بناء المغرب العربي: سيناريوهات المستقبل

حجم الخط
0

عبد العلي حامي الدين الأسبوع الماضي حلت بنا ‘الذكرى الرابعة والعشرون’ للتوقيع على معاهدة اتحاد المغرب العربي بمراكش سنة 1989..حصيلة هذه الاتفاقية ضعيفة على المستوى السياسي والاقتصادي، ومازال مستوى التبادل التجاري والاندماج الاقتصادي يسجل أرقاما ضعيفة بينما تحتل دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا مرتبة الشريك الأول لعدد من دول المغرب العربي.هناك اليوم ثلاث سيناريوهات تواجه مستقبل اتحاد المغرب العربي، السيناريو الأول هو سيناريو الجمود، بل ربما المزيد من التجزئة والتفكك وهذا السيناريو مرتبط بدرجة أساسية بتوتر العلاقات المغربية الجزائرية على خلفية مشكلة الصحراء. فمن المعلوم أن المغرب تقدم بمقترح منح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية وهو ما يعني الاستعداد المبدئي للتنازل عن صلاحيات واسعة لفائدة الصحراويين لإدارة شؤونهم المحلية، وهي صيغة قريبة من مطلب الاستقلال لكنها بعيدة في نفس الوقت عن مطلب الانفصال وستحفظ ماء الوجه للجميع لأن نظام الحكم الذاتي يتجاوز مطلب الإدماج البسيط الذي كان يرمي إليه المغرب كما يتجاوز مطلب الانفصال والاستقلال النهائي الذي تتمسك به جبهة البوليزاريو مدعومة بالجزائر.المغرب يسعى من خلال هذا المقترح إلى بسط سيادته المعنوية على الأقاليم الصحراوية مع التنازل عن جزء معتبر من السلطة المركزية، وهو أقصى تنازل يمكن أن يقدمه المغرب بالنظر لارتباط قضية الصحراء بإجماع وطني راسخ بل وارتباطها أيضا بشرعية النظام السياسي المغربي، فالملك هو المسؤول دستوريا عن وحدة البلاد وهو الضامن لدوام الدولة واستمرارها في دائرة حدودها الحقة.اليوم، تبذل الدبلوماسية المغربية جهود الفرصة الأخيرة لإقرار نظام الحكم الذاتي للصحراويين كحل دائم ونهائي، وفي حال تعثرها فستشهد المنطقة المزيد من الانكشاف أمام استراتيجيات أخرى، إما في اتجاه: – تأبيد الصراع والمزيد من إنهاك الأطراف المتنازعة، أي استمرار وضع لا غالب ولا مغلوب، واستمرار قوى أخرى في كسب المزيد من التنازلات أمام إصرار بعض الأطراف على الزعامة الإقليمية في المنطقة. أو: – التدخل لحسم النزاع لصالح الطرف الذي يقدم أكبر قدر من التنازلات ويتناغم مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، وهنا يمكن أن نفهم حجم الاستنزاف الحاصل في الموارد الطبيعية للمنطقة (النفط الجزائري والثروة السمكية المغربية….) من جراء العديد من الاتفاقيات المجحفة. السيناريو الثاني، هو سيناريو التنسيق والاندماج وهو سيناريو مفتوح على أمل بعث الروح في مؤسسات المغرب العربي والبحث عن صيغ جديدة لإحياء مقومات تكتل إقليمي قوي قادر على الاستجابة لتطلعات وآمال شعوب المنطقة.هناك عدة أسباب تدعو للإسراع من أجل إنجاز هذا التحول:السبب الأول: هو أن دينامية الربيع العربي أحدثت تحولات عميقة في المنطقة، من أبرزها سقوط نظام معمر القذافي الذي كان من أبرز داعمي أطروحة الانفصال في الجنوب المغربي، وبروز قوى سياسية جديدة مستعدة للتفاعل مع استحقاقات الاندماج المغاربي بنفس إيجابي، بالإضافة إلى التحولات الجارية في تونس والتي أفرزت نخبة سياسية جديدة متحمسة لخيار الاتحاد المغاربي، رغم أن إكراهات المرحلة الانتقالية لازالت تعوق مسيرة التحول السياسي في تونس، ورغم أن الوضع لم يستقر بشكل نهائي في ليبيا، بينما تبدو الجزائر غير معنية بما يجري حولها من تحولات سياسية، فيما يعيش المغرب تحولات سياسية جزئية وهادئة، لكنها متحمسة لخيار الوحدة المغاربية، أما موريتانيا فلازالت صورة التحول الديموقراطي فيها أكثر ضبابية، لكنها على العموم لم تقف عائقا أمام الاندماج المغاربي.السبب الثاني: أن التكتلات الكبرى أصبحت من سمات الاندماج في العالم المعاصر الذي تتحكم فيه آليات العولمة وانخراط دول العالم في سياق اقتصادي واحد مما يعني أن التكتل أصبح ضرورة حتمية ومن مستلزمات الانخراط الفعال في النظام الاقتصادي العالمي.السبب الثالث: أن انخراط دول المغرب العربي في اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية وفي اتفاقيات التبادل الحر مع دول كبرى بشكل منفرد من شأنه أن يزيد في إضعاف اقتصاديات دول المنطقة، وهو ما يفرض عليها التنسيق والاندماج لتحصيل أكبر قدر من المكاسب والنتائج الإيجابية وتعزيز قدرتها التنافسية وموقعها التفاوضي أمام التكتلات الاقتصادية القوية المحيطة بها.وهناك أسباب أخرى واقعية تدعو دول المنطقة للتنسيق والاندماج، وبلورة سياسات مشتركة لمواجهة العديد من التحديات المرتبطة بالأمن والهجرة والتصحر وفق رؤية مغاربية تراعي بالدرجة الأولى مصالح شعوب المنطقة. فإذا أخذنا إشكالية الأمن في المنطقة على سبيل المثال، فلا يمكن أن نراهن على الانطلاق من نظرة قطرية ضيقة تركز على أمن كل قطر مغاربي على حدة في إطار حدوده السياسية الحالية، وبالنظر إلى التزاماته السياسية وارتباطاته الإقليمية فقط، ذلك أن أقطار المغرب تواجهها تحديات أمنية واحدة، ولا يمكن تصور أمن أي قطر مغاربي بمعزل عن أمن الأقطار المغاربية الأخرى. طبعا هناك مفهوم وطني للأمن يرتبط بواقع التجزئة إلى أقطار عربية مستقلة ذات كيانات متميزة، وما يتعلق بذلك من حدود وارتباطات دولية وسياسية خارجية، لكن واقع التجزئة عليه أن لا يلغي ضرورة التفكير في بلورة رؤية مغاربية موحدة لمفهوم الأمن، لأن من الخطإ الاعتقاد بأنه يمكن لأي دولة في المغرب العربي أن تحقق أمنها بمعزل عن أمن الدول المجاورة، وهذه النتيجة تشهد بها الأحداث الجارية في المنطقة ومن أبرزها ما يقع في جنوب الساحل والصحراء، ومن أبرز تجلياته ما يقع اليوم في مالي. وفي هذا السياق فإن العديد من التقارير المطلعة تشير إلى أن بعض الجماعات المسلحة تنشط بشكل مثير في منطقة الساحل والصحراء مستفيدة من ضعف التنسيق الأمني بين الرباط والجزائر وموريتانيا ودول جنوب الصحراء. السيناريو الثالث، هو سيناريو إنجاز الوحدة المغاربية. طبعا ليس هناك ما يؤشر على قرب إنجاز هذا التوقع في الوقت الراهن، وبالتالي فهو سيناريو بعيد المدى. لكن مشروعية طرحه كسيناريو من بين السيناريوهات المتوقعة نابع من الفرضية التالية: كلما ارتفعت مؤشرات التقارب بين الأنظمة وشعوب المنطقة، ونجحت محاولات التطور الديموقراطي لتحمل إلى الحكم أنظمة تحظى بالشرعية والديموقراطية، كلما نجحت جهود بناء المغرب العربي الكبير. وفي هذا السياق يمكن القول بأن الإخفاق في بناء المغرب العربي راجع بالدرجة الأولى إلى العامل السياسي وإلى طغيان الحسابات السياسية للأنظمة المفتقرة للشرعية على حساب تطلعات الشعوب وطموحاتها. وهنا وجبت الإشارة إلى جمود الوضع في الجزائر من الناحية الديموقراطية وهو ما يزيد في تأزيم الوضع في المنطقة، إلا إذا كان الربيع العربي لم يكمل دورته بعد ولم يقل كلمته النهائية في المنطقة..فتلك قصة أخرى.’ كاتب من المغربqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية