ثمة شك بأن يؤدي الاحتكاك المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مباشرة بينهما، ولكن الرئيس الأمريكي دخل إلى سنته الرابعة في المنصب مع وجع رأس يبدأ من كوريا الشمالية وينتهي في إيران. فالكوريون والإيرانيون يشخصون ضعفه حين يدخل إلى سنة الانتخابات وهو يرغب بشكل عام في الخروج من الشرق الأوسط. أما مكانه في المنطقة فيحتله من احتفل هذا الأسبوع بعشرين سنة منذ دخوله إلى الكرملين. ومن الآن فصاعداً فإن إسرائيل ملزمة بأن تراعي في كل تخطيط عسكري لها الوجود القريب للقوة العظمى غير الودية.
في العشرين سنة التي وقف فيها بوتين على رأس دولة متعفنة مع اقتصاد متعثر وعدد سكان متناقص، نجح في جعل روسيا قوة عظمى عالمية. في دولة كبرى من الصعب أن نجد حداثة تكنولوجية تحرك الاقتصادات اليوم، كما أن المساهمة الروسية في الثقافة العالمية أصبحت في العقود الأخيرة في حدها الأدنى. ولا يزال بوتين يثبت بقوة جسارته أن روسيا كلاعب عالمي متصدر، لاعب يبادر ويحل النزاعات على حد سواء. حكم الفرد لديه أصبح نموذجاً للاقتداء بالنسبة إلى كثير من زعماء العالم.
موقفه من إسرائيل متضارب: من جهة يرى فينا حديثاً وثيقاً للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى “دولة ناطقة بالروسية”، كما وصف إسرائيل قبل بضعة أشهر. فمع مليون ونصف المليون من الناطقين بالروسية في إسرائيل، يعترف بالصلة الثقافية بين الدولتين، بل وبدأ يدفع التقاعدات لقدامى الجيش الأحمر ممن يسكنون في البلاد. كل هذا لا يمنعه من التنكيل بنوعاما يسسخار ويسيء بوحشية شروطها الاعتقالية.
في القناة الأمنية – العسكرية يحرص رجاله على الإبقاء على علاقات عمل سليمة. وفي الأسابيع المقبلة من المتوقع لجهاز التنسيق بين سلاحي الجو الإسرائيلي والروسي أن يجتاز رفعاً للمستوى: فقد وافقت إسرائيل على أن توفر إخطاراً مبكراً أكثر للروس قبل الهجمات في سوريا، ومن المتوقع للتنسيق أن يصبح وثيقاً أكثر. واضح لإسرائيل بأنه إذا أصيب جنود روس مرة أخرى كنتيجة لهجوم إسرائيلي، فستكون النهاية بحرية عملنا في سوريا.
صحيح أن بوتين يتجلد على الهجمات الإسرائيلية في سوريا، ولكن يحظر علينا الوقوع في الخطأ: فليس مريحاً له أن تفعل إسرائيل في سوريا كما تشاء. في تشرين الثاني دمر سلاح الجو بطارية صواريخ متطورة من إنتاج روسي، استخدمها الأسد لإطلاق النار نحو طائراتنا. وسارعت وزارة الخارجية الروسية للكشف عن أن سلاح الجو جاء لهجوم بمسار يجتاح فوق الأردن، فأحرج بذلك إسرائيل والأردن على حد سواء. وقد أراد الروس بهذه الطريقة أيضاً أن يبرروا سبب تدمير منظومة متطورة من إنتاجهم بمثل هذه السهولة.
كما كان هذا هو السبب في أنه، رغم الإعلانات الاحتفالية، تواصل روسيا تأخير تسليم منظومة اس 300 لأياد سورية. فقبل أكثر من سنة، نقلت روسيا بطارية دفاع جوي لجيش الأسد، ومنذئذ لا تتوقف عن “تأهيل” رجال الأسد على تشغيل البطارية، ولكنها لا تعطيهم إمكانية التحكم بها. واضح للروس أنه في اللحظة التي يترك فيها آخر جندي لهم تلك البطارية، ستضربها إسرائيل وتصفي إحدى العلامات التجارية التصديرية القليلة لدى روسيا. لن يشتري أحد في العالم اس 300 إذا ثبت أن طائرة أمريكية بأيادٍ إسرائيلية قادرة على تدميرها.
هدية لعيد الميلاد
يريد بوتين أن يثبت الاستقرار في دولته المرعية الجديدة في سوريا. فقد منحته بناء في المياه الدافئة ومطاراً، وجعلته لاعباً في شرقي البحر المتوسط. وهو يضرب عينيه الآن إلى الميزانيات الطائلة التي سيحتاجها ترميم الدولة المدمرة المقدر بـ 300 مليار دولار. هذا المال سيأتي أساساً من دول الخليج وربما أيضاً من أوروبا والولايات المتحدة. غير أن دول الخليج لن تستثمر في سوريا طالما بقي الإيرانيون هناك. وعليه، فإن بوتين هو الآخر لن يذرف دمعة حين يترك الإيرانيون سوريا. ينجح سلاح الجو حتى الآن في تأخير تموضعهم، ولكن خروج الإيرانيين المطلق لن يتحقق إلا باتفاق بين القوى العظمى.
من الصعب في هذه اللحظة أن نتصور ترامب يتفرغ على الإطلاق للانشغال بسوريا. فالصور التي وصلت هذا الأسبوع من بغداد ذكرته فقط كم هو هش الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط ولماذا يريد أن ينصرف من هنا. واضطر لأن يبعث بـ 750 جندياً إلى العراق ويستعد لإرسال 4 آلاف جندي آخر لتعزيز قواته هناك خوفاً من استمرار الاحتكاك مع الميليشيات الشيعية.
لقد جاء الهجوم الساحق الذي أطلقه ضد الميليشيات لترسيم خط أحمر مهم أمام الإيرانيين وبعث عن حق الرضى في إسرائيل. غير أن عندنا، مثلما هو الحال دوماً، يجري كل شيء بالقفز، والكل يسارع إلى الإعلان والتهنئة. وبالغ في ذلك وزير الخارجية إسرائيل كاتس الذي استغل الحدث لإطلاق تهديدات ضد إيران وكأن ترامب كان ينتظر الحصول على حزام الدفاع من كاتس. وحتى في فترة الانتخابات، من الأفضل لنا ألا نقفز رأساً إلى كل نزاع عكر في المنطقة.
لقد كان الهجوم الأمريكي على الميليشيات بعيداً عن أن يكون رقيقاً أو جراحياً. فقد تسبب بغير قليل من “الضرر للمحيط”. ولكن الإيرانيين انتعشوا بسرعة وانتهزوا الفرصة لحرف الاحتجاج الذي كان موجهاً ضدهم إلى انتفاضة مناهضة لأمريكا. وهم سيفعلون كل شيء كي يدحروا الولايات المتحدة خارج العراق، ولكن مشكوك أن ينجحوا. ورغم كل انعدام رغبة ترامب في الغرق في العراق، فلن يسمح لنفسه بأن يركل من هناك في سنة الانتخابات.
في الخلفية تنتظره هدية عيد الميلاد المتأخرة التي وعد بها كيم الكوري في صورة “سلاح استراتيجي جديد”. سواء دار الحديث عن صاروخ عابر للقارات أم رأس متفجر يحمل قنبلة نووية.فـ”كيم” يفهم أن ترامب هش في هذه السنة، مع انتخابات في الخلفية وسحابة عزل فوق رأسه. إطلاقه المتوقع سيكون الإشارة الأوضح لفشل سياسة ترامب التصالحية تجاه كوريا الشمالية.
ينظر بوتين باستمتاع وهو واقف جانباً إلى الضعف الأمريكي ويبحث عن الفريسة التالية التي سيخلفونها وراءهم. ومؤخراً بدأ يغمز أيضاً نحو لبنان ويلاطف آبار الغاز التي اكتشفت هناك تحت البحر. وسيسر الروس أن يستغلوا كل مواجهة بيننا وبين حزب الله كي يكونوا القوة العظمى التي تصيغ آلية إنهاء الحرب وهكذا يفتحوا لأنفسهم باباً للدولة اللبنانية أيضاً. إن إسرائيل تفترض بأن هناك تدخلاً روسياً من الآن فصاعداً في كل مواجهة لنا ذات مغزى، وأن تتذكر بأن ليس لروسيا أي مصلحة في أن ترى إسرائيل تخرج معززة من المعركة. فبوتين يحب جيرانه ضعفاء.
بقلم: ألون بن دافيد
معاريف 3/1/2020