في برلين، يكون الصقيع حافز رواد مهرجانها السينمائي للاعتصام داخل الصالات او الركض بين العروض، حيث يحرض الدفء حماسة الخصام حول السينما وعوالمها الباهرة.
في كان، الحكاية معكوسة، فحافة الكروازيت وامواج المتوسط وشمسه كفيلة بان تجعل ايام مهرجانها السينمائي اشبه بعطلة اسطورية، رداؤها البهرجة والفضول والتشاوف. بيد ان هذا كله اصبح خلال الاسبوع الاول الماضي مزريا وبائسا. انتقم الطقس من هذه الدورة بلا رحمة. المطر مدرار والشوارع فاضية. الكل تحصّن في القاعات، على غرار برلين… لكن هربا من البلل!!، وشاهدوا اول دفعة من خيارات المفوض العام تييري فريمو وفريقه، قسمت اراءهم بشكل
بيّن وحاد.
المدهش ان متحمسين اصروا على طوابيرهم وعنادهم السينمائي، اذ لا فرصة يجب اضاعتها، فالغيرة موسومة فوق الجباه والالسن والامزجة، ضد اولئك الذين فلحوا في مشاهدة فيلم قبلهم، وتجراوا على اعلان رايهم المتعجل
سلبا ام ايجابا. ففي مهرجان كان تبرز ظاهرة عجالة المواقف وبطرها بين كثيرين ممن لا يملكون اخلاق التريث في التفكير، ولو قليلا، بما شاهدوه.
هذه الامزجة، لم توفر الكثير من جهد قراءة منصفة لنص المخرج الهولندي الكس فان وارمردام الذي يحمل اسم بطله الرئيسي ‘بورغمن’، واثارت حفيظتهم القساوة التي ذكرتهم باشتغالات صاحب ‘الشريط الابيض’ (2009)، و’حب'(2012) النمسوي ميشائييل هانكه خصوصا في عمله الاستفزازي ‘العاب مرحة’ (1997) الذي تقاطع بحدّة مدهشة مع عمل وارمردام. فالدخلاء على عائلة متطامنة الافراد والطقوس واليوميات، يخلخلون نظاما اجتماعيا متوارثا.
يستهدفون في المقام الاول قوة اواصره وايمانه وتكافله واخلاقياته وطبقيته. في حالة هانكه، يرّهب الشابان المتبطران زوجا وزوجته وطفليهما، قبل ان يغرقا الجميع في بحيرة. كان هدفهما انهاء فكرة الامان الشخصي، ذلك ان الجدران العالية والابواب الموصدة وانظمة الانذار والحراسات والمراقبة لن تمنع الشياطين من اختراقها، ووصولهم الى قلب العائلة والتهامه والتعميد بدماء افراده. يلعب الشابان باحتمالات الرعب بمختلف اشكال وحشيته. لا رافة، فعلى الجميع ان يدفع الثمن كاملا. هم، في نظرهما، ‘اوساخ اجتماعية’ لا ترحم فئات
الجانب الاخر التي تعاني من الفاقة والعوز، فيما ترفل هي بثرائها وانانيتها.
هكذا حال الشخصية الرئيسية في ‘بورغمن’ (الممثل يان بايفويت) الذي نراه هاربا من جحر غابي، متنقلا عبر انفاق، محذرا عصابته للهروب باسرع وقت.
فزمن الهجوم ازف. مَنْ هؤلاء البشر؟ لا يجيب نص وارمردام بدقة ووضوح. هل هم طواطم خيالية
مسترجعة من حقب القرون الوسطى الاوروبية المليئة بالدم والتكفير، ام مصاصو دماء تتباهى بهم امم القارة العجوز على اعتبارهم وجها لموروث شعبي ضارب في القدم، ام غيلان بشرية مستولين من عجائب كتب مسامرات اوروبا ومعاجمها؟ في مفتتح الشريط نقرا الاتي:
‘هبطوا على الارض كي يعززوا صفوفهم’، فيزيد من الغموض والحيرة. اذن هم طائفة سحرية تحصّنت في الجحور منتظرة ساعة قيامها. وما صلوات القس وحركات التعميد التي يقوم بها في ابرشيته الخالية من المصلين، سوى ‘بركات كنسية’ تُطلق هجومه برفقة قرويين مسلحين على الدخلاء. الغريب ان مشاهد الهروب صورت وكانها حدثت في زمن ملّتبس. اذ ان ثيابهم عصرية، بيد ان محيطهم رعوي، متقشف. ينتشرون بسرعة بين الاجمات، انتظارا للاوامر.
عند حافة الغابة، يحدد ‘بورغمن’ الهدف: بيت عائلة مرفهة. يستعمر مساحته.
يغوي الزوجة الحسناء (الممثلة هايدويتش مينيس). يسحر اطفالها، ويمعن في اهانة الزوج
الشاب، ويزرع لوثة القتل في جسد المربية الشابة (الممثلة سارة هورت ديتلفسن).
يتحول ‘بورغمن’ المراوغ والداهية الى طرف خلاق، مسعاه الاول الحفاظ على الاطفال ـ الاحفاد ومساعدتهم على تعلم الحيل واطاعة الاوامر، قبل ان يذعن الى توسلات الزوجة ويقتل بعلها بالسم، مثلما يشرف لاحقا على
رمي جثتها في حفرة وسط حديقة المنزل الباذخ بعصريته. ان سلسلة الموت التي تلتف حول رقاب جميع الاشخاص الذين يقفون في طريق رحلتهم المجنونة، هي بيان لدعوة مدسوسة وغامضة النوازع من اجل بناء عالم جديد، دستوره الدم واللاانسانية والقانون البري. من هنا، نكتشف مغزى المشهد الختامي الذي نرى فيه
‘بورغمن’ وفريقه وهم يقودون، ما تبقى من العائلة المنكوبة، الى عمق الغابة.
في اشارة الى ان مجتمع الطوائف السرية اعلن عن ميثاق انتشاره واستعماريته. يقول المخرج وارمردام: ‘ في بورغمن سعيت الى تبيان ان الشر يتجسد عبر الحياة اليومية وتجلياتها.
يتلّبس ذلك الشر كيانات رجال ونساء عاديين، طبيعيين، مهذبين ممن يؤدون واجباتهم بفخر ومتعة، واهتمام لا يرحم بالتفاصيل’.
لئن فلح ‘بورغمن’ في سرقة نطفة العائلة الاوروبية الحداثية، ونقلها الى قلب مستعمرة خفية، في انتظار غزوات اخرى تقود الى النصر الكامل، يكون قانون مجتمع ما بعد الحروب اكثر قسوة في تبرير خطا خلط
تلك النطفة ومزج الذرية. في جديد صاحب ‘مابروشي'(1995) و’اتمنى'(2011) المخرج الياباني
كوري ـ ايدا هيروكازو ‘مثل اب، مثل ابن’، الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية، تنهار قيم شخصية، وتنبعث
اخرى بديلة. تثار اسئلة حاسمة حول الاصل والمنبت الشخصي، مقابل التربية والعِشرَة والبيئة الحاضنة. ماذا لو عرفت عائلة ما ان فلذة كبدها ليس ابنها البايولوجي؟ هل يُلفظ قسرا عن تاريخها وحنانها ويومياتها؟ هل يمكن
اعادة تاهيله مع عائلة جديدة، وما هي اضرار الانقلاب الكبير وعاهاته النفسية وانكساراتها التي لن تُصلح ابدا؟ لو افترضنا ان وعي الطفل المعني انصب على الافتتان بشخص الاب او الام البديلين، بعيدا عن حق
الذرية، فهل يسهل تتطبعه مع عالم جديد، وبيئة انقلبت اعرافها؟ فوق هذا كله، ما هي الكارثة التي تحيق بالوالدين، خصوصا الام التي شعرت ان رحمها تمت سرقته وخيانته؟.
هناك عشرات الاسئلة التي يطرحها الفيلم حول وجع جماعي في بلد عانى على مدى حقب طويلة من حروب واصطراعات، يتمت وشردت ملايين من البشر، وهو ما توكده والدة البطل ‘ريوتا نونوميا’ في قلب ازمته،
حينما تبلغه السلطات ان ابنه ‘كيتا’ ليس من صلبه! تقول الام بأسى: ‘تذكّر ان الحروب خلطت بين لقطاء وايتام واشباههم’، فيما يدعوه والده الى ‘الاحتكام الى نيّاته ودمه’. حدثت الجريمة على يد ممرضة، صحا ضميرها بعد ان بلغ الصبيان السادسة من العمر، فيما اعتبر القانون ان عودتهما الى جذورهما البيولوجية امر لا محالة منه، من دون الاخذ بالاعتبار حجم الانقلاب الكبير على جميع اطراف القضية.
يقابل المخرج هيروكازو بين طبقتين اجتماعيتين في يابان الالفية الثالثة:
‘ريوتا’ المنتمي الى النفوذ المالي والمحتد العالي الجودة، و’يوكاري سايكي’ المحصّن بالضواحي المتواضعة،
ودماثة العامل الدؤوب وقدرته الفائقة على حل المشاكل واشاعة الملاحة والحيوية بينه وزوجته و’ابنه’. الاول، كائن بلا عواطف، ميال الى التنظيم والعملاتية، ملقيا الرعاية البيتية على زوجته ‘ميدوري’ التي تتشكل بدورها كـ’بتول يابانية’ ترعى مصالح الاثنين من دون ان تتبرم او تشتكي. اما الثاني، فهو نموذج مطلق للحيوية والتلقائية. عاطفي، سريع الاندماج مع الاخرين، ديناميكي حينما يتعلق الامر بالفرح والجماعية. اما حلوله للاشياء فتتم بالشراكات، لذا نراه متعاونا الى حد مذهل مع زوجته في ادارة بيتهم ورعايته.
الحاسم لدى المخرج هيروكازو انه لا يدين او يتنمر على قدر عائلتين تشهدان عاصفة عاطفية، بل يُعقلن قبولهما الى قدر اعمى.
هنا تحدث المعجزة! ابن الاول يقع في وله العائلة الجديدة، وكانما النطفة التي ولدته تقوده بشكل طبيعي الى السريرة الصحيحة، بينما يعاني ابن الثاني من جفاف حياة ال ‘نونوميا’ وحيادية عواطفهما.
مشكلته انه مرتبط وجدانيا مع شقيقتيه الاخريين، الامر الذي يقوده في نهاية المطاف الى الهروب نحو ‘بيته الاصلي’. حينما تجتمع العائلتان امام بيت ‘ال سايكي’ يصبح من الطبيعي ان تندمجا، ايذانا بقبول قدر النطف التائهة.
اشاد هيروكازو فيلمه على مبدا سايكولوجي دقيق، لن يدفع بمشاهده الى التشكيك بحكايته او يرفض خطابها الاجتماعي. لذا، فان الفصول تتابع باقل قدر من التعقيد، تُذكر باشتغالات المعلّم ياساجيرو اوزو.
انها سيرورة الحياة عبر الكاميرا حيث لا رتوش او مؤثرات بصرية. بساطة الشريط، امدته بفضاء فني من امتاع هائل التاثير لمَنْ يبحثون عن قصص المفارقات الاجتماعية.
شريط ‘هيلي’ للمخرج المكسيكي امات اسكالانته الذي علّم نفسه السينما بعيدا عن ضجر الدراسة الاكاديمية، وصور اول اشرطته وهو في الخامسة عشرة من العمر، عانى من الاعراض النقدي بحجة ضخه الى كمية
غير معقولة من المشاهد العنيفة الذي تمادى في تصويرها من ضرب العصي واحراق الاعضاء التناسلية امام الكاميرا!، قبل ان يكتشف رواد مهرجان كان السينمائي ان زميله الدنماركي نيكولاس ويندينغ ريفن سار على طريقه ونافسه في جديده ‘الله وحده الذي يغفر’ الذي عرض في الاسبوع الثاني للمهرجان، وصبغ شاشة قصر السينما عند الكروازيت بوفرة من الدم والقتل والتصفيات.
فيلم ‘هيلي’ امتاز بجسارة تحامله على يوميات غليظة وشرسة لمدينة انشاتها فضائل شركة ‘جنرال موتورز’ الامريكية النافذة ومجمعها الصناعي الذي يعمل البطل الشاب بين مكائنه ومسؤوليه المستعدين للوم العمال وتهديد لقمة خبزتهم. انها عبودية حداثية لا شفقة فيها، حيث المال الراسمالي يولد الفاقة والجريمة وفساد الذمم. عليه، شدد اسكالانته على بيئة فيلمه، وصور جلّ فصوله في العراء والحقول والاطراف البرية للمدينة المفبركة، فهذه اشتملت على عنصرين: انها لا تخفي جور البشر على بعضهم البعض. ومن جهة اخرى، تعزز من وحشيتهم وعزلاتهم وامراضهم.
‘هيلي’ اشبه برّب عائلة. يكد في عمله. يكتم مهانات الاخرين. لا يعترض على صدود زوجته لرغباته الجنسية، حيث ان اثار الاجهاض الحديث لم تندمل بعد. يومياته لن تبتعد عن بوابة المصنع وباب بيته السقيم.
انهما النقطتان الوحيدتان في حياة مملة، فقدت جوهر وجودها ومنفعيتها. فالفقر حاكم بمصائرهم جميعا، والكلام عن رفاهية هو هراء، وتحقيق ثروة صغيرة تبعد العوز عنهم هو اشبه بمعجزة مستحيلة. ما يكون في متناولهم هي القسوة الاجتماعية، وريبة السطوة الحكومية وفاشيتها.
في الوقت الذي يجاهد البطل الشاب على التحكم بتوازن عائلته وامانها، تكون شقيقته اليافعة ‘استيلا’ في مرحلة متقدمة من عشق شاب مجند، يقنعها بالهروب من المدينة الكئيبة والزواج بها وتاسيس عائلة باسرع وقت. تنفيذا للمخطط وتامين مصاريفه، يسرق كمية معتبرة من الكوكايين على ان يبيعها لاحقا، بيد ان قادته الفاسدين يكونون في المرصاد لمغامرته وخيانته. في المشهد الافتتاحي البليغ، يختزل اسكالانته مزاج فيلمه، حين نرى راس معتقل وفوقه جزمة عسكرية في سيارة مسرعة بين شوارع خالية من البشر، قبل ان نشهد على شنق احدهم من فوق جسر. ان الدموية شرع اناس غامضين، نعرف لاحقا انهم حماة القانون وشرطته وجنوده.!
يمعن اسكالانته، على غرار شريطه السابق ‘اولاد الزنا'(2008) عن شابين ريفيين عاطلين عن العمل يرهبان سيدة وحيدة في منزلها، قبل تصفيتها، على تصوير التعذيب الرهيب الذي يتعرض له المجند الخائن، وعلى نحو اقل البطل الشاب. فمحنته تكمن في قراره الخطا، حينما ‘دمر’ كيسيّ الكوكايين، وجعل شقيقته، بذلك، ضحية عمليتي اختطاف واغتصاب من قبل افراد شرطة بذروا في رحمها روحا نجسة. ان البرية ووحشيتها تفتت العائلة.
يدخل عالم البطل الى نقطة سوداء لن تُغلق الا في انتقامه الدموي اللاحق من جار تواطا في تاجير منزله البائس حيث اسرت الصبية فيه.
يقول اسكالانته ان: ‘شخصياتي عانت من العنف، ووجدت نفسها تحت طائلة ازمة، حاولت ان اشارك فيها مشاهديّ الشريط’. المشكلة ان محنة ‘هيلي’ واسرته لم تُقنع نقاد كان وصحافييه، واعرضوا عن عنفه، رغم حصافة اتهاماته الموغلة بالغلاظة.
في المقابل، هناك محنة عائلية اخرى تحدث في قلب ‘المتروبولس’ الامريكي، تضمنتها باكورة المخرج الامريكي الشاب رايان كوغلر ‘محطة فروتفال’ (ضمن عروض خانة ‘نظرة ما’) التي استندت على وقائع
حقيقية، حدثت في محطة قطارات بمدينة سان فرانسيسكو ليلة راس سنة 2009، راح ضحيتها شاب مسالم، كان في المكان والزمان الخطاين.
تحولت حادثة تصفية الشاب الزنجي اوسكار 22 )عاما) على يد شرطي ابيض الى قضية راي عام، هددت الامن الاجتماعي الهش، اذ ان الرصاصة الغادرة التي اخترقت صدره، لم تكن سوى رعونة وقتل بدم بارد.
يسرد كوغلر حكايته بتدبر سينمائي ذي بصيرة سياسية، رغم طغيان نفس ميلودرامي غير مبرر على فصوله، تتساير مع ‘عقد اوباما’ الاجتماعي، وتستمد شجاعتها منه، معلنا موقف لا لبس في اتهامه اعوان القوة الصغيرة التي بادر احدهم الى تصفية الاب الشاب. نتابع، عبر مائة دقيقة، يوميات عائلية، وتفاصيل ايمان ديني عميق، واواصر صداقات وخيبات عمل، وجرائم صغيرة، ومحاولات شخصية لتامين لقمة كريمة، على خلفية خطاب
حزبي بطله رئيس اسود يسعى الى تقوية ‘الفة امة’.
لا يجعجع فيلم ‘محطة فروتفيل’ بخطاب ادانات متعجلة، بل يمرر بحنكة بيانا حول شرعية التكافل الانساني
وثقافته، باعتباره صمام الامان الوحيد بين اعراق الامة الكبيرة، اذ لا سبيل لافرادها سوى ان يتشاركوا بالمصير والتفاهم. السؤال البليغ الذي يطرحه نص كوغلر هو: هل قوة الدولة الحداثية حولت حماتها، من دون ان تدري، الى قتلة يتوارثون عنصريتهم، رغم انف القانون الذي يسعون الدفاع عنه؟