بن سلمان… هل ينجح في طي فشله السياسي بشيكاته المفتوحة؟

حجم الخط
1

من يربون الحمام في إسلام أباد عاصمة باكستان كان هذا عندهم عيداً. 3500 حمامة اشترتها منهم السلطات من أجل إطلاقها في الهواء في احتفال الاستقبال الذي جرى على شرف ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. 750 غرفة في الفنادق الفاخرة تم حجزها للحاشية المرافقة المحترمة. تقريباً كل سيارات «بي.ام.دبليو» في المدينة تلقت أمر تجنيد لنقل الضيوف. ميدالية النظام في الباكستان الأسمى في الدولة تم تلميعها جيداً قبل منحها لابن سلمان. يوم عطلة وطني أعلن في الدولة، وطائرات مقاتلة رافقت الطائرة الملكية حتى الهبوط في المطار. يجدر بمن يخطط في إسرائيل للزيارة المستقبلية للحاكم الفعلي للسعودية أن يحصل على برنامج الضيافة الباكستاني من أجل أن يلبي التوقعات. لأن محمد بن سلمان لم يأت بيد فارغة.
جعبته كانت مليئة بكل الملذات. 3 مليارات دولار من الودائع في البنك المركزي الباكستاني من أجل المساعدة في عجز الميزانية العميق، 3 مليارات أخرى ببيع النفط، التزام باستثمار 20 مليار دولار في مشاريع في الباكستان واتفاق تعاون استراتيجي بين الدولتين ـ كل ذلك هو الوجبة الأولى لـ «التمدد شرقاً» الذي تخطط له السعودية. الرحلة إلى باكستان والهند والصين كان يجب أن تشمل أيضاً زيارة ماليزيا وإندونيسيا، لكن في اللحظة الأخيرة أعلن الأمير عن تأجيلها إلى وقت غير معروف دون إعطاء تفسير للتأجيل. للهند، بالمناسبة، جاء من الرياض بعد أن عاد إليها من باكستان من أجل منع وضع يسافر فيه من باكستان مباشرة إلى الهند. هاتان الدولتان اللتان حتى في ظروف عادية تشحذ السكاكين ضد بعضهما قفزتا هذا الاسبوع إلى مستوى جديد في تبادل الاتهامات بسبب العملية في كشمير التي قتل فيها 40 جندياً هندياً على الأقل. الهند تتهم باكستان ورئيس حكومتها، أمران خان، بإعطاء ملجأ للإرهابيين من رجال منظمة «جيش محمد»، في حين أن باكستان تطلب من الهند الإثبات على اتهامها قبل أن تبدأ الفحص. ابن سلمان بواسطة وزير خارجيته، عادل جبير، وعد بمحاولة التوصل إلى مصالحة بين الدولتين، لكن يبدو أنه هو نفسه يحتاج إلى المصالحة أولاً مع الجزء الغربي من العالم، خاصة مع الولايات المتحدة، التي تهدد بقطع المساعدة لحربه غير النهائية والدموية في اليمن.
التوجه شرقاً والزيارة الملكية ستخدم ابن سلمان في أن يعيد لنفسه شيئاً من مكانته. وبصورة تلقائية من مكانة السعودية، التي تلقت ضربة شديدة بسبب قتل الصحافي جمال الخاشقجي. هذه ساحة فيها يلعب الكبار، روسيا والولايات المتحدة وبالأساس الصين، التي تقتضي من السعودية العمل بحذر شديد من أجل العيش بسلام مع أصحاب المصالح المتناقضة التي تستدعيها هذه الساحة معاً. مثال على تضارب المصالح هو الاستثمارات الضخمة في موانئ كبيرة تبعد حوالي 70 كيلو متراً عن بعضها. الأول ميناء شهبخار في إيران، وهو مشروع مشترك بين الهند وإيران هدفه فتح شريان تجاري حيوي بين الهند ووسط آسيا والصين. الميناء الثاني جوادار في إقليم لوشستان في باكستان، هو مشروع صيني ـ باكستاني هدفه تمكين وصول بحري إلى الصين، كجزء من مشروع صيني ضخم باسم «الحزام والطريق» الذي أساسه بناء بنية تحتية برية وبحرية تربط الصين بالشرق الأوسط ووسط آسيا وتوسع حجم تأثير الصين في هذه المناطق.
قرار السعودية استثمار المليارات في بناء مصافي تكرير في ميناء جوادار يسعد جداً باكستان والصين اللتين استقبلتا بالترحاب قرار السعودية. هذا القرار يمكنه أيضاً تعزيز حزام الحصار الذي تحاول السعودية فرضه على إيران بحيث تضر بمكانة وقوة جذب ميناء شهبخار. ولكن الجيد لباكستان هو سيئ للهند. لأنه إذا تحول ميناء جوادار إلى القاعدة التجارية الرئيسية فإن من شأن ميناء شهبخار الذي استثمرت فيه الهند مليارات الدولارات، أن يتحول إلى ميناء هامشي. كما أن ميناء في إيران التي تتعرض للعقوبات سيكون أقل جذباً للتجار والمستثمرين. المنافسة المتوقعة بين الميناءين هي واجهة العرض الثمينة للصراع بين الهند وباكستان. والواقعتان أيضاً في عقدة مصالح متناقضة في علاقاتهما مع إيران والسعودية والولايات المتحدة. الهند التي اشترت معظم نفطها من إيران حتى الآن، اضطرت إلى تقليص بصورة كبيرة شراءها بسبب العقوبات الأمريكية. الفرق في الكمية توفره الآن السعودية.

ينظر إلى «ساحة الكبار» متوجساً من الغرب

رئيس حكومة الهند، ناردارا مودي، الذي خرق قواعد البروتوكول عندما جاء بنفسه لاستقبال محمد بن سلمان في المطار، حظي هو أيضاً بجزء سخي من الاستثمارات السعودية وحتى بتصريح مؤيد من وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، الذي قال إن «الهند هي الهدف رقم 1 في الاستثمارات السعودية». وأن المملكة ستستثمر في الهند أكثر بكثير من مشروع مصافي التكرير الجديدة التي ستقيمها السعودية بمبلغ 44 مليار دولار. عن الثمن السياسي الذي ستضطر الهند لدفعه، بالأساس بعلاقاتها مع إيران، لم تنشر تفاصيل، ولكن عندما تريد الهند أيضاً تخفيضاً كبيراً في أسعار برميل النفط السعودي فإن لإيران ما تخشاه.
في الوقت نفسه لا يمكن للهند أن تكون مرتاحة من رحلة الاستثمارات السعودية في باكستان عدوتها. السعودية تعتبر في الهند دولة تؤيد ليس فقط النظام الباكستاني السني، بل أيضاً المنظمات الإسلامية الراديكالية ومن بينها التي نفذت العملية في كشمير. السعودية أقامت مدارس دينية في باكستان، ملايين الباكستانيين يعملون في السعودية، طيارون باكستانيون يقودون طائرات سعودية، وباكستان هي عضوة في الحلف الذي أقامه الملك سلمان في 2015 ضد إيران. ابن سلمان يفترض أن عشرات المليارات التي ستستثمرها المملكة وشركات النفط فيها في الدولتين العدوتين هاتين ستمنحه النفوذ السياسي المطلوب من أجل إغلاق آفاق تجارة إيران، وتبقي في حضنه الأسواق الهامة في آسيا حتى في عهد ما بعد العقوبات الأمريكية.
ولكن العناق والفخامة التي استقبل بها ابن سلمان في الشرق لن تبدد التوتر المتزايد بينه وبين الكونغرس الأمريكي، هناك يتوقع أن يصادق الكونغرس في بداية الشهر القادم على قرار سبق واتخذ في الكونغرس والذي حسبه، على الإدارة الأمريكية أن تتوقف عن مشاركتها العسكرية والمالية في حرب اليمن. وإلى ذلك يضاف التحقيق حول برامج الإدارة لتوفير تكنولوجيا للسعودية من أجل بناء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء، الذي ثار بعد كشف تورط مايكل فلين، مستشار الأمن القومي في إدارة ترامب سابقاً، بالتوسط في صفقة. حسب تقرير نشرته لجنة الكونغرس للإشراف والإصلاح، كان مايكل فلين وغارد كوشنر، صهر ترامب، هما اللذان دفعا الإدارة الأمريكية للمصادقة على بناء 12 مفاعلاً نووياً في السعودية، ونقل تكنولوجيا نووية إلى المملكة، بسبب الثغرات التي اعتورت الاتفاق النووي مع إيران. من المهم أنه بالضبط من جانب إسرائيل لم تسمع أصوات احتجاج علنية على هذه الصفقة التي يمكنها أن تنقل إلى السعودية قدرات نووية تهديدية.
يضاف إلى العلاقات المتوترة مع واشنطن أيضاً قرار ألمانيا عدم بيع السلاح للسعودية بسبب مسؤوليتها عن النتائج المأساوية لحرب اليمن، التي قتل فيها حتى الآن أكثر من 10 آلاف شخص، كنتيجة مباشرة للحرب. وكذلك عشرات آلاف المواطنين، من بينهم أطفال ماتوا بسبب الجوع ونقص العلاج. قرار ألمانيا يعقد بريطانيا أيضاً، التي تخشى من أنها لن تستطيع الوفاء بتعهداتها بأن توفر للسعودية طائرات تايفون وتورنادو، لأن جزءاً من القطع فيها هي من إنتاج ألمانيا. وليس معروفًا أيضاً ماذا سيكون مستقبل بيع طائرات «آيرو فايتر» للسعودية. ولكن في هذه الأثناء لا يبدو أن ألمانيا تنوي الانسحاب من القرار.
يصعب تقدير كم من الأموال استثمرت السعودية في حرب اليمن، التي تدخل سنتها الخامسة دون أن تحسم ودون أفق سياسي لنهايتها. ولكن قرار الحكومة اقتراض المزيد من الأموال من البنوك المحلية، وضخامة الدين العام ـ أكثر من 181 مليار دولار التي تشكل 22 في المئة من الناتج القومي الإجمالي الخام مقابل دين 11.8 مليار دولار في 2014، يمكن أن تعطي فكرة عن تداعيات الحرب الاقتصادية. للسعودية جيوب عميقة مع احتياطي للعملة الصعبة يقدر بـ 130 مليار دولار، لكن مقارنة مع العام 2014 يدور الحديث عن تقليص أكثر من 40 في المئة.
الاستثمارات الأجنبية في السعودية تضاءلت في السنة الأخيرة، ونسبة البطالة الرسمية هي 12.8 في المئة. هذه المعطيات لا تؤثر على مستوى الحياة المتوسط في السعودية، وليس بإمكانها أن توقف الاستثمارات التي تخطط السعودية لتحويلها إلى أصدقائها في آسيا أو في الشرق الأوسط. في المقابل، السعودية لم تنجح بعد في تحويل دفتر شيكاتها المفتوحة إلى رافعة سياسية تمنحها مكانة الدولة العظمى الإقليمية. قائمة الفشل السياسي لابن سلمان تزداد طولاً وتضم: الفشل في لبنان، والمقاطعة عديمة الجدوى على قطر، وقضية الخاشقجي التي هزت علاقاته مع دول الغرب، وتنازله عن العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، ومرة أخرى الحرب في اليمن. حالات الفشل هذه تدعو إلى إعادة فحص مكانة المملكة، وهل بالإمكان أن تتحمل عبء النضال ضد إيران. «الخطوة باتجاه الشرق» التي يقوم بها ابن سلمان، كجزء من نفس الصراع، يمكنها ربما أن تستخدم لاختبار قدرته على ترجمة القوة الاقتصادية إلى فعل سياسي ضد إيران. في هذه الأثناء نقترح عدم حبس الأنفاس.

تسفي برئيل
هآرتس 22/2/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية