توفيق رباحي
اعتقد انه آن الاوان ليعيد اصحاب القنوات الفضائية العربية وصنّاع العمل التلفزيوني واصحاب الاعلانات، النظر في المسلّمة التي سكنت رؤوسهم وهي ان نسبة المشاهدة التلفزيونية ترتفع، وتكون افضل، في رمضان.
المشكلة ان الناس ربما يجلسون امام جهاز الاستقبال، لكنهم لكثرة ودسامة ما يعرض، وتلغيمه بالاعلانات التجارية، يفقدون القدرة علي التركيز والمشاهدة الجيدة. ناهيك عن ان الجو المعتدل يشجع علي البقاء خارج البيوت قبل الافطار، والخروج منها بسرعة بعده.
تشعر كأن الناس جميعا ضحية وضع مكرّس يشبه الحلقة المفرغة: معلنون يسارعون للترويج لسلعهم اعتقادا منهم ان الناس اكثر اقبالا علي المشاهدة، جمهور يميل للاعتقاد ان كثرة الاعلانات التجارية دليل علي جودة الاعمال التلفزيونية المعروضة، صحافة مختصة وغير مختصة تكرّس هذا الوضع لانها اصبحت ضحيته، واصحاب فضائيات يهمهم ان يستمر هذا الوضع لانه مثالي لمصالحهم.
نتيجة هذا الواقع ان رمضان هو موسم اطلاق البرامج والمسلسلات الجديدة. لكنه اسوأ مواسم المشاهدة والمتابعة الجيدة بسبب التزاحم بين الاعمال المعروضة وكذلك بين وكالات الاعلانات التجارية. لذا، فالجهد الكبير المبذول فيه يوضع في غير محله ويفوق المطلوب.
اتمني ان تتكرم قناة فضائية او اثنتان علي مشاهديها بنشر ارقام عن العلاقة بين الاعمال التي عرضت خلال رمضان والاعلانات التجارية ونسبة المشاهدة.
ربما هناك حقيقة واحدة هي ان المشاهدين العرب يتصالحون في هذا الموسم مع تلفزيونات بلدانهم ويقبلون عليها اكثر من اوقات السنة الاخري، لما فيها من انتاج محلي وإن كان يبدو احيانا مكررا ومستنسخا وفاشلا.
غضب مغربي من الجزيرة ـ اعادت قناة الجزيرة الحديث عن نفسها في المغرب هذه المرة بمناسبة الانتخابات النيابية. انتهي الاقتراع وكان من نتائجه المباشرة ان نال الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية طريحة نكراء، ومن خسائره غير المباشرة ان نالت الجزيرة نصيبا وافرا من الغضب والانتقاد.
في مثل الزفة التي قامت قبل شهرين من تاريخ التصويت واستمرت الي ما بعده، يستحيل ان تنال اي قناة تلفزيونية رضا الجميع المشاركين في الانتخابات. فالثقافة السياسية في بلد مثل المغرب تشجع علي انتشار عقدة الشعور بالاضطهاد: كل طرف يشعر انه مهمّش وانه يستحق اكثر مما يأخذ.
في حالة الجزيرة، كان الغضب من فائزين بالانتخابات (حزب الاستقلال) ومن منهزمين فيها. ومنبع الغضب هنا ليس تغطية الانتخابات، بل مواقف سابقة من المجتمع السياسي المغربي ازاء هذه القناة علي خلفية تعاطيها مع تفجيرات الرباط والدار البيضاء الربيع الماضي وما صاحبها من توتر امني، وكذلك تعاطيها مع قضية الصحراء الغربية.
في الحالتين يراد لـ الجزيرة ان تتصرف مثل القنوات التلفزية المغربية التي، هي ذاتها، مغضوب عليها وتتعرض للانتقادات صباحا ومساء.
العربي المساري، وهو قيادي في حزب الاستقلال قال لـ “القدس العربي” ان الجزيرة لعبت دورا في السيناريو الامريكي الذي اراد ان يجعل المغرب مختبرا لحكم اسلامي. قد لا تكون تغطية القناة القطرية للانتخابات المغربية مثالية او كاملة 100 في المئة، لكن هذا الحكم مبالغ فيه.
خلاصة القول ان العلاقة بين الجزيرة والوسط السياسي المغربي ليست علي احسن ما يرام. الطريف في الموضوع ان الجزيرة غطت انتخابات المغرب افضل من القنوات التلفزيونية المغربية، او لنقل بطريقة مختلفة، لكن بعض السياسيين والحزبيين المغاربة يريدونها ان تكون مغربية تلعب الدور الذي يراد لها ان تلعبه لا المطلوب منها بالضبط.
ليست ضغوطاـ خبر سريع في اسفل صفحة هامشية بمطبوعة جزائرية تحدث يوم الخميس يتحدث عن ملاسنة بين مسؤول حزب جبهة التحرير بمنطقة باتنة ومندوب التجمع الوطني الديمقراطي، غريمه بالمنطقة (هما وجهان لعملة واحدة اسمها احزاب السلطة). سبب الملاسنة خلاف بين الاثنين حول صيغة بيان يدين التفجير الذي استهدف موكب الرئيس بوتفليقة الخميس قبل الماضي. واحد يقترح اضافة فقرة تأييد للرئيس بوتفليقة وتدعو لتعديل الدستور بشكل يتيح ترشيحه لولاية رئاسية ثالثة (مثلما ورد في كل بيانات الشجب التي حوّلت المأساة الي استفتاء علي ترشح بوتفليقة)، وآخر يقترح التأييد بصيغة اخري.
وبحسب الصحيفة، حدث التلاسن امام وزير الداخلية وكاميرات التلفزيون، فـ أمر الوزير بعدم نقل تلك الملاسنة عبر التلفزيون في نشرة المساء.
هكذا اذن، وزير الداخلية هو الذي يأمر ويختار ما يصلح للبث، ويكفي ان يشير برغبته علي مستشاره الاعلامي الذي يعرف الواجب كي تتحقق الرغبة. تذكّرني هذه الواقعة بكلام سمعته من مسؤول قسم الاخبار بالتلفزبون الجزائري في النصف الثاني من التسعينات. ظل مبهورا كيف ان احد كبار قادة الجيش يتذوق الشعر والنثر العربيين ويحفظ منهما الكثير. كيف عرف هذا المسؤول ومن اين؟ الضابط اياه كان يحضر إعداد نشرات الاخبار عندما يتعلق الامر بتغطية عمليات عسكرية يكون الجيش طرفا فيها.
اسألوا مدير التلفزيون وسترون كيف يهب في وجوهكم: ابدا، في حياتي لم اتلق ضغوطا و توجيهات من اي كان!
طبعا لا حاجة للضغوط طالما ان وزير الداخلية يبدي مجرد رغبة في عدم بث واقعة مثل التي شهدها بباتنة، ويتحقق له ذلك. هذه ليست ضغوطا، والضغوط تمَارس علي الذين ثيرون الجدل بتمسكهم بمواقفهم وبدفاعهم عنها.
اذا كان من خير فعله الوزير بطلبه، فهو انه حافظ علي الذوق العام بمنع ظهور مسؤولين من هذين الحزبين وبهذا المستوي من التفكير السياسي. ايبك ونماسويون!
ـ علي عكس زرهوني، لم يطلب الرئيس المعتوه جورج بوش، فيما نعلم، عدم بث ما وقع فيه الاسبوع قبل الماضي باستراليا من كوارث لغوية وسياسية، رغم ان الكاميرا فضحته. فهو قطع الاف الاميال ليشارك قمة ايبك، وهي منظمة للتعاون الاقتصادي بين دول المحيط الهادئ تدير نحو نصف اقتصاد العالم، الا انه تحدث في خطاب علني عن منظمة اوبك (بالفرنسية يسمونها اوبيب) وهي منظمة الدول المنتجة للنفط وعدد اعضائها محدود جدا.
وكان يتحدث عن مشاركة استراليا في القوات الدولية التي تحتل العراق، الا انه في نفس الخطاب، وبعد لحظات من الخلط بين اوبك و ايبك، شكر الجنود النمساويين علي مشاركتهم في قوات التحالف الدولي بالعراق.
ثم اخطأ في ذكر اسماء لاشخاص يناضلون من اجل دعم الحريات وحقوق الانسان في دول المنطقة، ومنها بورما.
وعندما همّ بمغادرة القاعة نزل من المنصة في الاتجاه الغلط حتي اضطر رئيس وزراء استراليا جون هاورد لرده الي الصواب بحركة اصبع شارعية.
هذا البوبقرة (شخصية فنية جزائرية تحوّل الغباء الي كوميديا) يمضي وقته مفتخرا بانه يريد ان ينشر العدل والفضيلة فوق الارض. من اجل هذا الهدف الاسمي، ها هو يقود العالم، بالاحري يقودون به العالم، بمثل هذا الجهل والغباء. كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]