بن غفير في مجلس الأمن الدولي: مرافعات من دون محكمة أو حكم

عبد الحميد صيام
حجم الخط
2

نيو يورك-(الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: صباح الثلاثاء، الثالث من هذا الشهر وفي الساعة السابعة صباحا تسلل إيتمار بن غفير، وزير الأمن الإسرائيلي الجديد في حكومة نتنياهو التي اعتمدت قبل يومين فقط، إلى باحة المسجد الأقصى كاللص، محميا بجحفل من عناصر الأمن، ثم خرج فورا بعد 13 دقيقة مسجلا رسالة لمن انتخبوه على أساس تطرفه ودعواته المتكررة لاقتحام الأقصى مفادها أنه لم يتغير. اختيار الوقت ليس عفويا. ففي هذه الساعة يكون الحضور الفلسطيني في الحرم الشريف قليلا جدا، فصلاة الصبح قد مرّت قبل ساعتين على الأقل، وصلاة الظهر بعيدة، والحراس والموظفون والعاملون في دائرة الأوقاف في الباحات والمصليات والمكتبة والمتحف لم يصلوا بعد. تسلل اللص بعد أن أمّن طريقه من مدخل خلفي من منطقة حائط البراق الخاضع للسيطرة الصهيونية منذ عام 1967 كي لا يراه أحد. دخل والتقط الصور والفيديوهات ونشرها فورا وخرج من المكان بسرعة. هذا الانتهاك لحرمة الأقصى جاء مقصودا ومرتبا مع نتنياهو كرسالة بليغة لتوجهات الحكومة الجديدة من جهة ولجس نبض الفلسطينيين والعرب والمسلمين والأمم المتحدة والمجتمع الدولي من جهة أخرى.
وأود أن أقدم صورة عن ردود الفعل لدى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من جهة ثانية ومجلس الأمن من جهة ثالثة.

رد فعل الأمم المتحدة

من المفروض أن يأتي الرد أولا من تور وينيسلاند، منسق عملية السلام في الشرق الأوسط، وممثل الأمم المتحدة في الأرض الفلسطينية المحتلة. لم يصدر أي بيان أو تغريدة عن وينيسلاند. وسألنا المتحدث باسم الأمين العام، ستيفان دوجريك، عن سبب غياب صوت وينيسلاند فقال إنه كان في إجازة وهو في طريقه إلى مقر عمله في القدس (الأربعاء). إلا أنه لم يصدر أي تعليق حتى هذه اللحظة.
الأمين العام أنطونيو غوتيريش، أصدر بيانا باردا لا يعني أكثر من التعبير عن القلق ومطالبة الأطراف (يخاطب الطرفين على قدم المساواة) بتجنب اتخاذ خطوات أحادية من شأنها أن تضر بالعملية السلمية وأخيرا المحافظة على اتفاقية الوضع القائم للأماكن المقدسة واحترام الرعاية الأردنية. وهكذا لا أدانة ولا تحذير ولا خطاب مباشر للفاعل ولا ذكر الحادثة حرفيا بل الإشارة إلى خطوات أحادية وينسبها إلى الطرفين على قدم المساواة.

المجموعة العربية

عقدت المجموعة العربية صباح الأربعاء جلسة طارئة دعا إليها السفير الفلسطيني، رياض منصور، بصفته رئيسا للمجموعة خلال شهر كانون الثاني/يناير الحالي، لتدارس الخطوات التي يمكن للمجموعة أن تقوم بها في الأمم المتحدة. وأكد السفير منصور أن هناك اجتماعا سيعقد في نفس اليوم مع رئيس مجلس الأمن، السفير الياباني، يشيكاني كيميهيرو وقال إن الأردن وفلسطين دعيا لعقد جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي الخميس حول اقتحام وزير الأمن الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، حرمة الحرم الشريف والمسجد الأقصى المبارك. وقال منصور إن المجموعة العربية ستعقد عدة اجتماعات مع المجموعات الأخرى المعتمدة في الأمم المتحدة لتوسيع دائرة الضغط على مجلس الأمن.
وبالفعل التقت المجموعة العربية بممثلي منظمة التعاون الإسلامي ومجموعة دول عدم الانحياز ولجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف. وشكلت هذه المجموعات وفدا مكونا من 50 مندوبا توجهوا لمكتب رئيس مجلس الأمن، السفير الياباني، يشيكاني كيميهيرو، للتعبير عن إدانتهم لما قام به وزير الأمن الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، من اقتحام وتدنيس للحرم الشريف والمسجد الأقصى المبارك والمطالبة بعقد جلسة طارئة مفتوحة من بعد ظهر الخميس لمناقشة الانتهاك الخطير الذي أقدم عليه الوزير الإسرائيلي.
وقادت الترويكا العربية الوفد، والمكونة من الرئيس الحالي للمجموعة العربية، السفير الفلسطيني رياض منصور، والرئيس السابق للمجموعة، السفير الجزائري نذير العرباوي، والرئيس القادم الذي سيكون من نصيب قطر. وقد مثل جاسم سيار المواعدة، نائب الممثل الدائم الوفد القطري، بالإضافة إلى السفير الأردني محمود الحمود.
رحب رئيس مجلس الأمن بالوفد الكبير معربا عن تأثره بالوفد ما يدل على أهمية الموضوع الذي جاؤوا من أجله. وتكلم في الجلسة التي استمرت نحو ساعة السفير الفلسطيني رياض منصور والسفير الأردني محمد الحمود والسفير الجزائري بصفة رئاسة بلاده للقمة العربية. وأكد منصور لرئيس مجلس الأمن أهمية القضية التي جمعت كل هذه المجموعات للقدوم إلى رئاسة المجلس للتعبير عن وقفتها الموحدة ضد انتهاك حرمة الحرم الشريف والأماكن المقدسة في القدس وللمطالبة بتحمل المجتمع الدولي ممثلا بمجلس الأمن، مسؤولياته أمام هذه الانتهاكات المتواصلة.

جلسة المرافعة

انطلقت جلسة مجلس الأمن الدولي لبحث مسألة الشرق الأوسط بما في ذلك القضية الفلسطينية، الساعة الثالثة من بعد ظهر الخميس بتوقيت نيويورك. تحدث أولا خالد الخياري، الأمين العام المساعد، لشؤون الشرق الأوسط وآسيا ومنطقة البحر الهادي في قسم الشؤون السياسية وبناء السلام وعمليات حفظ السلام، فأعرب عن “القلق إزاء أحداث الأسبوع الماضي في القدس” مكررا دعوة الأمين العام لجميع الأطراف إلى “الامتناع عن الخطوات التي من شأنها تصعيد التوترات في الأماكن المقدسة وحولها، وأن يحافظ الجميع على الوضع الراهن”. كلام خشبي لا يعني شيئا ولا يشير إلى من انتهك بل يكرر ذلك المصطلح اللئيم “دعوة جميع الأطراف”.
بعد ذلك تحدث جميع أعضاء مجلس الأمن ثم استمع المجلس لثلاث كلمات إضافية عدا عن الأعضاء وممثل الأمين العام، جاءت من ممثلي كل من فلسطين، وإسرائيل والأردن.
في كلمات الوفود جميعها ما عدا سفراء فلسطين والأردن وإسرائيل، تكررت المطالبات التالية:
– الابتعاد عن اتخاذ خطوات انفرادية أو ممارسات استفزازية من شأنها الإضرار بعملية السلام.
– دعوة جميع الأطراف لضبط النفس والتهدئة والابتعاد عن التحريض.
– إبقاء العملية السلمية حية ودعوة الأطراف لاستئناف المفاوضات بنوايا حسنة في إطار حل الدولتين.
– احترام الوصاية الأردنية والتمسك باتفاقية الوضع الراهن.
السفير الفلسطيني تحدى مجلس الأمن أن يحترم قراراته التي اتخذها حول القضية الفلسطينية بما فيها القدس وإلا ما الذي يمنع إسرائيل من تكرار مثل هذه الجرائم. وقال: “أليس ما نشاهده من تصرفات إسرائيلية تجاوزا للخط الأحمر. أليس فيها قلة احترام لقدسية أرواح الفلسطينيين والقانون الدولي والحرم الشريف. أليس في ذلك قلة احترام لنا ولكم. ألم تضع إسرائيل مجلس الأمن على الهامش؟”. وأكد أن “الشعب الفلسطيني لن يستسلم وأن لا سلام بدون القدس وأن المسجد الأقصى لن يسقط. فقد مرّ عليه أكثر من رئيس وزراء إسرائيلي لكنه ظل صامدا. هؤلاء لا يفهمون معنى هذا المكان للفلسطينيين والعرب والمسلمين جميعا”.
السفير الإسرائيلي، جلعاد إردان وصف جلسة المجلس بأنها سخيفة وأعطى الحاضرين درسا حول ارتباط اليهود بجبل الهيكل (الحرم الشريف) وقال إن حائط المبكى هو ما تبقى من الهيكل. واتهم الدعاية المسمومة والكاذبة التي يطلقها الفلسطينيون لفصل العلاقة بين اليهود وجبل الهيكل أنها السبب فيما يحصل الآن من مواجهات. وقال “عندما حررنا القدس تنازلنا عن حق الصلاة بسبب رجال دين يهود قالوا بعدم الصلاة فيه. المسلمون فقط يصلون واليهود والمسيحيون يزورون”.
أما السفير الأردني، محمد الحمود، فقد رد على اتهام بلاده باحتلال الضفة الغربية مؤكدا على وحدة حقيقية تمت بين الشعبين مشروطة بأن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة. وقال إن بلاده تدين زيارة وزير الأمن الحرم الشريف كما ترفض أي إجراءات لتغيير الوضع القائم. المسجد الأقصى مكان عبادة خالصة للمسلمين.
للعلم فقد كان اسم باكستان، نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، مدرجا على قائمة المتحدثين بعد كلمة الأردن. إلا أن الجلسة انفضت دون أن تدعى باكستان لقراءة بيان باسم المجموعة. وقد علمت فيما بعد من مصادر دبلوماسية رفيعة أن خلافا نشب حول إصرار دولة من دول التطبيع العربي أن تقحم في البيان فقرة تتضمن مديحا لزعيم تلك الدولة وهو ما لقي اعتراضا من بعض الدول لسببين: الأول أن زعيم ذاك البلد لم يقدم شيئا ملموسا يضعه على الطاولة في مسألة القدس وثانيا أن البيان لا يحتمل مديح أحد. التركيز يجب أن يكون محصورا في موضوع انتهاك حرمة الحرم الشريف بسبب زيارة بن غفير. وبسبب تلك الخلافات لم يقرأ بيان في الجلسة باسم منظمة التعاون الإسلامي.
بعد ساعتين من الخطب والمرافعات انفضت الجلسة بدون صدور أي بيان رئاسي أو صحافي. وهكذا أفلتت إسرائيل من المساءلة والمحاسبة لكن مسألة عقابها على ما فعلت آت لا ريب فيه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية