قراءة في الكتابة والتصوف لخالد بلقاسم:
يوسف ناوري
تكتسي العودة الي التصوف الآن راهنية قصوي لمواجهة أسئلة الانسان وتحديات الزمن المعاصر. فاطراد تقدم مظاهر المدنية وتفاقم المشاكل المتصلة بها يضاعف من شكوك الانسان في الماهية والغاية؛ ويقذف به في عوالم الارتياب والبحث الدائب عن مسالك لبناء توازنه الفردي والمجتمعي وتصريف هواجسه. في هذا يتقدم الخطاب الصوفي كمكان معرفي متجدد لالتئام صورة الانسان؛ بالخصوص عندما يصطدم بمفارقات الواقع المادي وعنت المدارك والأحاسيس. كما يصبح النص الصوفي (وغيره من الكتابات الشعرية وتلك التي تقف علي حدود التجربة الانسانية) ضرورة. غير مُتجَاوَز ولا تتخطاه حدود الزمن والتقليد.. يحمل رؤي الانسان وقيمه؛ ويؤسس لعلاقاته بالكائن والعلوي، سواء في الكتابات التي لها صفة الاتساع والشمول أو في تلك التي ترد اختصارا أو مقطعات في الحكمة والشذرة تقول أنا الفرد في مقام التسامي والبحث عن الذات وتعكس العلاقة بالجماعة وصوت النبوة فيها. تلك حال الصوفية وتآليفها التي اتسع حضورها وتشعبت قضاياها في الثقافة والفكر الاسلاميين فمست عَصَبَ الهوية القائمة علي التوحيد، وتجسدت في ممارسات مختلفة تنزع بين حدود النقل والعقل تارة وبين ممارسات عرفانية زاهدة تارة أخري. ورغم أنها جميعا كانت تبتغي الاتصال بالحق والفناء في الله فانها كانت جميعها تؤسس لعلاقة بالآخر في اختلافه وتباين مظاهر حياته وتفكيره في اعتباره انسانا وصورة لمعني الخلق والمساواة بين الناس. يلهج ابن عربي بالقول: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبياذا لم يكن ديني الي دينه دانيفقد صار قلبي قابلاً كل صورةفمرعي لغزلان وديراً لرهبانوبيتاً لأوثان وكـعـبة طـائفوألواح توراة وأوراق قـرآنأدين بدين الحب أني توجهـتركائبه أرسلت ديني وايمانـيغير أن الخصب الذي تميز به حضور الصوفية في الثقافة العربية مجسدا في تعدد الممارسات واتساع التأويلات يفرض علي كل قراءة ليس فقط تفسير الدوال اللسانية والعناصر النصية الظاهرة ولكن بالأساس اعادة بناء معرفة لا تحفل بالحدود المتواضع عليها ولا تقبل بقصور النظر ولا بالسياج الذي يعقل امتداداتها في الفكر والحياة. فالاتجاه الي قراءة هذا الجانب من الثقافة العربية يتضمن منهجيا الحوار بين أمكنة معرفية ونظرية اشتغلت علي الخطاب الصوفي؛ ومقاربة هذا الخطاب باعتباره تماسا بين الانسي والقدسي وتجسيدا لمعيش التجربة الوجودية. اتجه خالد بلقاسم الي تأملات ابن عربي لاستجلاء بنائه لمفهوم الكتابة أولا، ولتحديد وضعية الشعر في علاقته بالكتابة اثر ذلك مراهنا علي اشراك الخطاب الصوفي في امداد الشعرية العربية “بتأملات كثيرا ما حجبتها القراءات المغرضة” (ص. 23). لم يتوجه الي ذلك بتصور نظري مسبق، ولكن باستراتيجية تبحث في الخطاب عن تبني نص الكتابة كفاعلية ذاتية وموضوعية، وكرهانات معرفية وجودية ورصدها من خلال تشعب العناصر البانية للمفهوم ولممارسة الكتابة عند ابن عربي. فاذا كان هذا الأخير أدمج الكتابة في تصور شامل للوجود تهيأ بوصل ممارسة فعل الكتابة بالجسد؛ ورسم الحروف بوجود الموجودات؛ والكلمة بالدلالة؛ فقد فسر خالد بلقاسم ذلك بمركزية فعل الأمر ـ الدال كن في الكتابة وتأويل ابن عربي لمعني وجود القلم واللوح المحفوظ؛ واشتغاله علي الأمر المستفاد (من ذات فعل كُنْ) الخالقِ للجنس البشري (لحواء من ضلع آدم) وتوالـــج الحـــرف في الوجود بما يفضي الي اعتبار القرآن ذاته كتابة. كتابة هي بمثابة الموضوع الأنطولوجي من حيث العلاقة الناشئة بين أسبابها وبين طريقة الوجود التي أدركها ابن عربي في: 1. اللوح المحفوظ اذ يرتبط القدسي بالجسدي وتتنزل المعرفة مقام الحوار بين اللوح والقلم؛ تتجاذب أمكنة العلوي والشبقي.2. الصفة الوجودية لعلامات الخلق والوجود؛ وهي المخلوقات التي تنتظم في ترتيبِ كتابِ الوجود.3. في اعتبار الكتابة القرآنية باعتبارها تأويلا خطيا بين العلاقات الوجودية السابقة من جهة وبينها وبين الأثر الالهي ـ القرآن الذي يشركها في بناء دلالته.
فهم خالد بلقاسم الكتابة من خلال استراتيجية البناء التي استكشفها في الخطاب الصوفي. وأول الملامح التي وقف عندها ابدال ابن عربي بالحد الذاتي للمعرفة ولما يتصل بها من أفعال وتأويل حدَّ الذوق الذي أصبح موجها لفعل الكتابة والقراءة ولارادة الاختلاف والانفتاح (علي غير فهم الفقهاء وطرقهم). فقد اعتمد ابن عربي آلية الخيال لقدرته علي تنوير فعل الخلق وغزو معني الوجود ـ الكتابة لبناء ممارسته. رصدها الباحث من خلال العلاقات التي تحدد وضعها ومفهومها تجاه الذات ومعني الوجود؛ في صلة بالحرف ـ الكتابة وتسطير القرآن بما هو فعل وأمر بتوالج ووجود. يظهر في الجمع لسانيا بين الضمائر والمعجم والدلالة، وصوفيا بين الظاهر والباطن وبين المعرفة والتجربة الوجودية، بين الخيال وكينونة العقل. واذا كان لنا أن نلحظ تعارضات الأمكنة وتناقضاتها فان أهم وظائف الخيال عند ابن عربي تسويغ اختلاف هذه المجالات. فالوظيفة الأولي للخيال انتاج العناصر والمعارف ـ الحقائق الجديدة التي لا يمكن للعقل استنباطها، ولا للحس سبيل اليها. ان مجموع هذه القضايا هو الذي يشكل مفهوم الصورة ويقود فعل الكتابة وبناء ممارستها النصية عند ابن عربي، بل ويبني التجربة الصوفية برمتها كما يُظهِر لنا القسم الثاني من مؤلف خالد بلقاسم. فضمن الكتابة الصوفية بين الالهي والانسي تتحدد الكتابة بما هي تجربة من خلال الصورة. يقف الكاتب علي طريق بنائها وأمكنة اشتغالها ومسارات التأثير التي تتخذها. فالصورة مؤسسة للكتابة وثيقة الصلة بالكتاب و لا بد لكل كتاب من (أم) وأمه ذلك الكتاب المجهول. لا تعرفه أبدا، لأنه ليس بصفة لك ولا أحد، ولا ذات (ص. 68). بل ان الفعل والوجود ليس سوي صورة تحدد هوية الصوفي ذاته وتسمح له بأن يبني تجربته. يكتبها بالفعل رغم التعالي الذي قد يحكم علاقة الغيبي بالمعيش ضمن فعل الكتابة. لأن مدار الممارسة عنده تحويل الغيبي الي تمثل حياتي أو خيالي يكون آلية لاعادة توضيب الصلة بين الالهي والانسي، وجعل الصوفي يحيا تخلل الألوهية في ممارسته وأقواله، ويدرك فعله بوصفه صادرا عنه وعن غيره، في مقام تتلاشي فيه الحدود بين الذات والغير (ص. 110). سعي خالد بلقاسم علي صوغ مفهوم التجربة الصوفية من عمل ابن عربي، ومن خلال العناصر المعرفية والوجودية التي ينقلها النص. تلمسها في كتابة الشيخ الأكبري حيث الذات منخرطة في رهانها. في مخاطرتها اللعب في (اللغة ـ الوجود) وفي (الصورة ـ الكون) علي مسافة من (الغير) ومن أثر الغياب. واذا كانت الغاية من المخاطرة التي تركبها الذات واحدة تتمثل في رغبتها في الانتقال من الغيبي الي المعيش اليومي لتحوله الي تجربة حياتية يحيا فيها الصوفي صلته بالألوهية انطلاقا من حواسه ومتخيله وكتابته (ص. 110)، فان طرق الانتقال غير نهائية. تتراوح بين السماع والرؤيا والوحي وقد تنتهي بالصوفي الي التبدد والمستحيل.. في العلوي مرة وفي اختبارات اللغة مرات عديدة كما بين ثالث أقسام الكتاب الشعر والكتابة. ففيه نقف علي انتقال التجربة الي أنطولوجيا الفرد الصوفي وهو يختبر لغته كتابة وضما للدوال وافادة من حضور اللغة وهي تحاور الجسد والعالم كتابة. فتأثيل ابن عربي للغته ومعجمه ينطلق من الأساس الوجودي وتَبَنيهِ لِحَدِ الذوق. وهو ما يجعل تأوله للكلمات خاضعا لتداخلات الأنطولوجي بالتجربة واللغة، اللغة العربية بالخصوص التي هيأت له أرضية للتأويل وللكتابة. ان كونية ابن عربي تتأسس من داخل اللغة العربية لا من خارجها، لأن كونية الرهان الذي وجه عمله وكتابته لا تتكشف في انفصال عن اللغة العربية التي يتعين التشديد علي الآفاق التي فتحتها أمام قراءته وكتابته (ص. 115). لا مراء في نجاح خالد بلقاسم في جعل قراءته قادرة علي استجلاء طاقات النص التخييلية والانتقال بين بناه وعناصره. فالحوار المفتوح بين الشعرية العربية القديمة وبين الشعرية الحديثة في أصولها الفلسفية، وبمفاهيمها واتساع مجالاتها قاد الدراسة الي مسالك نظرية خصيبة جلت العلاقات النصية بين الأجناس ووضعت اليد علي كتابة صوفية متفردة اختص بها ابن عربي في فتوحاته وشذراته. فمفهوم البناء الذي اعتمده الكاتب ضمن تصور يجمع بين آليتي الهدم واعادة البناء يعود الي تصورات متضافرة توجه الدراسة الي تفكيك استراتيجيات الكتابة الصوفية وتتبع التحويل الذي تعرضت له الكتابة الالهية ـ القرآن ضمنها في مقام أول، كما تتجه الي تفكيك خطابات سائدة حول التصوف عودتنا علي رؤية أحادية ولعلها دينية حصرا في مقام ثان. في هذا يتقدم مؤلف خالد بلقاسم الكتابة والتصوف عند ابن عربي درسا اجرائيا في: 1. وضع الخطاب الصوفي في مقام الحوار والتماس بين الأنسي والقدسي علي خلفية ممارسة معرفية وتجربة وجودية تجسدها الكتابة. فرغم أن الخطاب الصوفي ينطلق من ثقافة وخبرة دينية، فانه يجلي طاقات تواصلية قمينة بمعني الكتابة حضورا ومعرفة، لغة وخيالا. 2. النظر في البناء المعرفي للشعرية العربية لا في تصورات القدماء وحسب، ولكن أيضا لدي الحديثين الذين اهتموا باعادة رسم عناصر وحدود الشعرية القديمة في ضوء المباحث النقدية وعمل الفلاسفة والمتكلمين.. وأغفلوا اغفالا تاما الخطاب الصوفي وآليات تشكله، واستحضاره الدائم للتداخلات النصية واشاراته الدائبة علي عناصر تخييلية ولسانية جعل منها سدي خطابه ورهان صورته.3. نقل تصور الكتابة من معني انفتاح الأجناس علي بعضها البعض الي تشكيل مفهومها بعناصر نظرية ومداخل معرفية تقول هذا البعد الوجودي لممارسة الكتابة الشعرية في أشكالها وطرقها المختلفة:
ـ شعرا موزونا في اكتمال القالبـ شذرة متحررة من حدود البيتـ استرسالا في لغة تبحث مدي الخيال.
ہ باحث من المغرب