بنية الشعر الجديد عند أحمد المجاطي

المستوى اللغوي:

تشغل اللغة مكانة مهمة في شكل القصيدة الشعرية، لأن لها من المميزات والخصائص ما يجعلها جوهرية في دراسة الشعر، وقد اعتنى النقاد والدارسون بها، ووقفواْ عند أبرز محطات تطورها في الشعر العربي، خاصة أنها تتطور في كل مرحلة يقطعها الشعر الحر. وكان نموها يتم في اتجاهات مختلفة، منها الروابط الوراثية عبر الأجيال، والروابط الثقافية الأجنبية بفعل المثاقفة.
يحدد الناقد محمد النويهي خصائص لغة الشعر الجديد في اقترابها من لغة الحديث الحية، إلا أن لها خصائص متعددة، هي المسماة بـ «المميزات الثورية للغة الشعر الجديد»، وتتمثل في، النفس التقليدي والبعد عن لغة الحديث اليومية والسياق الدرامي. وهذا التطور لا يعرف الاستقرار، بل يتغير حسب كل مرحلة زمنية. والواقع أن «لغة الدواوين الشعرية الحديثة والمعاصرة لا تكفي بكونها تبدع لغة شعرية لم يعرفها الشاعر القديم، وإنما تقدم لغات تعبر عن اكتشاف علاقة جديدة بين الشاعر واللغة، وبين اللغة والعالم الشعري». ومن جهة أخرى، فإن النقاد واكبواْ هذا الأمر، ولم يستطيعواْ في بداية التطور اللغوي في الشعر العربي الحديث أن يدركواْ أبعاد ظاهرة التحول، إلا في جهل الشاعر للغة الشعرية العتيقة.

يعتبر التصوير عنصراً مركزياً في القصيدة الشعرية، فبواسطته يبني الشاعر صرحه التخييلي باستخدام الأساليب البلاغية وطرق التشكيل الحديثة.

وعلى الرغم من تطور النص الشعري العربي في العصر الحديث، إلا أن الرواد حافظواْ على التراث، سواء على مستوى الإيقاع الموسيقي، حيث حافظواْ على تفعيلات بحور الخليل، أو على مستوى اللغة، حيث بقي النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث. ولذلك كان هذا الأخير ذا عبارة فخمة مسبوكة، كما استعملها الشعراء القدامى، وعالج بها المحدثون تجاربهم الأكثر حداثة والأبعد عن المناخ الفكري القديم. ولعل هذه الظاهرة تتضح أكثر بواسطة المقارنة مع التجارب الشعرية ذات لغة الحديث اليومية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذا التطور في نسق ثقافي لا محيد للخروج عنه. ومن المسلَّم به لدى الباحثين «أن لغة الشعر هي لغة الإشارة، في حين أن اللغة العادية هي لغة الإيضاح»، وبالتالي فإن من خصائص لغة الحديث اليومية أنها مرتبطة بحاجتنا اليومية الـمُلحَّة، وتميل إلى الوضوح ميلاً تامّاً. ولأنها لغة تقريرية، فإنها تنزع منزعاً منطقيّاً يضمن لها تحقيق هدفها الرئيسي. وبالمقابل؛ تأخذ لغة الشعر الحديث شكلاً آخر مغايراً تماماً للغة الحديث اليومية، وهي لغة مثالية وفي مأمن من الارتباط بالحاجات اليومية، فتنفر من المنطق وتحديداته، حتى عند الشعراء الذين يرتبطون بالواقع أو ينزعون نحو الثورة. لأن «الشعر نقيض الوضوح الذي يجعل من القصيدة سطحاً بلا عمق».
وفيما يتعلق بالشاعر، فلا تعود اللغة وسيلة لإقامة علاقة بين فضاء أعماقه وفضاء الأبعاد التي يتطلع إليها. ويرى الناقد أحمد المجاطي أن السياق الدرامي الذي تأخذه لغة الشعر الحديث، يتميز بكونه صادر عن صوت داخلي ومنبثق من أعماق الذات ومتجه إليها، وهو مختلف عن السياق اللغوي الصادر عن صوت داخلي والمتجه إلى الخارج، آخذاً شكل خطاب أو دعوة إلى المشاركة أو التعاطف، كما نجد في الشعر القديم، حيث إن الشاعر يمزج صوته بصوت الطرف الآخر (الخارجي). لكن، في الشعر الحديث، فحوار الشاعر محدود بدائرة نفسه، ويمنح للقارئ فرصة تأمله.

المستوى التصويري:

يعتبر التصوير عنصراً مركزياً في القصيدة الشعرية، فبواسطته يبني الشاعر صرحه التخييلي باستخدام الأساليب البلاغية وطرق التشكيل الحديثة، وقد عرف هذا العنصر التطور بدوره، وجعله أحمد المجاطي من خصائص القصيدة الحديثة، فكما تطورت اللغة الشعرية، تطورت آلية التصوير أيضاً، ولم يكتف الشاعر بتحرير أخيلته من تسلط التراث البياني، بل عمل على توسيع أفق الصورة لتتسع للكثير من الاحتمالات، وعمل – أيضاً – على ربط مدلول الصورة بسائر الصور في القصيدة الشعرية الواحدة. ومن جانب آخر، فإن ثقافة الشاعر تعمل على إغناء الصورة وشحنها بالحركة والحيوية. إن الصورة الشعرية تركيبة غريبة معقدة، ولم يعد بإمكان الشاعر الحديث التعبير عن الحالات المعقدة عن طريق الشعر المباشر، لذلك لجأ إلى الصورة والأساليب المتنوعة من أسطورة وفلكلور وإشارة ورمز، وبالتالي، كان من الطبيعي أن يرفض الشاعر الجديد الأساليب البلاغية الكلاسيكية النمطية. ويعتقد فرويد في كتابه «تفسير الأحلام» أن «الصورة الشعرية رمز مصدره اللاشعور، والرمز أكثر امتلاء وأبلغ تأثيراً من الحقيقة الواقعة». أي أن هذا التطور التصويري جاء نتيجة عامل نفسي للشاعر الحديث، وخرج عن التصوير الآلي القديم.

لم ينسف الشاعر الأصول الموسيقية للشعر، إلا بمقدار ما يسمح له التعبير عن أحاسيسه وأفكاره، بدون أن تعيقه القيود الكلاسيكية.

المستوى الموسيقي

لم ينسف الشاعر الأصول الموسيقية للشعر، إلا بمقدار ما يسمح له التعبير عن أحاسيسه وأفكاره، بدون أن تعيقه القيود الكلاسيكية. وفي هذا الإطار ظهر نقاش متعدد الاتجاهات والأهداف، فهناك من نادى بأن يصبح لكل قصيدة عروضها الخاص، وهناك من نادى باستعمال بحور الشعر وتفعيلاته، ومنهم نازك الملائكة التي تقول: «غير أننا نلح مع ذلك على التذكير بأن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء»، وبالمقابل نجد أدونيس ينادي بإلغاء الوزن بشكل جلي، وذلك حين علَّق على المقولة الشهيرة: «الشعر هو الكلام الموزون المقفى» بقوله إنها «عبارة تشوه الشعر، فهي العلامة والشاهد على المحدودية والانغلاق». لكن ناقدنا أحمد المجاطي يرى أن الشعر الحديث ليس ظاهرة عروضية، لأن علاقة الشاعر الحديث بالعروض علاقة تحددها عاطفة الشاعر وإحساسه وفكره وخياله أثناء عملية الإبداع. فيقف بذلك موقف وسط بين التقييد بلا وزن والتحرر التام، أو لنقل أنه حلقة مفصلية بين شعر التفعيلة الملائكي وشعر النثر الأدونيسي.
وفي سياق التطور هذا، فقد لامس المجاطي تقنيات موسيقية فرعية في العروض، ضمن مساره التاريخي، وتتحدد هذه التقنيات في العناصر التالية: الزحاف – تنويع الأضرب – فاعلُ في حشو الخبب – التدوير. ففيما يتعلق بالزحاف، فإن أهميته تأتي في التخفيف من صرامة الوزن في الشعر العمودي، لكن الشاعر الحديث لما واجه رتابة الإيقاع التفعيلي، فكَّر في التنويع – كذلك – واستعمل الزحاف. أما تنويع الأضرب، فقد جاء خلافاً للشعراء القدماء الذين التزموا بوحدتها واعتبروا خرقها عيباً من عيوب القافية، ونوَّعها الشاعر الحديث واستخدم (مستفعلان) في ضرب الجز من باب الحرية. وبالنسبة لوُرود تفعيلة (فاعلُ) في حشو بحر الخبب بناءً على تحولها من (فاعلن)، فإن السبب هو الحاجة إلى كسر حدة التفعيلة في البحور الصافية التي تعد أساس الوزن في الشعر العربي الحديث، بدون الحاجة إلى استعمال البحور المختلطة. وبخصوص مسألة التدوير، فإن المجاطي لا يرى مانعاً من تحكم الدفقة الشعورية في طول البيت الشعري وقصره، ويعتبر أن من حق الشاعر أن يتجاوز خمس أو تسع تفعيلات في السطر الشعري، حسب ما تمليه عليه خاطرته ودفقته الشعورية. ويعتبر الناقد أن التدوير حينما يقع في آخر البيت فإنه لا يبقى بيتاً، وإنما يصبح شطراً باعتبار ما بعده.
ولعل أبرز الخصائص الموسيقية التي لم يغفلها المجاطي في تأسيسه النقدي للشعر الحديث، هي قافية الشعر الجديد، فقد كانت في التيارات الذاتية مرتبطة بالمعاني الجزئية داخل القصيدة، لذلك تغيرت بتغير المعاتي الجزئية داخل القصيدة، لذلك تغيرت بتغير المعاني. ولما جاء الشعراء المحدثون عملواْ على تطويرها، ويعتبرها أحمد المجاطي جزءًا من البناء العام للقصيدة، وتتسم بالمرونة المستمدة من الخضوع للمشاعر والأفكار. لكن أدونيس لا يعتبرها مهمة في الشعر، حيث يقول: «وربما كانت القافية زائدة يمكن الاستغناء عنها بدون الإساءة إلى القصيدة»، ذلك أن دعوته التحررية تنادي بإلغاء كل قيود الشعر العربي، بما في ذلك الوزن والقافية.

٭ باحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية