تظهر الجلسة التي عقدها “الكابنت” أمس في القدس للمرة الأولى استعداد إسرائيل للتنازل عن جزء من الغموض الذي يلف الاتصالات غير المباشرة مع حماس حول وقف إطلاق نار طويل المدى في قطاع غزة. ومعظم المعلومات حول المفاوضات الآن تأتي من الطرف الفلسطيني ويصعب تقدير درجة موثوقيتها. ولكن مجرد الإعلان عن نقاش “الكابنت” حول طبيعة التسوية يعكس الدوافع السياسية: قبل نحو شهرين على موعد الانتخابات، يحتاج رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى شرعية واسعة لخطواته في غزة. في الوقت الذي يجند فيه الوزراء الذي يقفون على يمينه للنقاش، ومنهم: نفتالي بينيت وبتسلئيل سموتريتش، يقوم هو بإفراغ الانتقاد من مضمونه، ذلك الانتقاد الذي يتوقع أن يوجه إليه بسبب تقديم تنازلات لحماس.
لن ينجح نتنياهو، كما يظهر، في صد الانتقاد من جانب حزب المعارضة الرئيسي “أزرق أبيض”. ولكنه يستطيع الاستعانة برأي رئيس الأركان افيف كوخافي القاطع، الذي قال الأسبوع الماضي في خطاب علني بأن الجيش يشخص وجود فرصة لتسوية في القطاع ويؤيد إعطاء تسهيلات كبيرة هناك. كوخافي يساعد نتنياهو على عرض ادعاء آخر، وبحسبه فإن سلم أولويات إسرائيل الاستراتيجي في هذا الوقت يجب أن يتركز على المواجهة مع إسرائيل في الجبهة الشمالية، مع تهدئة التوتر في القطاع.
إزاء انتقاد اليمين، فإن نتنياهو، وبينيت أيضاً، يطرحان عملية أخرى: خصم 150 مليون شيكل من أموال الضرائب التي تحول للسلطة الفلسطينية كعقاب على دعمها لعائلات مخربين. وهذه الخطوة لن تنجح في أن طمس تأثير التسوية مع حماس، ومن شأنها أن تضعضع العلاقات أكثر مع قيادة السلطة في رام الله. ولكن يبدو أن العامل المركزي في العمل ضد السلطة الآن هو سياسي أكثر مما هو سياساتي.
التعنت الذي في قسم المخابرات بهيئة الأركان، وفي أعقابه كوخافي، بأن قيادة حماس اتخذت قراراً استراتيجياً بهدنة طويلة المدى، وجد التأييد المعين في القرار الذي تم اتخاذه في غزة يوم الخميس. مظاهرات يوم الجمعة على طول الجدار ستتوقف لثلاثة أشهر، وسيتم تجديدها فقط في نهاية آذار، في الذكرى السنوية الثانية على بدء المظاهرات. هذا القرار ينبع بالأساس من اعتبارات داخلية. ثمة شعور بأن المظاهرات استنفدت فائدتها، وأصبح كبيراً العبء على مستشفيات القطاع جراء آلاف المصابين بإطلاق النار من قبل الجيش. ولكن يمكن تفسير ذلك أيضاً كبادرة حسن نية لإسرائيل في إطار جهود التهدئة العامة.
إسرائيل، كما نشرت “هآرتس” في تشرين الثاني الماضي، يمكن أن ترد بخطوات من طرفها. الخطوة الأكثر دراماتيكية ترتبط بالسماح بدخول عمال آخرين من القطاع إلى أراضيها. إسرائيل تسمح الآن بدخول نحو 5 آلاف من السكان بواسطة تصاريح تجارية لرجال الأعمال، في حين أن معظمهم عمال.
هذا الرقم يمكن أن يرتفع لاحقاً، وربما يقترب من 20 ألفاً. ولأن للطرفين مصلحة في التقليل من أهمية التفاهمات بينهما، يتوقع أن يكون هذا الأمر إضافة تدريجية وبطيئة. هكذا اعتادت قطر على التصرف مثلاً، التي تحول -منذ أكثر من سنة- إرساليات أموال نقدية للقطاع. ولكنها لا تعلن عن برامجها مسبقاً، وفي كل مرة تزيد فترة المساعدة.
لحماس توقعات إضافية من إسرائيل، وعلى رأسها استمرار إعطاء مصادقات على مشاريع كبيرة في مجال البنى التحتية في القطاع. ولكن التحسين المتواصل لظروف الحياة في القطاع، المتدنية جداً منذ البداية، يشير إلى وضع تزويد الكهرباء. في شتاء ما قبل سنتين تم الإبلاغ بأن شركة الكهرباء في القطاع عملت في المتوسط مدة 4 – 8 ساعات في اليوم، أما الآن فمتوسط الساعات يصل إلى 20 في اليوم تقريباً.
ولكن ما زالت هناك مخاطر، ويتمثل الرئيسي فيها في الخلاف الداخلي بين أذرع الأمن في إسرائيل. رأي الشاباك المتعنت يخدم منذ أربع سنوات نتنياهو من أجل تأخير تصاريح الدخول لمزيد من العمال. ويخاف الشاباك من أن تستغل التنظيمات الإرهابية العمال لإدخال مواد ناسفة ومخربين لتنفيذ عمليات داخل الخط الأخضر، ويحذرون من أي مرونة في سياسة التصاريح. يبرز الشاباك أيضاً مشاركة نشطاء قيادة غزة في توجيه خلايا إرهابية في الضفة الغربية. أما الجيش الإسرائيلي فيخالف ذلك؛ المخاطر موجودة، يعترفون، لكن قوتها المقدرة أقل شدة مما يقدر الشاباك.
استمرار العمليات من الضفة هو تهديد آخر للتهدئة طويلة المدى في القطاع. خلال سنوات رفضت حماس الموافقة على تجميد مطلق للإرهاب من الضفة. وأمس، ورد في “كان” من قبل مصادر فلسطينية، بأن حماس تتمسك بموقفها في هذه المرة أيضاً. من الصعب رؤية حماس تتنازل هنا، لكن المخاطرة من جانب إسرائيل واضحة: عملية قاتلة واحدة يمكنها أن تقودها إلى عملية رد في القطاع وتهز التهدئة تماماً.
وبقيت أيضاً مسألة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين في القطاع. عائلة الملازم هدار غولدن، الذي تحتجز حماس جثته منذ خمس سنوات ونصف، عادت ووجهت الانتقاد لنية الحكومة في التوصل إلى اتفاق تهدئة دون أن تضمن من البداية إعادة المواطنين الإسرائيليين وجثث الجنديين. والدا هدار، ليئا وسمحا غولدن، اتهما نتنياهو بأنه خرق تعهده باشتراط التسوية بإعادة الأبناء.
الرد الأمريكي
في الوقت الذي تتخبط فيه إسرائيل بخصوص طبيعة التهدئة في غزة، ثمة حادثة مهمة في العراق، نهاية الأسبوع، حظيت باهتمام ضئيل. مواطن أمريكي يعمل في شركة أمنية مدنية، قتل نتيجة صلية صواريخ كاتيوشا أطلقت على قاعدة عسكرية في كركوك شمالي العراق، ويبدو أن مليشيات شيعية محلية مرتبطة بإيران هي المسؤولة عن الهجوم.
هذه هي الحادثة الأولى التي يقتل فيها أمريكي في المنطقة منذ بدأ الإيرانيون بعملية منسقة من الهجمات في الخليج الفارسي في أيار الماضي. وحسب تقدير أجهزة المخابرات الغربية، فإن الهجمات الإيرانية استهدفت الرد على الأضرار البالغة التي تسببها العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترامب على النظام في طهران، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.
إيران تريد إعادة الأمريكيين للتفاوض على الاتفاق والوصول إلى رفع العقوبات عنها. وهي حتى الآن فعلت ذلك من خلال جباية ثمن متصاعد من السعودية ودولة الإمارات دون المخاطرة برد أمريكي. وحتى عندما أسقط الإيرانيون طائرة أمريكية دون طيار باهظة الثمن في حزيران الماضي امتنعت الولايات المتحدة عن الرد.
القيادة الإسرائيلية عبرت مرات عدة عن خيبة الأمل من ضبط النفس الأمريكي إزاء استفزازات إيران. مقتل المواطن الأمريكي وفر للإدارة الأمريكية فرصة مريحة للرد وجبي الثمن من طهران. أمس، أكد البنتاغون أن طائرة أمريكية هاجمت أهدافاً لمليشيا تدعمها إيران في العراق وسوريا، وحسب التقارير، فإن عدداً من مقاتلي المليشيا قتلوا.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 30/12/2019