الاوضاع المضطربة التي تشهدها ليبيا عامة وبنغازي خاصة الان شيء مؤسف ومحزن وموجع فمشاهد العنف والاقتتال والنزاعات والصراعات الدموية التي يطلق عليها من اسموا انفسهم بثوار فيراير بانها تصحيح لمسار ما سمي بثورة فبراير يتجدد كل لحظه ليصبح أساسيا ومن الاحداث اليومية ويجب على الجميع أخذها في الحسبان في بداية يومهم.
فالعنف الان في مدينة بنغازي يأخذ شكلاً خفياً على نمط عمليات بين من اسموا انفسهم ثوارا لجيش انشق عن النظام السابق من ميليشيات الصاعقة، وبالاحرى تنظيمات اخرى وما بين منادين بالفيدرالية وبين رافضين لها، فاطلاق الرصاص في بنغازي فبراير لا يهدأ يأتي فجأة وينتهي فجأة. هذا ما اخبرتني به عائلة تقطن مدينة بنغازي وهم الذين رحلوا عن مدنهم التي دمرت وصارت خرابا وخاوية وحاولوا الالتجاء والاحتماء بمدينة اعتقدوا انهم في مأمن فيها.
ليخبرني شخص اخر ويقول لي وانت في بنغازي يخالجك شعور بأن هناك تواجدا للناتو مرة أخرى، الا ان هذه المرة ناتو من الميليشيات قاطن معنا لترقص المدينة ليس كما عهدنا طربا عليه وانما رصاصا منهمرا يستقر في اجساد ابناء المدينة. فالميليشات في مدننا، وتحديدا في بنغازي صارت اسماؤها اكثر حتى من اسماء شوارع المدينة.
بنغازي مهد الثورة، أو مدينة الحرية أو الجهاد، تلك المسميات التي ينثرها ثوار فبراير عبر خطاباتهم الرنانة ومقابلاتهم المتلفزة والى ما ذلك. ان هناك توتراً حاداً بشكل يثير الدهشة والاستهجان فلا ادري اين سكان المدينة من هذا كله، وهم الذين خسروا الكثير من أبنائهم وأملاكهم جراء هذه الصراعات التي هي على مدار الساعة في بنغازي الان ما بين قوات ومليشيات وصاعقة ومتظاهرين ودروع لليبيا الجديدة، سلسلة لا تنتهي من رصاص يتطاير في سماء هذه المدينة، وحقيقة هل في الطريقة المستوردة التي استبدلها أهلنا في بنغازي بتحكيم القيادة الشعبية سابقا، والتي كانت تتمثل في شيوخ القبائل لهذه المنطقة والحكماء وصار شيوخ القبائل والحكماء في بنغازي يخرجون علينا فقط من اجل برقة والفيدرالية والتقسيم.
واما قتل الميليشيات وذبحها لابناء المدينة وسفك دماء الابرياء في المدينة فليس من اختصاصهم أو من اولوياتهم. والغريب انك تجد العشرات من اهالي بنغازي يخرجون بعد كل كارثة في وقفات احتجاجية، ليعبروا عن استيائهم من الوضع الأمني الذي تعيشه البلاد، وتنديدات وشجب علي طريقة الجامعة العربية ومؤتمرات القمم العربية الطارئة ليطالبوا بحل كل الكتائب والميليشيات المسلحة داخل المدن وانضمامها للجيش الوطني. ويؤكدون أنه لا شرعية لأي سلاح خارج إطار شرعية الدولة الليبية، بعبارات يدونونها على اللافتات التي يحملونها خلال هذه الوقفات. والدم يملأ الشوارع والازقة انه شيء عجيب وغريب حقاً. ويبدو جليا ايضا أن الحكومة الليبية متخبطة وعاجزة عن معالجة الوضع الأمني في ليبيا بالكامل، وليس فقط في بنغازي فهي ومنذ قرابة أكثر من العامين لم تتمكن من أن تجعل المواطن يشعر بأمان حقيقي يطمئن له ويعيش حياة كحياته السابقة طبيعية بحيث يذهب الى السوق بثقة ويسير في الشارع هادىء البال ودون خوف وقلق وعدم الالتفات في كل الاتجاهات خوفا.. وينام في بيته بلا قلق ولا يشغله انتظار أحد من افراد أسرته في ذهابه لوظيفته ولعمله.
ولكن كيف يحدث هذا والمليشيات في كل مدننا تقتل وتستبيح وتنشر الفوضى في ليبيا شرقا وغربا وجنوبا فأي حرية اهديتمونا إياها يا ثوار فبراير، وهل منكم يا اهلنا في بنغازي اناس يدركون وذوو عقول حكيمة ورشيدة متمعنة مدركة للأحداث لتربط كل هذا الذي يحدث الان في مدينة بنغازي التي خرجت منذ فترة واستنكرت التدخل الخارجي السافر لتعم الفوضى ويراق الدم في شوارع بنغازي وتصبح كومة نار مشتعلة يسقط فيها العشرات من أبنائكم.
ولا ننسي ايضا ان القاعدة في ليبيا تسرح وتمرح هنا وهناك وتجند ابناءكم لترسلهم لقتل اخوانهم في الدين في سورية، وهذه هي الحقيقة، فالقاعدة المتمثلة في الجماعات الاسلامية بمختلف مسمياتها لها ثقلها وهي تنظيم حقيقي له هيكل وكيان في ليبيا فبراير. بنغازي تملأها الجمعات الاسلامية والقاعدية الان وهي المسؤولة عن تنفيذ معظم التفجيرات، بالإضافة إلى الكثير من الهجمات على الجهات الرسمية وغيرها كما تشن أيضاً الكثير من الهجمات الأخرى على مراكز الأمن وعلى خصومها السياسيين وتخطف من تشاء ومن تريد.
والاعلام الليبي يعميه التعتيم الكامل على هذه الاحداث التي تزداد وتيرتها حدة، وهذا كله بسبب البلاء والفتن، التي انجرف خلفها شباب بنغازي بالحماسة الطائشة والتهور الأعمى لبعض رجال الدين والسياسيين الذين هم كانوا من اخطر أسباب تدهور ليبيا وبذلك تسببوا في دمار البلاد وفقدت ليبيا أمنها وجعلت من الليبي إنسانا متعصبا لمنطقته ولقبيلته وانتمائه السياسي وليس للوطن، وصار مصير الوطن يدور في فلك اشخاص ومن أجل أشخاص.
ياسمين الشيباني