا حتى يبقى عراق الخير والمحبة مشغولا بنفسه وبعيدا عن قضايا أمته. نتمنى أن يأتي العيد القادم وشعب العراق ينعم بشيء من السلام الداخلي مع نفسه ومع جيرانه، من دون تدخل أو هيمنة أو تخوين.
بطاقة من اليمن
كل عام وأمتنا العربية بخير. أما نحن أهل اليمن فالخير مؤجل عندنا لغاية أن نتخلص من آثار الشاويش الذي خرب البلاد وقسمها ودمر نسيجها الاجتماعي وسلمها لأبنائه وأقاربه وأصهاره ليكملوا مسيرة الخراب. أشعل الحروب في الشمال والجنوب وفتت القبائل وكدس ثروات تقدر بستة عشر مليارا، بينما يقبع بلدنا ضمن قائمة الدول الأكثر فقرا والأزيد تخلفا. مشاكل بلدنا متعددة ‘ويا حسرة نجيبها منين ولا منين؟’ أنتصدى لناشطي القاعدة أولا، أم نعمل على تعزيز الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه، أم نطارد فلول الشاويش الذين يرفضون الانصهار أو الانهيار أو الفرار، أم نحاور الحوثيين حول المظالم العديدة التي تعرضوا لها، أم نمنع تدخلات الجيران القريب منهم والبعيد، أم نعلن معارضتنا لطــائرات الغرباء التي تخترق سيادة اليمن صباح مساء؟ سامحونا يا أبناء العروبة الأمجاد فاليمن سيعود إلى حضن أمته الدافئ بعد أن نرتب أوضاعنا الداخلية، التي لا تسر صديقا لتعقيداتها. واقبلوا منا بطاقة المعايدة هذه بمناسبة عيد الفطر السعيد من اليمن غير السعيد.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك