بن جدو يصفن في روتانا موسيقي و300 الف دولار لا تكفي لجنة الفضاء!

حجم الخط
0

فادي عزام

استطاع غسان بن جدو أن يقلب رأسا علي عقب القول العربي المأثور لكل مقام مقال ويستدرج ايقاعا مختلفا لبرنامج ضد التيار الذي يقدم علي قناة روتانا موسيقي فارتقي المقام لمقال الاعلامي التونسي المحنك الذي نجا من رشقة منوعة من الألغام الخفيفة المستوي والأسلوب الضحل وخرج منها تقريبا شبه خاسر وشبه رابح بعد أن كان مجرد حضوره علي قناة روتانا السعودية يعتبر للبعض زلة بلا طعمة.

رسائل مبطنة يبعثها غسان كلما سنحت له الفرصة التخلص من الأسئلة السطحية. أهمها رغبته في اجراء لقاء مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز. وهي رسالة شخصية بصيغة العام تعكس رغبة الجزيرة القطرية بتطرية الأوضاع مع المملكة التي تعاملت مع الجزيرة بمنتهي الحزم ورصدت وضخت الملايين من الريالات لاقامة معادل موضوعي علي شاكلة قناة العربية ونجحت في التخفيف من الاستقطاب المطلق لأكثر القنوات ربما في العالم اثارة للجدل.

غسان بن جدو ظهر كمحنك أصيل ودبلوماسي محترف أكثر مما هو اعلامي يعكس رأياً شخصياً في برنامج متوسط الاعداد باذخ الاخراج متدني مستوي التقديم. يعتمد علي الاثارة الفوق رخيصة بقليل بطرحه قضايا معروفة تحمل صيغة مع أو ضد المشهورة وبالتالي الوصول للتصنيف الضيق للضيف كمعارض لما هو سائد.

نجح بن جدو في كشف النقص في خبرة وحضور المذيعة وفاء كيلاني وخاصة عندما كانت تخرج عن الأسئلة المكتوبة وتجتهد من رأسها، رغم حرصه علي عدم الاستعلاء وتعامل مع هفواتها وضعف ثقافتها بحنو. ونجح لحد ما في اظهار نفسه موضوعيا معظم الوقت مما تسبب بسؤال عن جدوي وجوده في برنامج يحرص علي حشر الضيوف في خانة مع أو ضد، واختار اجابة ضبابية عندما طلبت منه مقدمة البرنامج توجيه نقد للقناة التي يعمل بها. وقدم اثارة متعمدة عبر مجموعة من الآراء المبطنة عندما قال أن قناة الحرة قناة مظلومة وهي مهنية وتعكس بشكل واضح لا رياء فيه من تمثله. وأن أذكي شخصية حاورها ليست حسن نصرالله كما كان متوقعا أن يقول بل فيدل كاسترو وأن اميل لحود قائد وطني صلب والرئيس المصري قائد سلاح طيران ناجح والملك عبدالله عاهل الأردن، من الظلم مقارنته بأبيه وانتقي كلماته بعناية متكلفة عند حديثه عن الرئيس بشار الأسد وصفن أكثر من اللازم عندما سئل عن رأيه بسمير جعجع. بينما كان غسان بن جدو يحاول جاهدا البقاء علي اتزانه وتوازنه في حلقة مشوقة من برنامج ضد التيار، كان شريط الأس أم أس في القناة يواصل استقبال مواعيد الغرام ومدمني الرسائل النصية غير عابئين الا بعالمهم الخالي من السياسة وهموم الديمقراطية، (فأميرة الحب تمسي علي الحلوين) (سوزي الحبابة تنتظر علي جمر النار) و(الرومنسي المهضوم يبحث عن نانسي الحزينة) وبالطبع لم ينتبه الكثيرون منهم الي جملة غسان بن جدو الأخيرة وهو يقول مكتب الجزيرة في بيروت لن يكون تابعا لتلفزيون المنار ولا فرعا لتلفزيون المستقبل. قنوات فضائية للبيع مع حجز مكان علي قمر صناعي. وثلاثة موظفين وجهاز للبث وثلاثمئة ألف دولار لا غير يمكن لأي كان أن يمتلك محطة فضائية ليبث منها ما يشاء، هذا الواقع السهل رشق الفضاء الافتراضي بحشد كبير جاوز الأربعمئة محطة ناطقة بالعربية. تعويم الاعلام لا تحريره وسهولة الاستثمار وشهوة الملكية الفضائية أغرت الكثيرين فاستقطبت تجارا ورجال أعمال ومحدثي نعمة والفائضين بها ومبيضي أموال ومروجي اللاشيء هذه الحالة غير الصحية بدأت تنعكس سلبا ليس علي المشاهد فحسب انما علي المحطات الخاصة وأصحابها بالذات بعدما بدأت تكشف حجم الورطة والافلاس المادي والمعنوي الذي وضعوا أنفسهم به. معظم هذه المحطات تعاني من نقص حاد في كل شيء فلا المردود الاعلاني يعود بالكثير ولا جمهور الأس ام أس يتزحزح عن قنوات الأغاني والفيديو كليب. الحصيلة مريعة بلا شك فهذه القنوات أفرزت جيلا جديدا من التقنيين بهيئة اعلاميين مرتزقة واختلط الحابل بالنابل فلا دراسات ترشد هذه الفضائيات أو تقيس مدي المشاهدة ولا مراكز أبحاث حقيقية تستطيع تقييم ما تنتجه. وبالفعل كشفت هذه القنوات ضعف وجود الكوادر العربية المؤهلة لقيادة برامج حقيقية أو للارتقاء بها والنتيجة خسائر مادية فادحة وجيل جديد من المرتزقة باسم الاعلام. أصحاب القنوات باتوا يعرفون أن من اغتني منها هم مستشاروهم والذين غرروا بهم وأنهم لم يربحوا لا جنة الفضاء ولا نعيم الأرض. ولم ينتجوا غير التفاهة ولن يصمدوا طويلا قبل ان يعودوا ويقرروا انهاء هذه المغامرات الفضائية المكلفة والغير مجدية وتوجع الرأس فبيع عشرة أطنان من التمر أو امتلاك برج في شارع الشيخ زايد وتأجيره سيكون عائده أكثر جدوي. فبعض المحطات الخاصة بدأت بالفعل بالتخلي عن موظفيها وبعضها الآخر لم تدفع أجور العاملين فيها منذ شهور وبعضها الآخر تنتظر الفرج من الغيب وتتسلي بتغيير المذيعات واستنساخ البرامج الرديئة وشراء مسلسلات دراما عفا عليها الزمن والبرامج الوثائقية المهترئة وحشو الهواء بأي شيء فدلائل الافلاس المعنوي والمادي لا تخفي علي أحد عندها ستضطر هذه القنوات الجوفاء أن تبيع حيزها علي القمر الصناعي وتتخذ قرارا جريئا أن تريح وتستريح. التفريط بالدراما السورية لم يجمع السوريون في تاريخهم المعاصر علي شيء مثل اجماعهم علي الاعتزاز بدراماهم وهي بحق متطورة نوعا ما. ولكن هل يحسن السوريون تسويق منتجهم الثمين والوحيد تجاريا غير المشكوك بجودته؟ الحقيقة رمضان القادم وما يرفقه من بورصة البيع والشراء تكشف أن هناك قصوراً لدي القائمين علي هذه الدراما في تسويقها وسط تنافس يقترب من حد التواطؤ ولن نقول التآمر فالقنوات بدأت تعلن عن بضاعتها، لنجد غيابا للدراما السورية في بعض المحطات التي تصنف الأكثر مشاهدة، فقناة أبو ظبي وتلفزيون دبي أعلنا أن رمضان القادم خال من النكهة السورية وطبعا قناة المستقبل المملوكة لسعد الحريري قررت أن رمضانها لن يدخله السوريون، الا في نشرات الأخبار، وبرنامج الاستحقاق، وبرامج الحوار السياسي. فصورة السوري الرث والأمني، والارهابي ستكون معرضة للخطر في حال عرض أي مسلسل سوري عالي الجودة فقررت أن المصري هو البديل الطبيعي لجمهور الرابع عشر من أذار وتناثر باقي الانتاج البالغ حوالي ثمانية وعشرين مسلسلا علي باقي الفضائيات.

مشاكل الدراما السورية طبيعية ولكن أخطرها أنها لا تفكر بطريقة استراتيجية وليس لديها خطط وانما تعتمد علي الآني كما يصرح أحد أهم نجومها الفنان بسام كوسا ويزداد وضعها سوءاً هذه الفترة اذ أنّ عمل السوريين التسويقي غيرمنظم ويقوم علي المضاربة وبيع الأعمال يتم بواسطة تجار أكثر ومنتجين لا يعنيهم من أمر الدراما الا ما تحققه من أرباح ويبيعون علي طريقة سوق الهال ثم ان تركيز السوريين علي قنوات بعينها وعدم فتحهم سوق المغرب العربي المتعطش للجديد والمميز جعلهم مرتهنين لتجاذبات وطبخات البورصة في المحطات الخليجية التي يتحكم بمزاجها العام ومسؤول عن صياغة توجهاتها عدد معروف من المنافسين أو أصحاب قرار من جنسيات عربية يتعاطون مع الدراما السورية وفق ميولهم السياسية. هذه الحالة ستبقي المنتجين السوريين مرتهنين لمواصفات غير فنية ومزاجية غير تنافسية تحبط ما تطور من الدراما لديهم وخاصة أن معظم المسلسلات والبرامج التلفزيونية. تنتج وتفصل رقابيا وفنيا وفق مقاسات ومواصفات خليجية.

هذا يطرح التساؤل القديم الجديد برسم منتجي هذه الدراما أما آن الآوان لخروج فضائية تعني بالدراما السورية أو ابتكار وسائل للاعتماد علي الذات فمحطة تُعني بالدارما السورية وتعكس صور المجتمع السوري المتعدد المتنوع المشارب والأفكار والثقافة والغني جدا ربما ستكون أهم بالأثر والتأثير من محطة اخبارية تقوم علي التلميع ما لا يلمع وتسليع الممجوج من الخطاب السياسي الرث.

أما آن الأوان للتعامل مع الدراما السورية كمنتج وطني رائد يجب حمايته وتطويره ومساعدته؟ بالطبع لا نقصد هنا الزج بعشرة مسلسلات علي شاشة التلفزيون العربي السوري المنشغل حتي الثمالة ببث برامجه لمشاهدين يعيشون علي كوكب آخر لم يكتشف بعد وشعارهم التلفزيوني هو يا شام يا نام. كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية