بن سلمان يثير غضب والده الملك ويجري تجريده من بعض سلطاته المالية والاقتصادية

عمار الشريف
حجم الخط
0

تصاعدت حدة الخلاف داخل بيت الحكم في المملكة العربية السعودية بين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان الغائب عن المشهد السياسي منذ نحو شهر، وذلك الأمر كشفت عنه صحيفة “الغارديان” البريطانية نقلا عن مصادر سعودية مطلعة وقالت إن الملك غاضب جدا من ابنه وانه قام بتجريده من بعض سلطاته المالية والاقتصادية، وإنه لم يحضر سلسلةً من الاجتماعات الدبلوماسية والوزارية رفيعة المستوى في المملكة على مدار الأسبوعين الماضيين.

وكانت مصادر مطلعة أفادت للصحيفة بأن خطوة تقييد مسؤوليات ولي العهد محمد بن سلمان قد كشف عنها والده الملك سلمان لمجموعة من كبار الوزراء في وقت مبكر من الأسبوع الماضي، وقالت: إنَّ الملك طلب من الأمير محمد أن يحضر اجتماع مجلس الوزراء هذا، لكنَّه غاب عنه. وفي حين لم يجر التصريح بهذه الخطوة علناً، ونشرت الصحيفة إنَّ واحداً من أكثر مستشاري الملك الموثوق بهم، وهو مساعد العيبان، الذي تلقى تعليمه في هارفارد، وعين مؤخراً مستشاراً للأمن القومي، سوف يشرف بشكلٍ غير رسمي على قرارات الاستثمار نيابة عن الملك.

ونقلت تقارير إعلامية ان الأمير محمد بن سلمان على غير المعهود عنه، بالظهور الإعلامي في كل المناسبات، اختفى إلى ما يزيد عن عشرين يوما، ما أثار تساؤلات حول وضعه وأسباب اختفائه. وأوضحت التقارير، أن آخر خبر تحدث عن ولي العهد السعودي كان قبل 20 يوماً، حيث حضر جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في قصر اليمامة، في العاصمة الرياض، ورأسها الملك سلمان بن عبد العزيز.

أما آخر خبر خاص عن نشاط له فكان في 22 شباط/فبراير، أي قبل 24 يوماً، وهو ما أوردته وكالة الأنباء السعودية “واس” حول استقباله من قبل الرئيس الصيني شي جين بينغ، في العاصمة بكين، ضمن جولة آسيوية.

محمد بن سلمان الذي فرض حضوره البارز منذ تنصيبه ولياً للعهد في حزيران/يونيو 2017 لدرجة بلغت أنه طغى على حضور والده، لم يغب عن أي من المشاهد السياسية التي تشهدها البلاد، كان أثار الانتباه في غيابه عن مشاهد يفترض أن يكون حاضراً فيها، لعل من هذه المشاهد عدم وجوده مع والده حين استقبل في مكتبه في قصر اليمامة، بالرياض، في 5 اذار/مارس الجاري، وزير خارجية روسيا الاتحادية سيرغي لافروف.

وعلى غير العادة أيضاً، غاب عن لقاءات أجراها والده، الملك سلمان، في 11 اذار/مارس، مع رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، وكبار المسؤولين اللبنانيين في القطاع المالي.

ومساء الجمعة الماضية (16 اذار/مارس الجاري) ظهر الملك سلمان في واحد من أهم الأنشطة التراثية التي توليها المملكة اهتماماً بالغاً حيث رعى العاهل السعودي، الذي يعتبر الرئيس الفخري لنادي الفروسية، حفل السباق السنوي الكبير على كأس المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، لجياد الإنتاج المحلي، وذلك في ميدان الملك عبد العزيز للفروسية في الجنادرية.

في هذه الفعالية لم يكن ولي العهد محمد بن سلمان بين الحضور؛ وهو ما يؤكد وجود مشكلة ما؛ فمثل هذه المناسبة يحرص على حضورها كبار الشخصيات والأمراء بدءاً من ملك البلاد.

المثير للانتباه أيضاً أن ولي العهد لم يكن في استقبال والده عند عودته من مصر، عقب حضوره القمة العربية الأوروبية في 26 شباط/فبراير الماضي، في حين كان جمع كبير من الأمراء في استقبال العاهل السعودي.

وعلى الرغم من أنَّ الأمير محمد غاب عن اجتماعاتٍ من قبل، فقد قال مصدر مطلع على أعمال الديوان الملكي لصحيفة “الغارديان” البريطانية: “هناك دهشة حقيقية من بعض هذه الغيابات التي وقعت خلال الأسبوعين الماضيين. ومن المفهوم أنَّ الملك كان مستاءً على نحوٍ خاص من غياب ابنه عن الاجتماع الوزاري يوم الثلاثاء الماضي، الذي ناقش فيه الملك الكثير من التحديات التي تواجه المملكة، وأثار مخاوف حول مزاعم خسارة المملكة لعدد من الاستثمارات، في خطاب استغرق ساعتين. وأدى ذلك إلى طلب مفاده أنَّ جميع القرارات المالية المستقبلية في الوقت الراهن سوف تكون بحاجة إلى موافقة الملك شخصياً” وذلك وفقاً للرواية التي وصلت صحيفة “الغارديان”. واعتُبر هذا القرار ساري المفعول فوراً، ويخص استثمارات كبيرة خاصة بالمملكة وعقوداً أخرى.

 وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأسبوع الماضي أنَّ صندوق الاستثمارات الحكومي السعودي قد مر بـ”انفصال فوضوي” في علاقته بمستثمر من هوليوود، بعد أن قرر المستثمر إيقاف التعامل مع الصندوق وإعادة استثمار سعودي بقيمة 400 مليون دولار في أعقاب جريمة قتل خاشقجي. وقد نفت السعودية بشدة اضطلاع الأمير محمد بدور في جريمة القتل، لكن تقارير عديدة ذكرت أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلصت بدرجة كبيرة من الثقة إلى أنَّ ولي العهد هو من أمر بقتل خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، كما تواجه السعودية أيضاً تحقيقا دولياً في انتهاكات مزعومة أخرى لحقوق الإنسان الخاصة بالمعتقلين السعوديين، بما في ذلك وليد فتيحي، وهو مواطن يحمل الجنسيتين الأمريكية والسعودية، ومحتجز دون توجيه تهم إليه.

وقالت صحيفة “الغارديان” الأسبوع الماضي يبدو أنَّ هناك إشارات على نشوب خلاف بين الملك المسن وابنه، وقيل إنَّ التوترات قد اشتعلت بعد إعلان الأمير محمد قراري تعيين مهمين بعد ساعات من مغادرة الملك في زيارة رسمية لمصر. إذ زُعم أنَّ ترقية الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان سفيرةً للسعودية في الولايات المتحدة، وترقية شقيق الأمير محمد خالد بن سلمان لمنصب وزير الدفاع، قد أُعلنا دون موافقة الملك أو علمه. وقد وقع ولي العهد على المرسومين المتعلقين بهذه التعيينات بصفته نائباً للملك، وهو أمر قال بعض الخبراء إنَّه نادر الحدوث.

وأشار مصدر مطلع، إلى أن الملك سلمان لم يكن على علم بتعيينات ولي عهده، وأنه ومستشاريه علموا بها عبر التلفزيون، وقد غضب الملك على ما وصف بخطوة سابقة لأوانها بتعيين ابنه الأمير خالد بن سلمان في منصب رفيع.

وكان مقربون من الملك سلمان قد دعوه إلى الانخراط أكثر في صنع القرار في البلاد؛ وذلك للحيلولة دون وضع ولي العهد يده على المزيد من السلطة.

وتضاف المؤشرات المذكورة إلى خلافات سابقة بين ملك السعودية وولي عهده بشأن معالجة ملف أسرى حرب اليمن، وتعامل السعودية مع الاحتجاجات الشعبية في السودان والجزائر، وأيضاً موقفها من التطورات الجارية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولم يكن قرار تجريد الأمير محمد بن سلمان من صلاحياته هو أولى الخطوات في تصدع جدار العلاقة بينه ووالده الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث كان رأس جبل جليد الخلافات قد طهر جليا عندما تحدثت تقارير صحافية العام الماضي عن إلغاء طرح شركة “أرامكو” التي اعتبرها الأمير الشاب أحد أهم أركان مشاريعه لدعم “رؤية المملكة 2030” بهدف نقل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة.

ويعتبر خبراء اقتصاد ومستثمرون أنَّ تدخُّل الملك السعودي في وقف طرح “أرامكو” صفعة قوية لـ”رؤية 2030″ ولأحلام الأمير، الذي أراد ضم عملاق النفط الأضخم في العالم إلى صندوق الاستثمار السيادي، وطرح نسبة 5 في المئة (100 مليار دولار) فقط من الشركة، التي تقدَّر قيمتها بأكثر من تريليوني دولار للاكتتاب في البورصة.

لكنَّ تدخُّل العاهل السعودي، ومنعه طرح عملاق النفط بعد نحو ثلاث سنوات من الإعلان عنه، يعدان أول اختبار استراتيجي لخطط ابنه؛ حيث فوجئت الأسواق العالمية بهذا القرار المناقض لتصريحات بن سلمان وفريقه الذي يتولى تحقيق أهداف “رؤية 2030” الأمر الذي فتح شهية وسائل الإعلام في تناول حقيقة التناقضات والصراعات داخل العائلة الحاكمة في السعودية، وتسليط الضوء على اللحظة التي يُنتظر عزل الملك ابنه أو الابن أباه والانفراد بالحكم.

كل تلك الإشارات تكشف أن الملك سلمان يعتقد أن ولده يحاول الوصول إلى الحكم قبل الأوان، لا سيما أنه صرح علناً بنيته حكم السعودية جهاراً دون أن يبالي بوضع والده في حرج من خلال إدلائه بمثل هذه التصريحات.

ومؤخراً، ذكرت صحيفة “بوبليكو” الاسبانية أن الملك سلمان يبحث عن بديل آخر لولاية العهد خلفاً لابنه محمد، الذي يبدو أنه “خرج عن نطاق السياسة التقليدية التي سارت عليها الدولة، خاصة أن مشاريعه الداخلية والخارجية تعرضت لانتكاسات كبيرة” حسب الصحيفة.

ويظل السؤال قائما هل تعتبر هذه المؤشرات دليلا على أن الملك سيتخذ المزيد من الإجراءات لتحجيم حركة الأمير الشاب المتهور الذي أدخل السعودية في صراعات لا نهاية لها على المدى القريب في ظل تصاعد الحرب في اليمن بعد فشل اتفاق ستكهولم حول الحديدة، وتصريحات العميد يحيى سريع المتحدث باسم قوات الحوثيين، في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي، إن الجماعة لديها “مخزون من الصواريخ” وبإمكانها قصف السعودية والإمارات في الوقت الذي تحدده القيادة العسكرية؟

أم سينحني ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لموجة غضب والده حينا من الوقت ويتوارى عن الأنظار إلى حين ميسرة في سبيل غايته للوصول إلى الحكم ولو كان ذلك على حساب سمعة المملكة العربية السعودية سياسيا واقتصاديا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية