«ويس أندرسون» من المخرجين الذين يجيدون صناعة الحُلم، مخرج يملك هذيانه الخاص وعبثه المتميز، وتوقيعه الملحوظ، قد تختلف معه مرات وتتفق في أخرى، ولكنه يظل مالكا لقوانينه ومنهاجه في صناعة فيلمه، أو حلمه، من مواضيع هزيلة، لا تسمن ولا تُغني من جوع، تنبع حلاوتها من أسلوب «أندرسون» المُسكر في التناول، سواء بالطريقة التي يصيغ بها مشهده، ويفرش من خلالها للسرد ولتتابع الحدث المنوط بتقديمه، أو عن طريق الصورة المتفردة التي يطل بها عليك، ويصبغ من خلالها ألوان عالمه، ويتمم عن طريقها سطوره الأولى من حدوتة أسطورية يعدها من بعده، لتحمل اسمه وأسلوبه وهويته ..
«بودابست العظمي» آخر أفلام آندرسون، هو الأيقونة الحديثة التي تُثّبت خطوات ويس أندرسون المخرج وتؤكد على ملامح أولوياته، فالقصة التي يتناولها هذه المرة تقليدية متوقعة بعض الشيء، لا يوجد في متنها الأساسي ما يدعو إلى الإبهار مثل نظيرتها السابقة « مملكة طلوع القمر»، ولكن مع إعادة تقديم آندرسون لها، مضفيا عليها بعض جنونه وخيالاته المرئية، في مزيج رائع ما بين الصورة والحوار والحركة، يبدو الأمر هنا مختلفا تماما، ويستحق الرصد عن مقربة والكثير من التأني في التوصيف والملاحظة ..
القصة والمعالجة
هي حدوتة بداخل حدوتة، فمع ذهاب أحد الكتاب لقضاء العطلة في فندق متواضع عتيق، يصادف صاحبه غريب الأطوار وتنشأ بينهم علاقة مودة، تدعو الأخير للإفضاء إليه بسرد وقائع إمتلاكه لهذا الفندق، في الوقت ذاته تكون هذه هي الحدوتة التي مضى عليها زمن قبل أن يشرع الكاتب في سردها لنا ببداية الفيلم، وهكذا يروي لنا الكاتب ما حكاه له صاحب الفندق وقت عطلته.
والانطباع عادي عن الحكايتين، فالمعالجة تصل لدرجة من البساطة تضرها في النهاية، حتى مع نجاح أندرسون في نقلها إلى مستوى آخر من الطرح، فإنها في أوقات ما تشف عن فراغاتها، تبدو وكأنها تدور حول نفسها، لا تقدم جديدا، وبالتالي يبقى العبء وحده على رجاحة الأسلوب، الذي يطالب دوما بتقديم المزيد من التحايل والكثير من الألاعيب لكي يعيد المتفرج إلى ذات الحالة الفضولية التي بدأ بها المشاهدة، وهي المشكلة التي يقع فيها أندرسون في الأغلب مع النصف الثاني من أفلامه.
شاعرية أندرسون
هنا قد فرغنا للتحدث عن منبت السحر في فيلم «بودابست العظمى»، إنه التناغم الرائع الذي يعمد أندرسون الى توظيفه داخل ايقاع فيلمه، ليبدو كل شيء وكأنه يتحرك على تروسا منضبطة تضخ حيوية وتدفع بعملية التتابع في الشريط الفيلمي دفعا محسوبا ودقيقا. كاميرا أندرسون تشعر بوقع كلمات الحوار، وتتحرك وفقا لفاعليتها، في الوقت الذي تجاري الموسيقى كلا منهما، ليحدث التوازن الملحوظ طوال مدة عرض الفيلم بين العناصر الثلاثة (الصورة، الحوار، والموسيقى) مضافا إليها حتى حركة الممثلين، ووضع تثبيت الكاميرا في أوقات معينة على لقطة قد توحي بالكثير، هذا إلى جانب الديكور المبهر والألوان الدافئة الصارخة أحيانا والتي تُعمّق من أثر هذيان أندرسون وتلائم حالة ما يحدث كاملا.
بهذه الطريقة يتفنن أندرسون في خلق الإفيه، إفيه يحمل اسمه، يستولده من ممثلين شديدي الجدية، يتبدون أمام عدسته في قمة الهزل الباعث على البهجة رغم هيئتهم الرصينة، فالدور الذي يلعبه رالف فينس بهذا الفيلم لم يكن ليلعب مثله إلا أمام عدسة هذا المخرج على وجه الخصوص. فالكوميديا كانت عصبا أساسيا في فيلم أندرسون، كوميديا صامتة لا تعلن عن حالها، ولكنها في الوقت ذاته صارخة صاخبة الأثر، لكونها نتاج شغل العناصر السابق ذكرها معا، ففي لقطة بسيطة يقف فيها المستر غوستاف صاحب الفندق مع صبي الردهة الذي يعمل لديه (حينما كان الأول يسأل الثاني عن هويته)، يبدوان في تحايلهما الساذج وغرابة علاقتهما التي ـ لم تكن بدأت بعد ـ في صورة أقزام مكتنزين، ومع تقدم الأحداث بالفيلم تظل صورتهما في هذه اللقطة لا تفارق مخيلتك لكونها باتت أكثر وضوحا الآن، فهي أكبر اختزال لهذه العلاقة الغريبة الأطوار لشخصين يملكان من الطيبة والخبل والمنطقية والعبثية ما يؤهل كلا منهما لكي يتعلق بالآخر. شيئا فشيئا تتبدى شخصية غوستاف الحقيقية والبعيدة بعض الشيء عن تلك التي يرسمها لنفسه، فتجدها أقرب كثيرا من التي التقطها له أندرسون في اللقطة التي تحدثنا عنها.
على نفس المنوال تأتي الشخصيات الأخرى، والتي قد تلتزم الصمت بينما يبقي وجهها وتصرفاتها المغلفة بأناقة كاميرا أندرسون هي المعبرة عنها، مثل شخصية غوبلينغ « الشخص الذي يطارد غوستاف ويسعى لقتله»، فقد وضع أندرسون بكاميرته الكثير من العناوين لهذه الشخصية، فرض لها حضورا وهيبه تجليا في مشهد قتل المحامي، ومن بعده مشهد المطاردة الأخير فوق جبل الثلج، ففي المشهد الأول نجد الكاميرا ترصد قدم جوبلين في لقطة ضبابية وهو يطارد المحامي في المتحف، في كادرات عبقرية درجة ضبط الإضاءة فيها كانت سمائية خرافية من فرط جمالها، ومن ثم في مشهد الثلج تأتي نفس اللقطة المنخفضة تقريبا لجوبلين وهو يركب عجلة التزلج في طريقه للركض وراء غوستاف وزيرو.
ولكن نعود للنقطة ذاتها، شاعرية أندرسون لا تبقى صامدة كثيرا أمام فراغية المعالجة، فبالرغم من هذه الطريقة الأخاذة التي ينتهجها أندرسون، إلا أن الملل لا يلبث إلا أن يجد مكانا بين الحدث، ثمة شيء من الدسامة ينقص هذه الحبكة، عدم وجودها يؤثر بشدة في الشعور الشامل بحالة الفيلم كليا، على الرغم من أن هذه القاعدة ليست حتمية مع أفلام أخرى تقوم على مواضيع أكثر عبثية من مواضيع أندرسون، ولكنها لا تمتلك معها فراغات يتوجب عليها سد خانتها. فالمشكلة هنا ليست في نوعية ما يقدمه أندرسون، ولكن المعضلة الحقيقية هي اعتماده الكلي على اسلوبه وكفى.
آخر كلمتين:
ـ هذه الإطلالات المبهجة، لـ «تيلدا سوينتون»، «جود لو»، «أوين ويلسون»، و»إدوارد نورتون» ساهمت في رفع مؤشر تناغمية ما يقدمه أندرسون، وأوضحت اجتهاده في توظيف كيفية ظهور ومغيب كل منهم في صالح بريق الفيلم، وليس بريق النجم.
إسراء إمام