أحمد اليوسفكانت جدتي عيوش بلوط، والملقبة بعواش، ملجأ نهرب إليه نحن الاطفال في فترة خدمتنا الإلزامية الدراسية في المرحلة الابتدائية. وكانت كريمة لحد الافراط، لا تميز في كرمها بين بشر أو غير بشر. فكان يلتقي عندها كل القطط المشردة والأطفال الهاربين من اهلهم. وكانت جدتي مصنعا بكامله، تصنع فراشا للنوم وتخيط الثياب وحتى تنسجها في نولها اليدوي القديم؛ وهي التي حققت استقلالا ذاتيا للقرية بما تصنعه من صابون. وكانت تنفق كل ما يجنيه جدي من مال وزيت وطحين. وخلق كرمها المفرط هذا مشكلة اجتماعية كان لها اثر شديد على القرية برمتها. حيث إنها لم تترك طفلا صغيرا زارها مع اهله إلا وأرضعته؛ ليكتشف أهل القرية حين كبروا أن اغلبهم اخوة بالرضاعة. وقد أجبرتهم أخوتهم القسرية هذه على البحث عن شريكات حياة خارج القرية. وبما أنه في كل قرية من جبل الزاوية كان هناك عواش ما، اضطرت كل القرى أن تنفتح على بعضها ضمن علاقات حب وزواج وصلات رحم.ولم يكن لجدتي اراء كثيرة بالسياسة وهي التي عاصرت جزءا من الاحتلال الفرنسي والثورة عليه. كانت تقول حين تسأل عن عدم انتخابها للرئيس الفذ بأنها لن تنتخب من قتل شعبه وأنها ان قدم الى القرية فستضربه بشحاطتها. لم يأت قائد الامة يوما الى قريتنا. كان فقط يرسل عسكره. وحين ماتت أنزلتها بيدي الى قبرها الذي كانت تقول فيه: يا ابني لن نأخذ معنا شيئا الى القبر سوى حفنة من تراب. هكذا كانت جدتي تبرر كرمها وهي التي لم تترك طفلا توفي على صغر دون ان تغسله بيديها وتبكي عليه بكاء الام وان تدفع ثمن كفنه من جيبها. وفي حاضرنا المأتمي، لا ادري كيف ستستقبل جدتي عواش كل الذين هاجروا الى عالم الشهادة في جوارها، حين ستعلم انهم قدموا وأهلهم معهم ليدفنوا جميعا في قبر واحد وبدون غسيل او كفن؟الثورة السورية والاحتجاج لعنا لم يكن هناك في قريتي، أيام طفولتي، من هو أسرع مني ركضا. ساعدتني هذه الميزة على أن أكون افضل من لعب كرة القدم من أبناء جيلي. كنت اباهي بالقول مستفزا خصومي: سألاعبكم اليوم برجل واحدة. كانت انتصاراتي تدفع بصديقي الخصم اللدود لأن يوسعني ضربا ودعكا ورفسا في عملية انتقامية ثأرية لهزيمته. وكلما زاد دعسه لي زاد تهديدي له بالقتل وبالفرم وبالمسح عن الوجود. لم يكن يقابل تهديدي إلا بالضحك الساخر لإدراكه التام بأنني عاجز عن قتل نملة، فكيف سيكون باستطاعتي أن أجعل من لحمه كبة حلبية كما كنت أهدده. وفي مرة من المرات أنهى طقسه الثأري بضربي ضربة لئيمة على الخصيتين، فغابت الدنيا كلها ولم يبق منها ومني سوى الألم. فجمعت ما تبقى لدي من قوى الاحتجاج وما بقي من أوكسجين في رئتي والذي لم يكن كافيا إلا للفظ كلمتين خرجتا دفعة واحدة وهما: ‘يلعن أمك’. وعدت للبيت كعادتي في نهاية كل مباراة بثياب وسخة ممزقة، وكأني خارج من منجم فحم، وبجروح تتوزع على جسدي وكأنني عائد للتو من حرب حزيران.لم يرق لأمي مسبتي لأم صديقي وهي المتطرفة والعنيفة في نبذها للعنف حتى ولو كان لفظيا. بدأت عملية جلدها الاخلاقي لي مستدعية قيمها الريفية الصارمة جاعلة منها قيما كونية تنص على منع المسبة تحت أي ظرف كان، وفي أي زمان كان. جحظت عيناي فجأة، وامتلأت أذناي طنينا، وشعرت بخطر يتهدد وجودي الاخلاقي وكياني المعنوي. وبدت لي محاضرات أمي وكأنها مجزرة وعملية ابادة جماعية لقيمي الاخلاقية الاحتجاجية. رفضي الغريزي لعملية الاخصاء المعنوي تلك جعلني بداية ألتفت الى الباب لأتأكد من أنه مفتوح قبل أن أتورط و أعبر عن رأيي فيما قالته أمي. أخذت مسافة أمان تجعل من رأسي خارج متناول يديها كي لا تنتف لي شعري وتشمط لي أذني. وضعت يدي في خصري في وضعية المتحدي وكأني سألقي خطاب فتح الاندلس أو تحرير فلسطين. وقبل ان أشمع الخيط وأطلق قدمي للريح هربا، صرخت قائلا: ‘إذا ضربك أنت فلا تسبينه، أما إذا ضربني أنا في المرة القادمة فسألعن أمه وأباه’.ثورة حمار يوسف العيداويكان لجدي يوسف اليوسف، الملقب بالعيداوي، حمار يكسب قوت يومه من عرق جبينه. لم يسبق لجدي ان أخَّر عنه أجره اليومي من تبن وشعير. وعاش هذا الحمار كريما راضيا بحياة متواضعة تسودها المودة والحميمية الخالصة مع جدي الذي وهبه اسما ومسكنا وعملا.دامت عيشة الكرامة هذه الى أن اشترى جارنا حمارة (أنثى الحمار) سلبت قلب حمار جدي وملك حبها كيانه وجوارحه. فللحمير قلب وعواطف تعشق بها الجَمال والفتنة مثلنا نحن البشر. والحب في جبل الزاوية لا يكون نصف جنون، فإما جنونا كاملا وإما أن لا يكون.أصبح حمار جدي الولهان يقضي جل يومه عند عشيقته فلا يدعها تأكل أو تشرب مما زاد في نحولها لكون الحب لا يكفي وحده قوتا. أزعج مهرجانه الغرامي اليومي جيران جدي فاشتكوا منه وشكوه. فما كان من جدي إلا أن وضعه رهن الاقامة الجبرية مربوطا في وسط ساحة البيت. توقف الحمار عن الأكل والشرب معلنا احتجاجه السلمي وهذا ما يسميه البشر عادة بالإضراب. تلا ذالك تصعيدا هتافيا ملأ الدنيا نهيقا. أزعج نهيقه الجيران والخلان والقريب والبعيد فنصح البعض جدي بأن يحبسه في الاسطبل حبسا انفراديا لليلة واحدة قد تنسيه حبه، وهذا ما فعل . فما كان من الحمار إلا أن ضاعف من نهيقه دونما انقطاع. وقبل حلول الصباح سكت فجأة عن النهيق. أسرع جدي ليطمئن عليه فوجده جثة هامدة لا نبض فيها ولا نفس. قيل انه انتحر وقيل ان الحب قتله فالحب قاتل اكثر من السرطان. وقيل ان الظلم تجاوز عتبة التحمل فانفجر. ولو كان للحمير قدرة على الكتابة لكتب حمار جدي وصية كلها لعنات على الظلم والظالمين.أصبح هذا الحمار اسطورة ورمزا احتجاجيا تضرب به الأمثال. وأصبح كل عاشق يطلب بالحب وصلا يهدد أهله قائلا: اطلبوا يد حبيبتي من أهلها بالحلال وإلا سيحصل لي ما حصل لجحش يوسف العيدواي. وكل من تجاوز اضطهاد أهله له عتبة التحمل يهدد قائلا: إن لم تتوقفوا سأفعل مثلما فعل جحش يوسف العيداوي. لا تقبل الحمير الظلم إذا تجاوز عتبة تحملها في صدها عن حبها أو في الاعتداء على أطفالها. فتوقفوا يا سادتي، احتراما لرمزية حمار جدي الاحتجاجية، عن تشبيه كل من ناصر نظام الاضطهاد بالحمير.طهوري وثورة طفولتيكانت أول ثورة لي ما بين الرابعة والخامسة من عمري. قدم مطهر الاطفال إلى بيتنا في مدينة الرقة، فأخفاني أخي يوسف والذي يكبرني بست سنوات خلف باب البيت. كرر أخي عدة مرات ضرورة عدم خروجي مهما كانت الاسباب. لم أجب اخي بأي كلمة. فقط هززت رأسي بالموافقة. لعبة التخفي كانت لعبتي المفضلة. لم أكن أعتقد ان المسألة جدية. وحدهم الكبار من تبلغ بهم السذاجة حد الجد. لم أكن أميز كثيرا بين الجد واللعب. صرخت أمي طالبة مني الحضور. لم أرد على دعوات أمي للقدوم اليها. اكتفيت فقط بالنظر الى أخي كي أطمئنه بأنه يمكنه أن يعتمد علي. التحق ابي بأمي طالبا حضوري. لم أجب أيضا على دعوات أبي. بقيت بجوار أخي الممسك بيدي. فجأة صرخت أمي قائلة: لمن هذه الموزة؟ انها موزة أحمد لا تأكلوها انها له. فخرجت أجري كالغزال باتجاه أمي. أين الموزة؟ هي موزتي. لقد كنت أموت حبا بالموز، وهذه كانت نقطة ضعفي. أعطوني موزة ومددوني على الارض قائلين: انظر الى الحمامة في السقف. وفي لمح البصر اخرج المطهر مقصه وقطع ما جاء لقطعه. صرخت صرخة مدوية وددت فيها أن تصل من الرقة الى جبل الزاوية. أعلنتها ثورة. بدأت ثورتي الاحتجاجية بإعلان الإضراب عن الطعام. تطور الاحتجاج فاستعملت كل السبل السلمية منها والعنفية. فأمطرت أهلي بكل الحجارة التي وجدتها. وقمت بالتشهير بكل السبل التي أملكها. لم تكن عملية التشهير تحتاج لجهد مني. فلم أكن احمل بنطالا وكل ما كان علي فعله هو ان ارفع جلابيتي قائلا لكل طفلة او طفل القاه: ‘شايف كيف قصوه؟’ لم يكن ثمة قوانين أخلاقية تضبط سلوكي حتى سنت أمي اولها قائلة: ‘عيب ما بصير هيك’. لم يطل صراعنا وأزمتنا اذ سرعان ما جلسنا أنا وأبي إلى طاولة الحوار وجها لوجه وبدون اي وسيط. لم تلغِ كلمة (يا ابني)، التي بدأ بها ابي حديثه، الندية بيننا. بدأ أبي الحوار ببوحه لي بأنه هو ايضا خبر عملية الطهور هذه. انهمرت عليه اسئلتي عن متى وكيف ومن فعل هذا ولماذا. قدم لي تبريرا لعملية الطهور هذه مفاده: إنها سنة جدنا ابراهيم الخليل وعلينا اتباعها. لم أكن أعلم الى حينها أنه لي جد ثالث. ضحك ابي من ردي بدون أي تعليق حين قلت: ‘مليح الي ما قطع لسانه’.وختام حوارنا كان أن لعب ابي بشعري، ودغدغني في كل مكان، فكان ضحكنا مبشرا بصلحنا وانتهاء الازمة التي عصفت بعلاقتنا. لقد تعلم أبي أنه يجب ان يأخذ رأيي في الأمور التي تهمني، وكان غالبا ما يفعل ذلك بعد صلحنا المعهود. وغيرت أمي كذلك سلوكها من نهج شد الشعر وفرك الاذن إلى نهج الاصغاء قدر الامكان. فأصبحت تجيب على اسئلتي الوجودية منها على سبيل المثال، سؤالي عن كيف ولدت، حيث قدمت لي إجابة معقولة أرضت فضولي حينها، ومفادها أنهم وجدوني في بطيخة اشتروها. فسرت لي اجابتها حبي وحناني الشديدين للبطيخ. وأصبحت أمي تغني لي في كل ليلة اغنية لا تعرف غيرها: يالله تنام يالله تنام لادبحلك طير الحمام. لم تذبح لا طير حمام ولا طير بط. كانت فقط تكذب علي كي انام. كنت جد محظوظ بوالدي، فقد تحملا احتجاجاتي المتكررة بعد ذلك دونما ممانعة أو مقاومة إلى أن بلغا حد الشيخوخة، فأصبح الاحتجاج معكوسا.الحياة قول والصمت موتلم أعرف جدي يوسف اليوسف الملقب بالعيداوي إلا شيخا عجوزا، غطى رأسه شعر ابيض وخلا فمه من الاسنان. كان جدي يحب العطر لدرجة انه أوصى بأن يسكب منه على قبره. وكان حبه للجمال يجعله يمضي وقتا بترتيب قمبازه المطرز وبتمشيط لحيته. كان جدي كثير الكلام لا يسكت إلا في حالة مرض أو تعب. كان يقول: ليست حياتنا سوى قول وكلام. كان إذا ما مر صديق له في القرية لا يتركه حتى يشرب عنده كأسا من الشاي ينسيه من خلاله أهله فيقيم عنده شهرا أو شهرين. الحياة بلا صديق مثل أكل الهوا (من الهواء)، هكذا كان يقول. اذا كان لديك ابن تفتخر به فستفتخر به أمام صديق. وإذا عايشت فرحا فستعيشه مع صديق، وإذا أصابتك مصيبة فيخففها حضور ومساندة صديق. الحياة بلا صديق هي حياة بلا معنى. كان كلما مات عجوز من سنه يبكي حتى يكاد يفقد وعيه. في هذا كان يقول: كلهم راحوا يا ابني لم يبق أحد.لم يعد يعمل عندي شيء سوى اللسان، هكذا كان يبرر كثرة كلامه. وهو رجل جيد الحديث وحسن المعشر؛ فمع النساء هو شاعر، ومع الاطفال هو حكواتي لا توجد قصة إلا ويعرفها، ومع الرجال حكيم اكتسب الحكمة من تجارب حياته. ‘الكلام هو كل ما لدي’، هكذا كان يوجز حياته التي عاشها سردا. من حكمه: ‘البشاشة نصف الكرم’. ولرجل مثل جدي فقير لحد الطفر كانت البشاشة هي الكرم كله بدون زيادة أو نقصان. كان في كل عيد يسقط مريضا مستنفدا كرمه الكلامي الذي لا ينضب. في السياسة كان قليل الكلام فكان لا يقول سوى جملة واحدة: يلعن ابو هالدولة. فبعدما ابتلع العسكر الدولة لم يعد هناك الكثير ليقال. لم يمت جدي إلا وقد ملأ بيته الطيني بالأحاديث عن ذكريات نصفها، وربما اكثر، مختلق حيث لا شاهد على كلام شيخ مثله بعدما مات كل من عاصره. كان جدي في سيرته يمثل جبل الزاوية في قيله وقاله في ماضيه وحاضره. فلم يكن معنى لحياتنا الى أن بدأنا نقولها سردا، رفضا واحتجاجا في ثورة تؤكد في كل شهيد كلام جدي القائل ليست الحياة سوى كلام وليس الصمت سوى الموت. ولا معنى للحياة إلا بصديق جملة خبرنا عمق فحواها مع كل شهيد فقدناه في ساحات كان يصرخ فيها: سورية بدها حرية. معك حق يا جدي ليست الحياة سوى قول وصديق وإلا كانت مثل أكل الهوا.عيد في المقابر الجماعيةكانت جدتي عليا الشيخ يوسف ترتدي ثيابها على عجل في كل عيد وتضع حذاءها في زنارها وتذهب حافية الى جبانة (مقبرة) القرية. تقف على قبر عمتي ريمة التي ماتت في عز صباها. كانت ريمة بحسب رواية جدتي أكثر نساء جبل الزاوية فهما ورقة وكرما وكانت أجمل نساء القرية والجبل بل أجمل نساء الدنيا: أجمل حتى من هيلين طروادة. تبدأ معايدتها عادة بإلقاء السلام تليه بسرد أخبار القرية في تفاصيلها: من مات ومن تزوج ومن ولد له اولاد جدد وأخبار جدي وعاداته الصارمة والبقرة التي تم بيعها والكديش الذي مات مرضا وأخبار القريب والبعيد. تراها تارة تتحدث بصوت عال مع حركات يديها، جلوسا ثم قياما. تبكي تارة وتضحك تارة. ومن حين لآخر تلامس تربة القبر وكأنها تداعب شعر طفل نائم. بقيت جدتي على عادتها هذه في كل عيد الى آخر يوم في حياتها لتقبر حين فارقتها روحها بجوار ابنتها ريمة.في حاضرنا المأساوي وفي زمن الممانعة، أصبح لموتانا مقابر جماعية تضم أحيانا عائلات بكاملها وجيرانا وأصحاب ماتوا على زعل. ترى كم عليا ستجتمع في كل عيد على قبر واحد.نزوح وشتاء بلا صوباكان لتركيب الصوبا ( المدفأة) في كل شتاء طقس خاص. أبي هو خير من ركب صوبا. يبدأ تركيب الصوبا دائما بموال عتابا تماما كما تدخل العروس بيت زوجها. سامع هديرها؟ ولا صوت كروان، هكذا يبدأ أبي احتفاله الحفاوي بصوبتنا الموقرة التي غير أبي فيها كل شيء ولم يغيرها. عايشت هذه الصوبا الأصيلة كما يصفها أبي كل طفولتي. أصيلة هالصوبا مثل امك بتقيم مليح، هكذا يوجز ابي غزله المزدوج بأمي وبالصوبا في الوقت نفسه. كماجة طالعة وكماجة نازلة وما في اطيب من خبز التنور المسخن على الصوبا، خصوصا اذا كان مدهونا بزيت أصلي مو مثل زيت تجار حلب المغشوش. أبي يحب كل شيء أصلي. بريق شاي يتلوه بريق شاي آخر، والصوبا محشوة بالبطاطا والكل حولها مشغول ما بين أكل الزبيب وقصص امي التربوية الفاشلة التي تنتهي دائما بجملة: ‘وهيك صار فيه يا ابني لأنه كان يعذب أمه’. نحاصر الصوبا في كل مساء على قصص وعلى ضحكات طفل مع اغنية يا باح يا باح، وعلى قط يمسح وجهه مبشرا بقدوم ضيف جديد. هكذا كان شتاؤنا في جبل الزاوية حيث البرد يسمى زمهريرا. فكيف ستكون طقوس اهلي الشتوية القادمة في فصول نزوحهم اللا منتهي ما بين جحيم قصف وزمهرير؟في حضرة غياب الأملم تكن وفاة جدتي أم أبي مفاجأة. فقد كانت امرأة عجوزا استنفدها المرض. فقدت بصرها وغارت عينيها وأصبحت عاجزة عن الحركة في أيامها الاخيرة. كان الكل في انتظار موتها وخلاصها من ألم الانتظار وقسوة الاحتضار. لم يسبق لي أن رأيت دموع أبي. سبق لي أن رأيته في حالة غضب وانفعال. فاجأنا رب البيت والدي، والذي لم نر له دمعة في حياتنا المغموسة بالشقاء وعلى الرغم من كل المحن التي عشناها، بانحنائه على ركبتيه ليضم والدته التي فارقتها روحها للتو، وليصرخ امامنا نحن أبناءه وأمام أحفاده الحاضرين قائلا لأمه التي اصبح نصفها جثة هامدة ونصفها الاخر في عالم الغيب والشهادة: أنا صرت يتيم يا أمي. لا يملك الإنسان في حياته سوى أم واحدة. ربما هذا ما يعطي لفقدانها طعم الفاجعة عجوزا كانت أم صبية. في فقداننا لأمهاتنا اليوم، ضحية قصف لا يترك من الاشلاء ما يمكن أن نضمه، يقهر هول الفاجعة فينا صرخة اليتم التي صرخها والدي في حضرة وداعه الاخير لأمه: بيته الأول ما قبل الولادة والحنان المجاني الذي نسميه بالأمومة. الرحمة لكل الامهات.الطفولة والاستبداد في زمن الثورة السوريةليست الطفولة نقيضا للرشد كما قد يظن البعض. ولا هي نقص في النضج طالما أن النضج ليس نقصا في الطفولة. انا لم أعش في حياتي الطفولة نقصا بل فيضا من الفضول والطاقة والخيال. فليست الطفولة سوى الفيض. واستثناء كانت طفولتي تماما ككل البشر. ولي في ذاكرتي مخزون من الامثلة الحية من غنى واقعي المعاش. ففي ظهيرة صيفية وعلى سطح بيت جدي مصطفى السليم كنا انا وابن خالي نعيش فيض حبنا للعب. وليس أحب على الاطفال من اغتيال الوقت لعبا. رأينا جدي من فتحة من على سطح بيته الطيني، مستلقيا على ظهره. لم يترك من لباسه إلا ما خف منه. تأكدنا أنه قد أغمض عينيه فاتحا فمه قبل أن ينزل كل منا سرواله ليمطره بوابل من البول. لم نكن نريد له الأذية، كنا فقط نريد أن نلعب. لجدي صوت مرعب جعلنا نطير هربا. وفي جلسته التحقيقية لنا وسؤاله عن طبيعة ما ألقينا عليه لم يكن لدينا من إجابة الى أن قدم هو خيارات لنا. أكان شخاخا؟ فهززنا رؤوسنا بالنفي. أكان ماء؟ فهززنا رؤوسنا بالإيجاب. وأدرك هو من هزات رؤوسنا المرعوبة الباحثة عن خلاص وحسب، بأنه كان بولا، فقال ضاحكا: لا تعيدوها مرة اخرى حتى لو كان ماء. وحين سألت جدي الآخر، الشامت بما حصل لجدي مصطفى، عن قول أمي بأنني سأذهب إلى النار عقابا على فعلتي هذه اجاب: لا تصدق الجدبة أمك، الأطفال لا يذهبون إلى النار. فللأطفال رخصة وُلدت معهم، ضمنتها لهم كل الشرائع والأديان. والطفولة احيانا نهج وثقافة واعتقاد وطبيعة تنبري الاخلاق للدفاع عنها. فيروى عن المسيح قوله بالأطفال: لهؤلاء ملكوت الله. كما يتناقل ارثنا الديني قول نبي الاسلام رسول الرشد: اتقوا الله بالضعيفين المرأة والطفل. وللطفولة خصوصية في ثقافتنا تصيغ نفسها ضمن ثناءات مجازية: الاطفال ملائكة الجنة. وأحيانا تأخذ مجازات دنيوية ملؤها المداعبة كأن يقال: في طيزه مئة عفريت. والطفولة في فيضها اللعبي قد تغدو ثقافة تربوية تحررية خلاقة كتلك التي تحدث عنها شلر في تربيته الجمالية. واللعب روح الطفولة. ولو ملك الاطفال دولة لنصوا فقرة واحدة تختزل مبادئ دستورهم الطفولي مفادها: كل يلعب على هواه. وثقافة اللعب هذه هي ثقافة تحررية لا تحتملها اي سلطة استبدادية. وخير مثال على سلطة ما فتئت تحارب الطفولة هي سلطة البعث. فلم تكتف هذه السلطة عبر تاريخها التدجيني المجيد بتفريغ اللعب من مضامينه بل جعلت من الاطفال انفسهم موضوع ابتزاز. فمن يحتج على قمع نظامه مصيره ومصير اطفاله الموت. وإذا كان جدي متسامحا مع من بال عليه فنظام البعث المتخوم بالرجولية النضالية لا يغفر خطأ من هذا القبيل. لأطفال درعا سبق بانتهاك المحظور بأن بالوا على النظام غناء فأنشدوا مطالبين بإسقاطه من عليائه فاقتلع لهم اظافرهم. ولم يشفع لهم قولهم: لم نكن نقصد ما نقول، كنا فقط نلعب. وحين بالغ الاطفال في لعبهم كما فعل حمزة الخطيب قطع في عصاب سادي له عضوه الذكري. لعب الاطفال واستبداد النظام ضدان لا يلتقيان. يحتم هذا التضاد منا موقفا اخلاقيا مفاده: إما مع الطفولة وإما مع نظام يصادر عليها. ان الطفولة براءة، وقتل الطفل هو ليس بمثابة قتل انسان بريء بل بمثابة قتل البراءة ذاتها. من هنا لا يلام فقط من يساند نظاما يمعن قتلا بالطفولة بل اللوم هو على كل من يسكت عنه. إن السكوت عن قتل الطفولة جريمة. ‘ كاتب من سورية