لغة التخاطب الموتورة بين الإسلاميين والحكومة تقلق البلاد.. وحوار علي مستوي القمة لفهم تداعيات الانتخابات البلدية
عمان ـ “القدس العربي” ـ بسام البدارين: الحاجة الأن ملحة في عمان أكثر من أي وقت مضي لجرعات إضافية من التعقل بعد ان وصلت مستويات التخاطب بين الحكومة والإسلاميين إلي درجات متدنية لم تكن مألوفة او مسبوقة ومن الطرفين. وعناوين التعقل هي التي يبحث عنها المعتدلون في السلطة والتيار الإسلامي حاليا لتجاوز أزمة سياسية أصبحت الأن بموقع المحنة بعد أن عبثت لغة التحاور الشتامة والمهددة بأدبيات الحوارالوطني والسياسي الذي إعتاد عليه الأردنيون منذ نصف قرن تقريبا وهي أدبيات كانت قائمة علي فكرة بسيطة ومحورية قوامها إحترام الإسلامي لثوابت الدولة ومؤسساتها وإعتراف الرسمي بأن التيار الأخواني عنصر مهم من عناصر الإستقرار الأمني الداخلي والإجتماعي. وما تشهده عمان حاليا من تبادل غريب للإتهام والوعيد يهدد في الواقع وبرأي محللين من الجانبين أسس ما يسميه السياسي اليساري النشط بسام حدادين بالزواج الكاثوليكي بين السلطة والإسلاميين وهو زواج برز علي شكل منجز حضاري وعبقري طوال عقود قبل ان يخضع للتهديد بفعل وجود قياديين في التيار الإسلامي يؤمنون بإمكانية إخضاع الحكومة والسلطة من خلفها وقياديين في مستويات القرار يؤمنون بالمنهج الإقصائي ضد الإسلاميين. وعمان حاليا تعايش شرخا لم تعهده من قبل بعد حديث الأمين العام لجبهة العمل الإسلامي الشيخ زكي بني إرشيد عن سطو بالقوة حصل علي إرادة الشعب وخياراته في إنتخابات البلديات الأخيرة والرد عليه من قبل رئيس الحكومة معروف البخيت بالإشارة إلي قلة أدب قيادات الجبهة وهي تعترض علي تصويت العسكريين القانوني في الإنتخابات البلدية. والتأزم الأن بين الطرفين يسير بإتجاهات محظورة لا احد يعرف إلي ماذا ستنتهي وسط شعور عام من عقلاء السياسية والصحافة بان أحدا في الطرفين لا يملك فعلا وصفة إستراتيجية تنتهي بأقل الخسائر إثر بروز أول تطبيق عملي لوثيقة شخصية قدمها رئيس الحكومة تتضمن رؤيته لأردن المستقبل وهي وصفة إنتهت عند التطبيق في البلديات بمشاهد مؤلمة جدا لا زالت الذاكرة الجمعية للمواطنين تختزلها وتتداولها من طراز الإعتداء علي مدارس وسيارات ورجال شرطة وإحتقانات في الشارع العشائري لا علاقة للإسلاميين بها. ومساء السبت فاجأ رئيس الحكومة البخيت الجميع بخطاب خرق فيه كل المساحات الحمراء المفترضة وهـــــو يوجه رسالة قاسية جدا لمؤسســــــة الحركة الإسلامية مقترحا علي المعتــــــدلين في التيار الأخواني إستدراك الأمر وإعادة الحـــــركة إلي ما كانت عليه بعد ان أمست – كما قـال- مختطفة من قبل بعض القيادات الطارئة ويقصد حصريا الشيخ بني إرشيد الخصم الأبرز لوزارة البخيت منذ عدة أشهر. ولغة البخيت هنا كانت جديدة ومختلفة عن كل اللغات التي يعهدها الشارع السياسي والصحفي فالرجل إستخدم لأول مرة تعبير الجماعة الإسلامية في وصف الأخوان المسلمين وهو إستخدام له بالتأكيد دلالاته السياسية قياسا لقلة كلام الرئيس وكونه أصلا باحثا إستراتيجيا. ويستدعي هذا التعبير عمليا كل الذكريات الحزينة عن تجارب أخري في المنطقة خلافا لإنه يستخدم لأول مرة رسميا في وصف جماعة الأخوان المسلمين التي كانت دوما شريكة للمؤسسة في كل شيء وطوال عقود، وفيما يطالب الشيخ إرشيد وبلغة غير مسبوقة ايضا بإقامة محاكم شعبية للمسئولين عن مجزرة الإنتخابات البلدية الأخيرة قال البخيت ان الجماعة الأخوانية في بعض تعبيراتها الحزبية تحاول جر البلاد إلي أجواء نهر البارد بعد ان حاولت تفجير العملية الإنتخابية من داخلها، معترضا علي الإجراء غير القانوني المتمثل في الإنسحاب من الإنتخابات يوم الإقتراع. وتحدث البخيت عن فرصة أخيرة امام القيادات المعتدلة لإستعادة نهج الإعتدال وتحرير الجماعة من القيادة الطارثة التي إختطفتها ويقصد دوما الشيخ بني إرشيد وأنصاره في جبهة العمل الإسلامي منتهيا إلي تهديد صريح ومباشرة ونادر بسحب ترخيص جمعية الأخوان إذا لم يحصل الإستدراك. والبخيت هنا ذهب عمليا إلي أقصي مسافة مألوفة في الذاكرة ضد الأخوان المسلمين، وحتي الأن لا يوجد إجابة واضحة ومباشرة علي السؤال التالي.. هي تشكل لغة التخاطب التي تحدث بها الرجل خيار الدولة الإستراتيجي الأن؟ وإذا كانت الأجابة بنعم فلماذا وما هو الهدف؟ بطبيعة الحال لا أحد يعرف لماذا يحصل في الأردن الأن ما يحصل مع الإسلاميين وإن كان تفسير الشيخ بني إرشيد الذي قاله مباشرة للقدس العربي يتحدث عن هجمة إقصائية منظمة ضد التيار ليس لإنه يبتعد عن القضايا الأردنية الوطنية ويتأثر بالعوامل الإقليمية بل لإننا ولأول مرة ـ يقول إرشيد ـ نؤردن فعلا إهتماماتنا وخطابنا ونهتم بالقضايا الداخلية وبالشئون الأردنية المحضة. البخيت ايضا تجدث عن ذهنية إنتهازية تآمرية لا وطنية تحكم خطاب ومسار القيادات الطارئة بين الإسلاميين وبني إرشيد يطالب بإلغاء نتائج الإنتخابات ويلوح باللجوء للمحاكم الدولية مشيرا لإقتراع موجه دعمته الحكومة لأصوات العسكريين خلال الإنتخابات وهو إقتراع تقول الصحفية اللامعة رنا الصباغ في مقال لها أثار إعتراضات حتي داخل المؤسسة الرسمية. والمشهد المحلي الأن عالق بين المبالغات المقصودة في خطاب الرئيس البخيت المختلف والمثيرو ردود فعل الجناح الرشيدي نسبة إلي بني إرشيد اما بعض العقلاء في المؤسستين السياسية والإعلامية والمعتدلون فعالقون الأن مع أغلبية ساحقة من المواطنين في منطقة الحيرة الناتجة عن التنابز المثير بالألقاب بين الخصوم في السلطة التنفيذية والمكتب التنفيذي لجبهة العمل الإسلامي. والأكثر حساسية يتمثل في أن المشاهد الجارحة والمؤلمة التي تحتفظ بها الأن ذاكرة الناس جراء فوضي الإنتخابات البلدية تشكل في الواقع بروفة سيئة لإنتخابات البرلمان التي تترقبها البلاد وسط توصيات متتالية داخل صف الإسلاميين تدعو إلي مقاطعتها مسبقا ووسط مؤشرات ترجح بان هوس الحكومة في إبعاد الإسلاميين خلال إنتخابات البلديات عاد بالخير الكثير علي طاقاتهم الإستقطابية حيث حصلوا علي حد تعبير الكاتب الخبير بهم ياسر أبو هلاله علي جائزة كبري زادت من شعبيتهم.
البخيت له رأي أخر في المسألة لكن خبراء الملف الإسلامي وعلي رأسهم الكاتب زياد أبو غنيمة يشهدون بان عدد الأخوان المسلمين في الكادر يزيد تاريخيا كلما شدت الحكومات القبضة علي مؤسساتهم والتاريخ الحديث يقول يشهد بان مطبخ الأخوان الذي يحاول البخيت إستفزازه دارس إستثنائي للبوصلة فأكبر عدد من الأنصار إنضم لقوائم الأخوان وجمعياتهم وحلقاتهم في أعوام مقاطعة الإنتخابات التي تفرغ فيها المشايخ للنزول للشارع وقطف ثمار العداء الحكومي.
لسبب أو لآخر لا تريد الحكومة الأردنية الإعتراف بذلك ولسبب أو لأخر لا يشعر الإسلاميون بأنهم في طور الهزيمة السياسية او الشعبية رغم كل ما يحصل لهم وضدهم ولسبب غامض تتوقف نخب كثيرة الأن عند الأخطاء الفنية والفردية الفادحة التي شابت المسؤولين سياسيا وتنفيذيا عن تصويت المؤسسة العسكرية التي يجمع عليها كل الفرقاء وبدون إستثناء مما يدفع للإعتقاد بان بعض الرؤوس ستدفع الكلفة والثمن وقريبا.