بوح الغربة

حجم الخط
0

تنكشفُ الحجُبُ ويتبدّدُ الحلُم الجميل حين أناجيكَ فلا اسمع إلا همس كلماتي الضائعة، وحين أناديكَ فلا أسمع إلا رجع الصدى المبحوح. وتتبدّى الحقيقة المُرّة لتقول أن بيني وبينك يامرتع الصبا مهامهَ ومجاهيلَ يحار بها القطا الكُدْريُّ ويضل فيها الخِرّيت الماهر.ومع ذلك فأنا أرى قامتك الفارعة ماثلةً أمام ناظري، نعم إني أرى سهولك ووديانك وتلالك ومُروجَك، أراها وقد اكتست حلّة خضراء تسلُب الألباب وتُبهِج العيون؛ وأشمّ عبيرك الفوّاح فأجد فيه عبق الماضي وأنس الحاضر.بنَفسِيَ تِلكَ الأرْضُ ما أطْيَبَ الرُّبَا.. وَما أحْسَنَ المُصْطَافَ والمُتَرَبَّعاأخيال هذا؟ ربما! لكنه شعور أتماها معه فيستحيل واقعا أقتات به كلما برّح بي الشوق إليك وطال بي أمد البين.عجيب تبدل هذا الدهر الْمَنجنون! أتأمل حالي اليوم فأجدني بعيدا عنكَ أستعطف الدهر، وأتوسل إلى ماضيه الجميل أن يعود، ويصدق في شعر مالك ابن الريب وأنا الذي كنت أنشدك إياه يوما فنرحَمُه ونرِقّ له ونستعذب شعره، كنت أتخيّل يومها أنه يخاطب غضاك إذ هل ينبت الغضا إلا بين أحشائك يا وادي الغضا ألا ليتَ شِعري هَلْ أبيتَنّ ليلةً.. بجَنبِ الغَضَا، أُزجي القِلاص النّواجِيافليتَ الغَضَا لم يقطَعِ الركبُ عَرضَهُ.. وليتَ الغَضَا مَاشى الركابَ لَياليِالقد كان في أهل الغضا، لو دنا الغضا.. مزارٌ، ولكنّ الغضا ليس دانيايقولون لي بأن حُلّتك الخضراء قد تخرَّقت، وأن نضارتك تبدّلت شحوبا، وأن بعض أهلك استوخَموا هواءك واستقلوا ماءك، وزعموا أني أعماني الشوق إليك حين قلت في وصفك قديما – وأنا يومئذ أتهجى الشعر: فلا بردُ الشتاءِ به شديدٌ ولا حرّ الربيعِ به بمولِ.. تخالُ به محاسنَ كلِّ فصل كأنك في خليط من فصول.والحقّ أنهم جاروا في الحكم عليك وما أنصفوك، حين نظروا إليك بعين اكتحلت بلَوْثة المدنية المعاصرة. وكان جميلا بهم أن يرقِعوا ما عدّوه خرقا في حلّتك، ويصلحوا منك ما أثْأَتْه يد النسيان والإهمال ومرّ المَلَوَان.أما أنا فما بالغت حين نعتك بما وجدت فيك؛ ويقينا أن عينا اكتحلت بمحبتك لن تراك إلا كما أنت: شامخ الطود تعانق الجوزاء ألقا وكبرياء. وكيف أكفر نعمتك وما نيطت علي تمائمي إلا بك، وما عرفت شرخ الشباب إلا في رباك. ويعلم الله أني ما سلوتك مذ عرفتُك وما قليتُك مذ أحببتك، ولئن طوَّحت بي عنك غربة مختارة – والحمد لله- فسيظل لساني يلهَج بذكركَ، وقلبي معمورا بمحبتك، ومن يدري؟ فربما يُقضَى بيننا قريبا بلقيا فيفرح محزون ويأنس مشتاق.وقبل أن يتحقق الرجاء ويلتئم الشمل أهديك ترنيمة القاضي البغدادي في بغداد:سلامٌ على بغدادَ في كل موطن .. وحُق لها مني سلام مضاعَففوا الله ما فارقتُها عن قلى لها .. وإني بشطيْ جانبيها لعارف.محمد محمود جلال – موريتاني مقيم بالكويت [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية