بنيامين نتنياهو وإسرائيل: عندما انقلب السحر على الساحر وانكشف الغطاء عن إرث مسموم ودولة بلطجية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتهامات الفساد والرشوة التي وجهها إليه المدعي العام الإسرائيلي بأنها “انقلاب” ودعا للتحقيق في المحققين. ولم يكن كلام نتنياهو سوى نظرية مؤامرة من الصعب هضمها لأن المدعي العام أفيخاي ماندلبليت هو الذي عينه نتنياهو في منصبه وكان سكرتيرا للحكومة. ورغم أنه لا يطلب من نتنياهو الاستقالة من منصبه إلا في حالة أدانته المحكمة التي قد تأخذ سنوات كي تتخذ قرارها ولكن مشكلته متضاربة مع حالة من الاضطراب السياسي التي لم تشهدها إسرائيل في تاريخها، والنابعة من فشل نتنياهو تشكيل حكومة ائتلاف في نيسان (إبريل) ومرة ثانية بعد انتخابات أيلول (سبتمبر) التي فشل فيها ومنافسه زعيم تحالف أزرق-أبيض بيني غانتس بتشكيل الحكومة. ولدى الكنيست حتى 11 كانون الأول (ديسمبر) للعثور على رئيس للحكومة وإلا استعدت إسرائيل لانتخابات جديدة. والحل الأمثل للمأزق السياسي الحالي هو تشكيل حكومة وحدة وطنية بين تحالف غانتس وتحالف نتنياهو، خاصة أن الأول كان رئيسا لهيئة الأركان المشتركة ومواقفه ليست بعيدة عن تلك التي يؤمن بها الليكود. إلا أن غانتس استبعد امكانية التحالف هذه. وإزاء الوضع الذي يواجهه نتنياهو بدأ حلفاؤه في داخل الليكود يعيدون النظر بزعيمهم المتهم وتغييره، فهو أول رئيس وزراء توجه تهمة له وهو في منصبه. ويزعم بالإضافة لوصفه الاتهامات بالانقلاب أن إجراءات محاكمته هي مؤامرة يسارية ضده ويحمل الشرطة والإعلام والمحاكم المتحيزة ضده مسؤولية مشاكله. إلا أنه وبعد عقد في الحكم يفقد السيطرة على السياسة الإسرائيلية، فبالإضافة لشعوره بالإحباط من عدم قدرته على تأمين ائتلاف حاكم بعد جولتين انتخابيتين يواجه أزمة حزبية كما تقول مجلة “إيكونوميست” (28/11/2019) حيث بدأت الشقوق تظهر داخل الحزب حيث يواجه تحديا مباشرا لحكمه.

نقاش في الليكود

وفي بداية العام تمسك الليكوديون به حيث كان من الواضح أن الاتهامات ستوجه إليه. وهناك الكثيرون ممن يعتقدون أنه ضحية، فيما يرى آخرون أن ذكاءه السياسي جعله قادرا على الفوز المستمر في الانتخابات. لكن هناك من بدأ بمساءلة الفكرتين. ويقول الوزير السابق عن حزب الليكود جدعون ساعر “إنها ليست محاولة انقلاب” و “من الخطأ قول هذا بل والحديث بهذه الطريقة كلام غير مسؤول”. ويخطط ساعر لتحدي نتنياهو على قيادة الحزب “لم أسمع شخصا واحدا يعتقد أن نتنياهو سينجح بتشكيل حكومة حتى بعد انتخابات ثالثة، رابعة أو خامسة”. وفي الوقت نفسه بدأت رموز كبيرة في الليكود تبتعد عن رئيس الوزراء. ففي التظاهرة التي دعا إليها مؤيدو رئيس الوزراء يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) بتل أبيب لم يحضرها إلا عدد قليل من أعضاء الحزب في الكنيست. واعترف نتنياهو بأن حزبه بحاجة لقيادة ويريد ساعر تغييرها بسرعة، حتى يكون الزعيم الجديد قادرا على التفاوض من أجل تشكيل الحكومة قبل11 كانون الأول (ديسمبر).

ولكن نتنياهو يفضل تأجيل تغيير القيادة حتى يشتري وقتا إضافيا في السلطة، فلو خسر السيطرة على الحزب فسيظل رئيسا للوزراء حتى يتم تشكيل الحكومة الجديدة. ولعل تردده نابع من تعود الليكود على الحكم، فمنذ إنشاء مناحيم بيغن وأرييل شارون له عام 1973 قاد الحزب أربعة زعماء ولم يتم عزل أي واحد، ومعظمهم كانوا قادة ناجحين. وحكم قادة الليكود 30 عاما خلال الـ 41 عاما الماضية. لهذا السبب يخشى أعضاء الحزب خسارة السلطة التي تعودوا عليها. لكن نتنياهو لم يعد “الساحر” الذي جعله يفوز بأربع جولات انتخابية. ولكنه لا يزال يحظى بدعم داخل صفوف الحزب، وحتى الآن لم يدع أحد من قادة الليكود الكبار غير ساعر لتغييره. وربما خسر نتنياهو منصبه بطرق أخرى، فهناك من قد يتساءل عن قدرته على الحكم في وقت سيخوض معركة قانونية للدفاع عن نفسه. ولاحظوا تضاربا بالمصالح بين عمله كرئيس للوزراء وعلاقته بالقضاء والشرطة التي تلاحقه. وربما تم تحدي بقاءه في الحكم أمام المحكمة. وقد يتردد الرئيس الإسرائيلي روفين ريفيلين الطلب منه تشكيل حكومة حتى لو فاز بانتخابات جديدة. ويحضر رئيس الوزراء لجولة انتخابية، وخطابه يشبه ذلك الذي يستخدمه دونالد ترامب الذي يخوض معركته ضد محاكمته. وقال نتنياهو “هذه محاولة للإطاحة برئيس الوزراء من خلال تحقيق متحيز” متجاهلا حقيقة أن من وجه له الاتهامات هو وزير سابق في حكومته وعينه كمدع عام. ويقول النقاد إن نتنياهو يحاول زرع بذور الشقاق وتخريب مؤسسات الدولة ولكنه لن يدوم طويلا.

تشابه

وفي هذا السياق ترى صحيفة “نيويورك تايمز” (22/11/2019) أن هناك تشابها بين الوضع الإسرائيلي وأمريكا التي يواجه فيها الرئيس دونالد ترامب تحقيقا بناء على تهم طلب تحقيق من أوكرانيا في تعاملات منافس سياسي له. والتهم الموجهة لنتنياهو هي الحصول على تغطية إعلامية جيدة من إعلاميين كبار مقابل خدمات سياسية. وتقول الصحيفة إن المقارنة بين ترامب ونتنياهو ليست مصادفة لأن الإثنين ربطتهما علاقة قوية. وتخلى ترامب عن بديهيات عديدة في السياسة الخارجية لإرضاء إسرائيل من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعترافه بسيادتها على الجولان السوري المحتل وقطع الدعم عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. وكانت آخر هدية مثيرة للغرابة هي الاعتراف بقانونية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وكما في معظم هدايا ترامب لم تخدم أي مصلحة قومية أمريكية. ولا يعرف إن كان قرار وزير الخارجية مايك بومبيو الذي جاء في الساعة الأخيرة لمنح نتنياهو فرصة أخرى كي يشكل حكومة بدعم من المستوطنين. ومهما كان القرار فلم يغير من الواقع القائم في الضفة الغربية وهي أن المستوطنات مخالفة للقانون الدولي، وعقبة للمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولا تساعد السلام، وعلى خلاف ما يقوله بومبيو من أن القرار سيؤدي لتعزيز السلام فإنه أدى لتأكيد أن أمريكا لم تعد وسيطا نزيها للسلام، وفشل بومبيو في النهاية بتقديم المساعدة لنتنياهو.

سموم

ومهما يكن من نهاية حقبة رئيس الوزراء الحالي فإن السموم التي زرعها في السياسة الإسرائيلية لن تختفي بسهولة. فما فعله هو أنه حول الأيديولوجية السياسية إلى مسألة شخصية وهاجم المؤسسات من أجل البقاء في السلطة، تماما كما فعل ترامب. فقد جلب نتنياهو الذي تعلم وجرب أساليبه كدبلوماسي في الأمم المتحدة، الأساليب الأمريكية في السياسة إلى إسرائيل وبدأ مسيرته السياسية بحيث غير المشهد السياسي الإسرائيلي وقيمه.

وترى مجلة “كريستيان ساينس مونيتور” (26/11/2019) أن الشعبوية الترامبية التي تبناها نتنياهو ستظل قائمة. فالأحزاب الإسرائيلية هي أيديولوجية في طبيعتها ولكن نتنياهو (بيبي) رعاها ورباها وحولها إلى منصة شخصية وقادها. ويمكن النظر للتطور هذا من خلال شعار “الليكود هو فقط الذي يستطيع” عام1984 إلى الشعار الشعبي وإن لم يكن رسميا “فقط بيبي” عام 2019. وفي ظل حكمه تمت شخصنة مركز رئيس الوزراء على طريقة الرئاسة الأمريكية. وتقول غايل تالشير، المحاضرة بالجامعة العبرية إن “ما دفع به نتنياهو هو تغيير قواعد اللعبة بحيث يبقى تأثيره حتى لو غادر منصبه”. وتقول الصحيفة إن نتنياهو تعلم أصول اللعبة في الثمانينات عندما كان دبلوماسيا شابا حيث سافر إلى أتلانتا للتعرف على عمل “سي أن أن” التي كانت شبكة تبث 24 ساعة وفي بدايتها. وكان يظهر بشكل مستمر على القنوات التلفازية كخبير في الإرهاب. وبهذا أصبح نجما كما يقول أنشيل بيفر مؤلف سيرته “بيبي: زمن وحياة بنيامين نتنياهو المضطربة”. واستطاع نتنياهو من خلال ظهوره المستمر على التلفزة الأمريكية بناء علاقات مع الجمهوريين وقرب نفسه من اليهود الأمريكيين، فقد كان متحدثا لبقا بالإنكليزية ودرس في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وقضى شطرا من حياته في فيلادلفيا. وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي كان نتنياهو جاهزا للعودة إلى إسرائيل وجلب معه الأسلوب الأمريكي. فعندما تولي قيادة حزب الليكود في بداية التسعينات من القرن الماضي حوله من منظمة ذات قاعدة شعبية إلى مجرد منبر شخصي له. وفي الحكومة قام في الوقت نفسه بتجميع السلطات في منصب رئيس الوزراء وعمل على إضعاف كل المؤسسات التي تراقب أداء الحكومة مثل الإعلام. وهو وإن لم ينجح في تحقيق كل ما يريد إلا أنه كما يقول بيفر “ركز سلطة غير رسمية في منصبه”.

وما يميز حقبة نتنياهو أنه جلب إلى الساحة الإسرائيلية أساليب الدعاية الانتخابية الأمريكية، فعندما استعان في حملته الانتخابية عام 1996 بالاستراتيجي الأمريكي المحافظ أرثر فنكلشتاين جاء بشعار “نتنياهو جيد لليهود” و “بيريز سيقسم القدس” في إشارة إلى شمعون بيريز. وفي الفترة الأخيرة كان نتنياهو أول سياسي إسرائيلي يعتمد على الإنترنت وينشئ موقعه الخاص ويستفيد من منصات التواصل التي استخدمها للتحشيد ضد الناخبين العرب في انتخابات عام 2015 عندما قال إن العرب يشاركون بكثافة في مراكز الاقتراع. ومع أنه اعتذر عن “عنصريته” إلا أن الأسلوب نجح. وأهم ما سيتركه نتنياهو هو الاستقطاب في الحياة الإسرائيلية. فقد جعل من زرع الفتنة شغله الشاغل وبنى صورة لنفسه كحام لليمين في إسرائيل والمدافع عن المستوطنات ضد جماعتين ظل يشكك في ولائهما: اليساريون اليهود والمواطنون العرب. لكل هذا عمل على تغيير الطابع الديمقراطي للدولة اليهودية من خلال قانون الدولة القومية عام 2018. ولكن نتنياهو الذي ظل يطلق الأكاذيب طوال مسيرته السياسية كان عليه انتظار ترامب لكي ينصحه بأن لا يلتفت للحقيقة وأن الكذب هو شكل من أشكال الحقيقة وربما كان أفضل منها. كل هذا يفسر السبب الذي جعل نتنياهو يتربع على عرش السياسة الإسرائيلية لعقد من الزمان حيث مارس فيه ماركته من العنصرية والتحيز القومي المتطرف والأساليب المثيرة للانقسام. وجاءت علاقته الشخصية مع ترامب لتدمير ما بقي من ملامح سلام في فلسطين. وأصبحت إسرائيل في عهده دولة بلطجية كما يرى سايمون تيسدال بمقال له بصحيفة “أوبزيرفر” (23/11/2019). ويرى تيسدال أن محور ترامب-نتنياهو وأجندتهما المتطرفة امتد على المنطقة باسم مواجهة إيران. وقلد ترامب مبالغات نتنياهو عن التهديد الإيراني الذي استخدم لتخويف الناخبين وزيادة مصداقيته الأمنية. ولكن هجمات إسرائيل المتكررة على الميليشيات الشيعية في سوريا ولبنان والعراق، بضوء أخضر أمريكي لا تعرض إسرائيل للخطر فقط، بل وجعلتها متعهد حروب لا يريد ترامب خوضها بنفسه، في وقت تقترب فيه إسرائيل من الأنظمة الديكتاتورية في السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. ربما أصبح نتنياهو تاريخا ولكن بالنسبة للإسرائيليين، خاصة اليسار فلم تعد المشكلة بنيامين نتنياهو بل كيفية التغلب على الانقسام الخطير الذي يعد إرثه المسموم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية