بورخيس في بيته: ببذلة كاملة وربطة عنق وغرفة تشبه زنزانة!
ماريو فارغاس يوساتقديم وترجمة: محمد الزلماطيبورخيس في بيته: ببذلة كاملة وربطة عنق وغرفة تشبه زنزانة!نقدم ـ هنا ـ مقالا للكاتب والروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا، من كتابه (نصف قرن مع بورخيس). وهو عبارة عن تجميع لمقالات ومحاضرات وتقارير.. . حسب تعبير يوسا نفسه في مقدمة الكتاب، كان كتبها عن بورخيس وأعماله وحياته: والمقال المترجم محاولة للاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية للكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس (1899ـ 1986) في بيته ووسط كتبه وضيوفه… وهو محرَّرٌ في حزيران (يونيو) 1981 في بوينيس ايريس، أي قبل وفاة بورخيس بسنوات قليلة.النص:كان بورخيس يعيش وسط العاصمة الأرجنتينية بوينس ايريس في شقة من غرفتين للنوم وقاعة صغيرة للجلوس والأكل، مع قطة تدعي بيبو (بسبب قطة اللورد بايرون) وخادمة تنحدر من منطقة سالتا تقوم بمهام المطبخ وبدور دليل الأعمي.الأثاث قليل و مبشور والرطوبة تركت هالات داكنة علي الجدران، وهناك ميزاب مباشرة فوق طاولة قاعة الأكل. ما زالت غرفة أمه، التي قضي معها معظم حياته، كما هي؛ حتي أن هناك فستانا ليلكيا ممدودا علي السرير، جاهزا لأن يلبس. ولكن المرأة كانت قد رحلت منذ سنوات عديدة. وإذا حدث وسألته عن الشخصيات التي طبعت حياته، فإنه يضعها علي رأس القائمة.غرفته تشبه زنزانة: زهيدة وضيقة، بسرير هش يشبه سرير طفل، رف صغير مزدحم بكتب أنغلوسكسونية، ومن الحيطان ذات الألوان الباهتة يبرز نمـر السيراميك الأزرق، ونخيل مرسوم علي الفستان، بالإضافة إلي وسام الشمس.أدرك الآن جيدا، لماذا كان النمر هو الحيوان البورخيسي بامتياز، الحيوان الذي يسكن بوفرة حكاياته وقصائده. ولكن ماذا يفعل هذا الوسام البيروفي هنا؟ يتعلق الأمر بموضوع عاطفي. إذ أن أحد أسلافه ـ الكولونيل سواريز ـ كان قد ناله منذ أزيد من قرن ونصف لمشاركته في معركة خونين ضد الإسبان. بعد ذلك ضاع الوسام أثناء تنقلات سلالته، وعندما حصل عليه بورخيس بدوره وتسلمه في ليما، بكت أمه وقالت بتأثر بالغ: ها هو يعود إلي مكانه داخل العائلة ، ولذلك كان الوسام معلَّقا تحت النمر المتعدد الألوان.لم تكن هناك كتب كثيرة في البيت، في بيته هو ـ إذ بالإضافة إلي تلك التي في الغرفة، هناك رفان اثنان يتقاطعان مع زاوية في باحة الأكل والجلوس: كتب أدب، وفلسفة وتاريخ ودين، في دزينة من اللغات المختلفة. لا جدوي من أن تبحث بينها عن كتاب لبورخيس أو عنه، ورغم أني أعرف جيدا جوابه، فقد سألته لماذا يبعد نفسه عن مكتبته: من أكون ـ أنا ـ كي أعاشر شكسبير أو شوبنهاور؟ ؛ وليس هناك كتاب عنه أيضا، فقط لأن الأمر لا يهمه . وهو لم يقرأ إلا الكتاب الأول الذي خصصاه له، في عام 1955، كل من مارسيال تامايو وأدولفو رويز دياز: (بورخيس، اللغز والمفتاح). قرأتُه لأن اللغز أعرفه وكنت متحمسا لمعرفة المفتاح ، هذا الكتاب لم يمنحه إياه.كان يلبس باعتدال مهذب، ويمكن الجزم بأنه كان يضع ربطة عنق ويرتدي بذلة كاملة بسترة حتي وإن لم يكن مقبلا علي الخروج من بيته. كان قد فقد بصره منذ ثلاثين سنة، ومنذ ذلك الحين أصبح يُقرأ له. شقيقته نورا هي التي تتكفـل بذلك، وكذا بعض أصدقائه. كان متسامحا جدا مع العدد الهائل من الصحافيين من كل أنحاء العالم، الراغبين في إجراء حوارات معه. كان يستقبلهم بتورياته وردوده السريعة الساخرة التي غالبا ما لا يفهمونها بشكل دقيق. وكمقابل لذلك يطلب أن تُقرأ عليه قصيدة لـ لوغـونيس أو قصة لـ كيبلينغ . كان بورخيس قد شرع في جمع تشكيل من العكازات بتواز مع ضعف بصره المستمر. كان لديه العديد منها. ومثل كتبه وحكاياته، فإنها كانت تأتي من بلدان مختلفة وغـريبة. أما تواضعه وعاداته الحسنة فكانت ذات مرجعية أدبية أكثر منها فضيلة. لقد كان علي دراية تامة بعبقـريته، رغم أن هذه الأشياء لا أهمية لها بتاتا بالنسبة لمتشكك مثله. إذ خلف نعومة العجوز ـ هذه ـ التي يستقبلك بها وهو يتلمس طريقه داخل شقته، يقف الصوفي الماكر. (يقول) أنا علي يقين بكون الترجمات التي قام بها نورمان توماس دي جيوفاني (1) هي أجود من الأصل، هو أيضا واثق من ذلك . والحقيقة أن الكثير من أحكامه غدت أكثر اعتدالا. لقد قال أخيرا أشياء حسنة عن بابلو نيرودا مثلا، بعد ما كان إلي عهد قريب، لا يعير أدني اعتبار لعمله، وهو يتذكر جميل الشاعر الشيلي في ستوكهولم، عندما سئل عمن يمكن أن تُمْنَحَهُ جائزة نوبل، فأجاب: لـ بورخيس . وفي هذا الصدد سألته عن السر في كون الأكاديميين السويديين لم يكلفوا أنفسهم عناء منحه الجائزة، فأجاب، كأنما عن صواب، لأن هؤلاء السادة يتقاسمون معي نفس الرأي حول أعمالي .ثم ذكرته بحوار كنت أجريته معه منذ عشرين سنة لفائدة الإذاعة والتلفزيون الفرنسي، وكنت سألته عن رأيه في السياسة فأجاب آنذاك: إنها واحدة من أشكال الضجر . سألته إن كان هذا الجواب ما زال قائما؟ أجاب بدلا من الضجر يمكن القول الآن أنها تثير التقزز . لم ينل رجال السياسة ـ أبدا ـ حظوته. كيف يمكن احترام كائنات تقضي حياتها في عقد اتفاقات والتراجع عنها؟ . وبالمقابل، فإن بورخيس كثيرا ما يدلي بتصريحات سياسية تثير زوابع احتجاج. فإلي وقت قريب كانت تصريحاته تثير أساسا غضب اليسار، ولكن في أيامنا هذه فإن اليمين هو الذي يرفع عقيرته عاليا بالصراخ. الصحف الأرجنتينية مليئة بمقالات احتجاج ضده، وتنعته بأنه مصاب بخرف الشيخوخة وباللاوطنية، لأنه تجرأ علي مساندة الشيلي في خلافها مع الأرجنتين حول قناة بيغل . ولأنه طالب العسكر بالانسحاب من الحكومة لأنكَ حتي وإن قضيت كل حياتك في حامية عسكرية وفي الاستعراضات فإن ذلك لا يمنحك القدرة علي الحكم . ولعل التصريح الأكثر إثارة قوله أن لا أحد من العسكريين الأرجنتينيين سبق له أبدا أن سمع أزيز رصاصة .؛ ولأن جنرالا أعطي نفسه كمثال لتفنيد أقوال بورخيس، فإن هذا الأخير رد مصححا: أعترف أن الجنرال (أونتيل) قد سمع، فعلا، صفير رصاصة .كان قد بلغ مكانة تجعله يقول ما يريد، وتجعل صوته مسموعا دون أن يتعرض للَومٍ أو توقيفٍ أو استهدافٍ بتفجير. قلت لبورخيس، رغم أني كنت أيضا متحيرا بشأن آرائه السياسية، التي كانت تتضمن مع ذلك شيئا ثابتا كنت أحترمه: هذا النقد اللاذع الموجه للقوميات من كل صنف. هل كان يصغي إلي؟ لدي انطباع أنه لا يكون مصغيا إلا عَرَضاً. إنه يتحدث لا إلي مخاطب محدَّدٍ: الشخصُ الذي من لحمٍ ودمٍ الذي يكون أمامه والذي يظهر له بالكاد مثل طيف، ولكنه يتحدث إلي مستمع مجرد ومتعدد ـ هو القارئ بالنسبة للذي يكتب ـ أما جليسه فهو مجرد ذريعة متجددة ومجهولة الإسم لهذا المونولوغ العالم والساحر الذي لا ينتهي، والذي يعتبره حديثا.هذا الخطاب الذي يصبح للحظات دراميا- إذ أن نبرة صوته تتكسر ومحياه ينقبض- يجعل المواضيع الأليفة لديه تطفو علي السطح: لغة الفيكينغ القديمة التي يواصل دراستها، وحكايات الشمال الإسكندنافي في القرن الثالث عشر، والتي ما زال الأيسلنديون يستطيعون قراءتها في لغتها الأصلية. ينبغي رؤية نظرته المخضَلَّة وهو يتحدث عن ريكيافيك … ويذكّرك بأنه كان فوضوياً سبنسرياً مثل والده، ولكنه أصبح علاوة علي ذلك، مسالما مثل غاندي أو برتراند راسل. ويشك في إمكانية الوصول، عندنا، إلي الفوضوية أو الديمقراطية، هل نستحقها؟ ويعتبر الحداثة أهم إضافة ثقافية قدمتها أمريكا اللاتينية. وفي الأرجنتين شيئان اثنان يشهدان لصالحها: طبقتها المتوسطة العريضة والهجرة التي كانت هدفا لها. ويستمر في الاعتقاد بأن كتاب تاريخ الأدب الأرجنتيني لريكاردو روخاس أكبر من كل الأدب الأرجنتيني، رغم أنه يُعْتَبَرُ جزءا من هذا الأدب .هناك بلدان اثنان كان يحب أن يتعرف عليهما: الصين والهند. وهو لا يخشي الموت، وبالعكس فهو مرتاح لفكرة الزوال الكلي. أن تكون لاغنوصيا يجعل فكرة الموت بسيطة واحتمال الفناء مستساغا، خصوصا في لحظات الضيق والإحباط.هذا المونولوغ الساحر يمتد وينحسر، يروح ويؤوب، راسما في غليان الموضوعات أشكالا كالنمر والمرآة اللذين استعملهما كثيرا وبأصالة نادرة، لدرجة نظن معها أنهما من أقربائه، وكذلك الأمر بالنسبة للمتاهة أيضا.يحاول بورخيس إقناع الجميع بكونه ترعرع في حي كريول (2) في باليرمو مع أطفـــال سيئــين، في زوايا الأزقة ووســـط أنغام المولينغا (3)، وهذا محــض ادعاء، ذلك أنه شَبَّ في مكتبة والـــده وتشبع بكتب إنكليزية. قرأ الكثير من الكتب ضمنها روايات قليلة إذ أنه كان يمقت الرواية، وكان كتَّابه المفضلون، أساساً، شعراء وباحثين أو قصاصين. ويعتبر كونراد واحدا من الروائيين القلائل الذين نجوا من محرقته.ماذا يكتب بورخيس الآن؟ قصيدة عن شاعر مغمور من النصف الجنوبي للكرة الأرضية ، أكيد أن هذا الشاعر المغمور ما هو إلا بورخيس نفسه. كلانا ـ أنا وهو ـ يعرف أنه يداري الحقيقة.وداعا بورخيس، كاتبا نابغة وعجوزا مخاتلا، وإذا كان مشاهير الكتاب يشيخون بشكل سيء، محفوفين بمتاعبهم الصغيرة والجميلة، فإنك قد حافظت علي هيئتك. أما هذه الفخاخ العالِمة والمشرقة التي تملأ قصصك، فإنك تمنحنا إياها الآن في حديثك، ونحن غالبا ما نقع في أحابيلها وبالغبطة ذاتها.هوامش:(1) ـ مترجم أمريكي، وصديق لبورخيس.(2) ـ الكر يول: هم أبناء المهاجرين الأوروبيين.(3) ـ المولينغا هي الشكل الأصلي لموسيقي التانغو. من كتاب : un demi – siٹcle avec Borges للكاتب البيروفي : Mario Vargas Llosaالصفحات : 33- 40.الصادر عن منشورات L’HERNE سنة 20040