بنزين الثورات العربية: استهتار الزعماء!

حجم الخط
0

لم يخطئ الكثير من المراقبين، والمحللين العرب، وكذلك الصحافيين، حينما ‘أطلقوا على الربيع العربي المنصرم هذا العام، بأنه ربيع الشعوب العربية، التي خرجت بالملايين بثوراتٍ شعبية عارمة، وانتفاضة كرامة وقاع، وليس خـبزاً فقط، ضد أنظمة عربية موغلة في الفساد، ومحنطة في كراسي الحكم لأكثر من ثلاثة عقود.

البعض من معارضي هذه الثورات، من بقايا تلك الأنظمة العربية الفاسدة، يتمسك بنظرية وفزاعة المؤامرة الخارجية، ووقوف بعض دول الغرب واللوبي الصهيوني، وراء تلك الثورات، وأن شبابها الثوار لا يملكون ممثلاً وحيداً، لكي يتم التحاور معهم، وتسليم السلطة والحكم لهم، مثلما يقول أنصار الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، رغم تشكيل منسقيات وتكتلات عديدة ناطقة باسم شباب الثورة، وكذلك قادة المجلس الانتقالي، ورغم ذلك نحن على ثقة أن بقايا نظام صالح، لن يعترفوا بشباب الثورة الشعبية اليمنية، سوى تحت الغضب والعصيان الشعبي المستمر، لأن منطق الثورات الشعبية العربية حالياً بات يفرض نفسه بقوة، ولا يحتاج إلى اعتراف بارد من نظامٍ فاسد، ولم تعد له أي مكانة ‘شعبية لدى الغالبية الساحقة من الشعب اليمني، الذي يزيد عن 24 مليون إنسان، ‘وما تلك سوى أعذار واهية من قبل حفنة صغيرة بقت مع ما تبقى من نظام الرئيس اليمني صالح، الجريح في العاصمة السعودية الرياض مع 76 من قادة حكومته، الذي ما زالت غامضة ومتعددة الروايات حول مصابه أهو صاروخ أمريكي الصنع ذو رأس دوار مخصص للاغتيالات ‘ فـو جــاز’، ام قنبلة زرعت في مكتبة الجامع؟

وتخشى تلك الحفنة على فقدان مصالحها إذا ما سقط نظام صالح كلياً، وأعلن عن تنحيه أمام الغضبة الشعبية من شعبه اليمني التى تطالبه بالرحيل والتنحي.. فتلك الفزاعة غريبة جداً إن لم تكن من سابع المستحيلات لأسباب عدة نجملها في النقاط التالية:

أولاً: أن هذه الثورات لم تندلع في أوساط شعوبٍ تعيش حياة كريمة، في ظل أنظمة عادلة تمتلك قضاء عادل مستقل، وشفافية في الحكم الرشيد، وتوزيع عادل لثروات تلك البلدان.. بل عكس كل ذلك، ومحرومة من أبسط الحقوق، وخرجت بعد أن طفح الكيل ونفذ صبر الشعوب العربية على أنظمتها الفاسدة.. ثم إن شرارة تلك الثورات الشعبية العربية الأولى، لم تبدأ من دول معادية لإسرائيل والولايات المتحدة أو دول الغرب، وخارج مربع دول الاعتدال العربي، بكل المقاييس حتى نقول أن ورائها مؤامرة خارجية أو صهيونية، بل من دول وأنظمة حليفة جداً لأمريكا وإسرائيل والغرب، مثل تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين، واستراتيجية علاقتها التطبيعية مع الدولة العبرية والغرب، وعلى رأسه واشنطن، باستثناء سوريا، التي كانت خامس دولة تقريباً تصلها الاحتجاجات الشعبية، وثورة التغيير المطالبة بإسقاط النظام السوري، قادت مثلث الممانعة العربية، إلى جانب حركة حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان.

لكن هذا لا يعني عدم وجود فساد في سورية، ولا ‘محسوبيات، ولا قضاء فاسد، وإقصاء بسطاء الشعب السوري من حقوقهم في الوظيفة العامة.. وغيرها.

ثالثاً: ومع ذلك نحن نستبعد تضحية واشنطن أو الدولة العبرية ودول الغرب، بمحض الإرادة بحلفاء مخلصين أمثال الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، والرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، وكذلك اليمني علي عبد الله صالح، الحليف الأوثق لواشنطن والغرب، في الحرب على ما يسمى الإرهاب.. والقائمة تطول.. والذين تفانوا في المشاركة في الحرب الأمريكية الغربية(مكافحة الإرهاب)، وفتحوا أجوائهم للخبراء الأمريكيين، للغرض ذاته، ووضعوا جميع بيضهم في السلة الصهيو-أمريكية، ولم يتمردوا على بيت الطاعة الأمريكي.

ثم إن موجة التغيير العربية، جاءت مفاجئة حتى لإسرائيل نفسها، وإلا لم يكن من قبيل الصدفة أن تقوم الشرطة الإسرائيلية بوم الاثنين الماضي 25 تموز-يوليو الجاري، باعتقال خمسة إسرائيليين على خلفية احتجاج على ارتفاع أسعار السكن.

ثالثاً: تأخر النجاح الكلي إن جاز لنا تسميته كذلك’لأن الثورات لا تحدد بزمن’، أو تحقيق ثمار بعض الثورات في ثلاث بلدان عربية، وهي اليمن(ستة أشهر) وليبيا كذلك، وسوريا (خمسة أشهر)، ذلك لا يعني فشلها أو مواتها، مثلما يعتقد الذين يبكون على أطلال وتآيل تلك الأنظمة العربية الفاسدة للسقوط، ونجاحها مسألة وقت ليس إلا.. وقد باتت تؤتي أكلها، مثلما حدث مع سابقتها ليس بإسقاط نظامين عربيين فاسدين، نظام مبارك في مصر، وبن علي في تونس فحسب، وإنما لأنها خلقت وعياً شعبياً عربياً شاملاً، بإمكانية تغيير أنظمة الفساد، مهما كان مصدر قوتها أو حلفائها.

نعود لنقول ان وقود وبنزين ومحرك هذه الثورات الشعبية، أن صح التعبير، في المقام الأول هو عدم اكتراث معظم الزعماء العرب، بما يعانيه شعوبهم، من غلاء في المعيشة، وفقرٍ وبطالة, وقهر وظلم، وفساد في المحاكم والقضاء؛ وعدم اكتراث كذلك مسئولي أنظمتهم العربية بشعوبهم، وحتى رغم اندلاع الثورات الشعبية، مارسوا قتل المحتجين، والتقليل في أعدادهم، وإخفاء جثثهم، وكأن دمائهم رخيصة. مثلما فعل الرئيس اليمني علي صالح، والسوري بشار الأسد طبيب العيون، وما هو بالسياسة طبيب، والليبي معمر القذافي، ولم يعتبروا جميعهم، بأن ذلك وغيره، هو من أوصل الرئيس المصري محمد حسني مبارك، وزوجته السيدة سوزان، ونجليه جمال وعلاء إلى غياهب السجون، والمحاكمة بتهم تبديد الأموال والثروات العامة في مصر، والكسب غير المشروع.

وكذلك تضليل الكثير من رموز النظام المصري بالقيادة المصرية، بسياسة التمام ‘ كله تمام يارِّيس’؛ أو يافندم، مثلما كان يحدث من رموز النظام اليمني للقيادة اليمنية ‘ كل شيء تمام يا فندم’، لكن ربما لا يتوقعون أن دماء شهداء جمعة الكرامة في ساحة ‘التغيير وشارع ‘الدائري ‘الغربي، ‘المجاور لها، وجثثهم ستضل تطاردهم أينما حلوا ووضعوا رؤوسهم على أرائك الراحة والجلوس السعودية، في أجنحتهم الخاصة والملكية، وأبراجهم العاجية التي خصصت لهم وعلى شرفهم، لأن دعوات الصائمين من الشعب اليمني الفقير والمقهور بسببهم، ستصل إلى ‘السماء، ناهيك تلك الأبراج العاجية.. نصر الله ثورات التغيير العربية، كل عام والجميع بخير.

محمد رشاد عبيد – اليمن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية