بوجمعة غشير واحد من أهم الشخصيات القانونية والحقوقية في الجزائر، فقد شغل سنوات طويلة رئاسة الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، كما تولى إدارة شبكة تنمية الديمقراطية في المنطقة العربية، وشغل عضوية المكتب التنفيذي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان. وفي هذا الحوار مع «القدس العربي» يتحدث غشير عن أبرز الإشكالات المطروحة على الساحة الحقوقية في البلاد، مثل حكم الإعدام وملاحقة النشطاء السياسيين والتعديلات التي طالت تهمة الإرهاب قبل سنة. ويرى المحامي والحقوقي، أن الواجب اليوم، مراجعة السياسة العقابية في الجزائر، حتى تكون منسجمة مع الحقوق المكرسة في الدستور الذي اعتمدته الجزائر قبل سنتين وفي ما يأتي نص الحوار.
○ وجّه نواب في البرلمان ومجلس الأمة مؤخرا أسئلة لوزير العدل حول تفعيل عقوبة الإعدام في الجزائر ما أحيى الجدل القديم حول هذه العقوبة المجمدة في الجزائر منذ سنة 1993. أنتم كنتم في قلب هذا النقاش في السنوات الماضية.. ما نظرتكم اليوم: هل تؤيدون إلغاء العقوبة أم الإبقاء على تجميدها كحل وسط؟
• قضية عقوبة الإعدام، تتصدر النقاش كلما ارتكبت بعض الجرائم، لأن البعض يعتقد أن هذه الجرائم ما كانت لتقع لو كانت عقوبة الإعدام مفعلة وتنفذ، وهم بهذا ينسون أو يتناسون أن الجريمة فعل بشري تتحكم فيها عدة عوامل مرتبطة بظروف ارتكابها والحالة النفسية أو الوجدانية التي يكون عليها مرتكب الجريمة كون الإنسان مجموعة من العواطف والانفعالات قد يؤدي بعضها لارتكاب جريمة، وهذه العواطف والانفعالات تتعدى حدود النص القانوني مهما كان صارما. والعجيب في هذه الانفعالات والعواطف أنها تجعل الإنسان يقتل تحت دافع الحب كما تجعله يقتل تحت دافع الكره.
الحكم على شخص بالإعدام، فعل جلل، لأنه يمس بحياة الإنسان، والخطأ فيه لا يمكن تداركه، ومن يقوم به مجرد إنسان يخطئ ويصيب، وبالتالي لا يمكن أن نضع حياة إنسان بيد إنسان آخر معرض للخطأ.
وحياة الإنسان هبة من الله وهو الوحيد الذي يملك حق نزعها، وإن كان حكم الله يتسم بالعدل، فإن حكم البشر على بعضهم البعض من الصعب وصفه بالعادل لأن الأمر يتطلب توافر عدة شروط مرتبطة بالتجرد والعدل والإنصاف. وهي شروط من المستحيل أن تجتمع بيد إنسان.
هذه العقوبة مجمدة التنفيذ في الجزائر منذ 1993 بتعليمة من المجلس الأعلى للدولة آنذاك، والذي كان من بين أعضائه شخص عمل على إلغائها منذ الاستقلال لما كان عضوا في المجلس التأسيسي وهو على هارون. وتم تجميدها بعد تنفيذ حكم الإعدام على المتهمين في قضية تفجير المطار وبعض الشباب المتهمين بالإرهاب.
العائق الأكبر أمام إلغاء هذه العقوبة من التشريع الجزائري هو التيار الديني، الذي يقصر مفهوم القصاص على القتل، رغم أن القصاص هو منظومة كاملة في التشريع الإسلامي ومصطلح قصاص ليس مرادفا للقتل، كما أن هذا التيار يتجنب الحديث عن الجانب المتعلق بالعفو، وقيمة ذلك عند الله، والجزاء الأخروي الذي يناله الذي يعفو. في حين أن المطالب بالقصاص لا ينال أي جزاء أخروي، والمسلم الحق هو من يبتغي الجزاء الأخروي.
طبعا أنا شخصيا كنت وما زلت ضد عقوبة الإعدام والحكم بها لأني أرى عدالة الأرض قاصرة ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تبنى على التجرد وعدم الخضوع لبعض التأثيرات السياسية منها أو الاجتماعية. ومراجعة قائمة المحكوم عليهم بالإعدام عبر العالم وتصنيفهم حسب العرق واللون والانتماء السياسي تؤكد ما ذهبت إليه.
أعتقد أن إحالة القضية من طرف وزير العدل على النقاش العام مؤشر إيجابي، وما على المهتمين إلا المساهمة في هذا النقاش بروح من المسؤولية بعيدا عن التشنج والمغالاة.
○ عالجت المحكمة الجنائية قضية المرحوم جمال بن اسماعيل الذي تعرض للاغتيال بطريقة شنيعة وكادت قضيته تشعل فتنة في البلاد. المحكمة أصدرت أحكاما بالإعدام على 49 شخصا، كيف تابعتم أطوار هذه المحاكمة؟
• قضية جمال بن اسماعيل، أظهرت الإنسان في أدنى مستواه ووحشيته، وبمراجعة قائمة المتهمين، نلاحظ وجود مناضلين سياسيين ورجل دين وفئات أخرى من المجتمع بمستويات اجتماعية وثقافية مختلفة، أي أن هؤلاء المتهمين من شأنهم تقلد بعض المناصب والمسؤوليات في سلم النظام الاجتماعي، وهذا ما يرجعنا لما قلناه سابقا أن الإنسان مجموعة من العواطف والانفعالات ومهما يكن مستواه الثقافي والاجتماعي لا يمكنه مقاومة هذه العواطف والانفعالات وهذا ما جعل رجل الدين مشاركا في الجريمة في حين في حياته الخاصة يدعو للفضيلة.
طبعا تابعت بألم وحسرة مجريات المحاكمة، ورغم أن التهمة ثابتة بالنسبة لبعض المتهمين وموثقة بالصوت والصورة، فإنه يؤسفني سماع أحكام بالإعدام، رغم أن هذه الأحكام تلبي رغبة الغالبية العظمى من أفراد المجتمع وتشفي غليلهم.
○ ناقش مجلس حقوق الإنسان الدولي بجنيف قبل أيام ملف الجزائر الحقوقي وتعرضت البلاد لانتقادات حادة خاصة فيما يتعلق بتعديل المادة 87 مكرر من قانون العقوبات المتعلقة بالإرهاب سنة 2021. ما هي الإشكالات التي تطرحها هذه المادة وهل تتناقض في رأيكم مع المعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر؟
• في الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خضعت الجزائر للتقييم من قبل نظرائها، وقد سجلت عليها بعض الخروقات المرتبطة بعدم احترامها للصكوك الدولية التي صادقت عليها، وهي الخروقات التي كانت محل طرح من قبل النشطاء الجزائريين.
التركيز كان على مضمون المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، وتصنيفها لبعض الأفعال كأعمال إرهابية، في حين يرى المدافعون عن الحريات أنها مجرد ممارسة لحقوق دستورية.
طبعا عدم وجود تعريف للإرهاب متفق عليه من قبل دول العالم، جعل كل دولة تجتهد لوضع تعريف ومن بينهما الجزائر التي استنبطت تعريفها من قرارات مجلس الأمن حسب تصريح وزير العدل، وقرارات مجلس الأمن رغم أنها تعتبر مرجعا في بعض المسائل إلا أنها في مسائل أخرى ومنها قضية الإرهاب لا يمكن الاعتداد بها لأنها صدرت تحت تأثير سياسات دولية معينة تحت ظروف معينة ومنها الحرب على الإرهاب التي أعلنتها أمريكا وبالتحديد الرئيس بوش بعد تفجيرات 11 سبتمبر.
هذه الحرب المعلنة ضد الإرهاب صاحبها الكثير من التجاوزات والخروقات حتى في أمريكا ما جعل الكثير من الأصوات ومنها ما هو صادر عن دول تدعو لمحاربة الإرهاب ضمن مبادئ حقوق الإنسان، وأذكر أني حضرت اجتماعا دعت إليه الحكومة التشيكية فترة رئاستها للاتحاد الأوروبي بهدف معالجة هذه القضية وإيجاد أرضية مشتركة لمحاربة الإرهاب مع احترام حقوق الإنسان.
○ فتحت محاكم الجنايات في الدورة الحالية عدة قضايا لنشطاء متابعين بالإرهاب بموجب المادة 87 مكرر وحصل غالبيتهم على البراءة أو أحكام مخففة.. هل ترون في ذلك نية للتخلي عن هذه المادة مستقبلا؟
• الأحكام التي صدرت عن محكمة الجنايات المتعلقة بالمتابعين بتهمة الإرهاب المنصوص عليها بالمادة 87 مكرر، لها قراءتان: الأولى أنها قد تكون خطوة أولى للتخلي على هذه المادة وهذا طبعا يتطلب أن قضاة المحكمة تلقوا تعليمات في هذا الاتجاه، أما القراءة الثانية إن القضاة كانوا أحرارا في تقدير الوقائع ومقارنتها بمحتوى المادة، واقتنعوا أن الأفعال المنسوبة إليهم لا يمكن إدراجها ضمن مقتضيات هذه المادة رغم اتساعها وبالتالي أصدروا حكمهم بناء على هذه القناعة، وهذا ما أتمناه شخصيا.
○ اعتمدت الجزائر سنة 2020 دستورا جديدا بشرّت السلطات بأنه سيفتح عهدا جديدا في مجال دعم وتكريس الحقوق والحريات للمواطنين.. بعد مرور سنتين على تطبيق الدستور هل تلمسون في الواقع تغيرا إيجابيا أم العكس؟
• دستور سنة 2020 تضمن الكثير من الحقوق والحريات، لكن المواطن الجزائري لا يزال ينتظر تجسيد مقتضيات الدستور على أرض الواقع. الواقع لا يعكس مقتضيات الدستور، والجزائري ينتظر التجسيد الفعلي لهذه المقتضيات، في كل جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
والملف الذي يصفه المدافعون على حقوق الإنسان بملف سجناء الرأي من الملفات التي هي محل جدل بين السلطة والمدافعين على حقوق الإنسان، وهو ملف يشوه مسعى السلطة في تجسيد دستور 2020 ويشكك فيه، كما أن التضييق على الصحافة والجمعيات يزيد في درجة التشكيك، لذلك أعتقد أن قضية السياسة العقابية في الجزائر يجب أن تطرح للنقاش وضبط محددات بين الحق الدستوري الذي يحق لكل مواطن التمتع به والفعل المجرم.
○ طرح الرئيس تبون في الأشهر الماضية مشروع مبادرة للم الشمل وهناك قانون يجري إعداده لتفعيلها.. هل هذا المشروع هو استمرار في رأيكم لمشروعي الوئام المدني والمصالحة الوطنية؟
• من أنبل المساعي السياسية في أي مجتمع، مسعى تقوية اللحمة بين أفراده، ولم الشمل يتطلب عدم إقصاء أي طرف أو فئة أو تيار سياسي، ومسعى لم الشمل يحقق هدفه إذا انتهى بالاتفاق على حد أدنى مشترك يؤسس لمشروع مجتمع. مشروع القانون المتعلق بالموضوع لم أطلع عليه، لذلك لا يمكنني التعليق عليه، لكن أتمنى أن يكون لبنة تساهم في بناء الجزائر الجديدة.
○ لا تزال محاكمات المسؤولين ورجال الأعمال المحسوبين على فترة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة جارية على مستوى المحاكم منذ 4 سنوات، في وقت دافع بعض السياسيين عن فكرة المصالحة المالية مع عدد منهم.. هل لديكم تصور حول هذه المسألة؟
• المتفق عليه أن من تقلدوا السلطة في الجزائر جعلوا من المال العام ملكية خاصة ووزعوه على أبنائهم وأصدقائهم والموالين لهم، بحيث الفساد أصبح نمط تسيير وبكل أسف انخرط فيه الكثير من المسؤولين، حتى الذين لم تتم متابعتهم ولم يرفضه إلا القليل من المسؤولين، وعليه فإن محاكمة المتورطين في الفساد ضرورية، لأن محاربة الفساد تخدم التنمية وتساعد على رقي المجتمع وعدالة اقتسام الثروة فيه وبناء الديمقراطية، ما يؤسس لنظام حكامة مبنى على الشفافية والمسائلة.
بالنسبة للمصالحة المالية، طرحت من بعض السياسيين على شكل عفو، في حين أن أي عفو على مرتكبي الفساد هو في حد ذاته جريمة، لكن من جانب إيجاد وسيلة لإسترداد الأموال المنهوبة وخاصة الموجودة بالخارج يمكن إيجاد حل، بحيث تتم مقايضة حرية المختلس بقدر تعاونه مع الدولة من أجل استرجاع الأموال المنهوبة، بحيث يمكن تقليص العقوبة لحد أدنى لا يمكن النزول عليه شريطة التعاون التام من أجل رد الأموال المنهوبة، وخاصة وأن الأموال المحولة للخارج من الصعب جدا استرجاعها، مهما بلغت درجة التعاون بين الدول، لأن الأمر مرتبط بالحسابات السرية في البنوك ورفض بعض الدول تحويل السيولة وغيرها من المسائل.
وطبعا الفاسد مهما بذل من تعاون من أجل استرداد الأموال المنهوبة يجب أن يحرم من تقلد كل المسؤوليات السياسية والوظائف في الدولة.
○ تنشطون في الدفاع عن القضايا الحقوقية على المستوى العربي منذ زمن طويل.. هل تلمسون تطورا أم انتكاسة في تقييمكم العام وأين يمكن وضع الجزائر في الخريطة الحقوقية العربية؟
• تشرفت برئاسة أول شبكة لتنمية الديمقراطية في المنطقة العربية أسست في القاهرة سنة 1995 وعملنا الكثير من أجل تنمية الديمقراطية في هذه المنطقة، وركزنا على الانتخابات كوسيلة من وسائل تجسيد الديمقراطية والتداول على السلطة، بالإضافة إلى أمور تتعلق بالأداء النيابي، وغيرها من آليات البناء الديمقراطي كبناء مجتمع مدني مستقل، كما كنت عضوا في المكتب التنفيذي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان من سنة 1994 إلى غاية 2007 وقد عرفت مرحلة التسعينات حركية رائعة مست الكثير من الدول العربية، استمرت حتى ما عرف بالربيع العربي، لكن بعد ذلك تم التشكيك في هذه الحركية ومنهم من قال إنها مشروع أمريكي صهيوني، وطبعا هذا القول فيه إساءة كبيرة للمناضلين في المنطقة العربية بتياراتهم الفكرية والإيديولوجية المختلفة الذين لم تخل سجون الأنظمة العربية منهم طيلة مراحل بناء الدولة الوطنية في المنطقة. بكل أسف هذا التشكيك مع تحالف قوى داخلية وخارجية أدى إلى انتكاسة، يعاني منها الفرد العربي من المحيط إلى الخليج.