لا يختلف اثنان أن سياسة التهميش كانت منهجا في الدولة السابقة وأن الاستقواء بالمفسدين في كل الجهات كان سياسة معتمدة. حيث كان النظام يختار افسد الناس في كل جهة فيصطفيهم ويعمل معهم على استغلال خيراتها وعلى تكريس الفساد كقاعدة أصلية، ولم تسلم أي جهة من سرطان الفساد، من الادارة المحلية حتى النقابات والجمعيات الاهلية كما شمل الفساد المدارس والمعاهد في سياسة لتكريسه بين الناشئة.
إن فساد الدولة شمل فساد العقول والذمم، فتجد الناس إما متورطسن في الفساد بحكم انتفاعهم المباشر بعائداته واما بالانتفاع بخدمات عن طريق الدفع للفاسدين.
و كما السرطان ينتشر في الجسم فلا يدع مفصلا الا ويعشش فيه، فلا يمكن أن ينتزع إلا بمهاجمة شديدة لخلاياه، وذلك يترك لزاما أثرا في الخلايا السليمة، فان سرطان الفساد الذي تغلغل في مفاصل المجتمع لن ينتزع الا بعمليات مؤلمة للمجتمع ولا يمكن أن تنجح ثورة تونس على أرض الواقع الا بثورة في العقول، ثورة مؤلمة وصادمة وتكون نتيجتها مجتمعا جديدا يقطع مع العقلية السابقة التي خرجت من الاستعمار لتٌبنى على التواكل وتكرّس منظومة فكرية منحطّة لا تمكّن المجتمع من المضيّ قدما نحو الرقي والتقدم. لقد تعوّد المجتمع على الدولة التي تقدّم كل شيء للمواطن الذي يعتمد عليها في حياته بدون أن يتعود على العطاء فتعطّلت فيه ملكة الابداع والتقدم. ولذلك فان نجاح الثورة لن يكون بدون تغيير عقل المواطن. فالموظف الذي لم يعرف كيف يتعالى على مطالبه الانية بالزيادات في المرتبات، هو يعمل ضد الثورة، كما أن العاطل عن العمل الذي يبقى بانتظار الدولة كي توفّر له شغلا بينما البلاد تعاني من نقص في اليد العاملة في مجالات حيوية كالفلاحة والخدمات والحرف، مطالبا باعطائه منحة شهرية للبطالة، هذا العاطل عن العمل يسير باتجاه القضاء على الثورة. أما الصناعي ورجل الأعمال الذي يقوم بتشغيل الناس في أوضاع هشة فيبخسهم حقهم في المرتبات وفي التغطية الاجتماعية هو يخون الثورة مرتين، مرة أولى عندما يساهم في خلق أوضاع هشة بما ينافي العدالة الاجتماعية، ومرة أخرى بتنفير العاطلين عن العمل من القطاع الخاص وزيادة الضغط على الدولة.
عند الحديث عن أهداف الثورة ليس كل متحدّث عن أهدافها عاملا على تحقيق هذه الاهداف بل قد يكون أول المتآمرين عليها فتحقيق الأهداف لا يكون إلا بالعمل وليس بالتمني.
ان قدرنا في تونس ان نعيش معا وأن يكون لنا تاريخ وحاضر ومستقبل مشترك فأحرى بنا أن نعيشه بسلام وأن نجعله مريحا لنا كلنا وعوضا عن أن ندرك ذلك بعد معاناة ومعارك مضنية، لمَ لا نجلس مع بعضنا لنتفق على ما يكون مشتركا بيننا ونحن نعلم أن الاتفاق يكون مؤلما في بعض الاحيان ولكن ذلك هو الثمن المطلوب دفعه لكي نعيش بسلام.
إن من يدفع لنا بنظرية العنف الثوري والفوضى الخلاقة لا يريد أن يعترف بأن هذه النظريات آلمت الناس في بلدان أخرى ولم تأت أكلها بل هدمت مجتمعات كاملة. فالعنف هو عنف مهما كان مبرّره وأسبابه ولا يمكن لنا أن نقبل به لبناء مجتمع سليم. إن تحكيم العقل، حتى وان كنا في مسار ثوري، هو الحل الوحيد لبناء مجتمع حضاري ومتقدّم، فالحضارة في جوهرها تتنافى مع العنف وتنبذه وتُبنى على فكرة السلم الاجتماعي. ونحن إذ ندعو لذلك فاننا لا ندعو الى الخنوع لسلطة الحاكم بدون قيد أو شرط ولكننا ندعو الى عقلامية المواجهة بين الحاكم والمحكوم فليست العلاقة دائما مبنية على العنف المتبادل كما تصوّره الحركات الثورية الغوغائية بل على علاقة شدّ وجذب بين جميع الأطراف مما يحقق التوازن بينها ويضمن ديمومة هذا المثال المجتمعي العادل والمتزن. المهدي عليبي