د. محي الدين عميمور
كنت مترددا في التعليق علي برنامج قناة العربية حول الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الي ان قرات في عدد الجمعة تعليقا للدكتور عماد عبد الرزق حول الامر، توقف فيه مطولا عند خطاب الرئيس التونسي الراحل في اريحا، وهو امر يحلو لكثيرين اثارته اليوم لمجرد ادانة مرحلة معينة من التاريخ العربي.
وانا اعتقد ان السيدة ميسون، ومع اعترافي بجهدها المتميز، شيدت تحليلها علي عمل فني سياسي غير متكامل، ومع اعترافي بما بُذل فيه من جهد، ولمجرد انه قزم الرئيس الحبيب بو رقيبة وقدمه كمجرد رئيس لتونس، ولم يلجأ في عمله الي الاستعانة بعشرات السياسيين الذين عرفوا الرئيس الراحل او تعاملوا معه، ولم يكن بالتالي من حق مُعد البرنامج تناول احداث عربية من زاوية واحدة بما يمكن ان يري فيه البعض كذبا بالحذف (وهو ما لا اتصور انه امر مقصود لذاته ولكن نتائجه يجب ان ترصد وتسجل). وكان المفروض ايضا ان يلجأ مُعدّ البرنامج الي مذكرات الجنرال شارل دو غول، وما ذكره عن الزعيم التونسي بالنسبة لبعض مواقفه في مطلع الستينيات، وخصوصا في قضية بنزرت، وهي ملحمة هامة في التاريخ التونسي المُعاصر.
وبداية لا بد من الاعتراف بان الرئيس الحبيب بورقيبة هو واحد من كبار رجالات هذا العصر الذين تمكنوا بذكائهم المتميز من الوصول الي مرتبة رئيس مدي الحياة (بقانون سُنّ خصيصا له) بعد ان تخلص تدريجيا من الشيخ الثعالبي مؤسس حزب الدستور (القديم) ثم من محمد الامين، باي تونس ثم، وبالتصفية الجسدية، من صالح بن يوسف، ثم من كل قيادات المقاومة التونسية، وتمكن بعبقرية خارقة للعادة من تحويل كل من تحمل رئاسة الوزراء الي كبش فداء ينقذ زعامته المنفردة، التي وضع لنفسه فيها لقب المجاهد الاكبر.
وسأركز في هذا الحديث علي قصة خطاب اريحا المشهور، لعل الذين يتصدون فيما بعد لتناوله يتعمقون اكثر في تحليل معطيات تلك الفترة بما يضع الامر في نصابه ويُعطي لكل ذي حق حقه.
والنقطة الاولي هي اعتبار مطالبة بورقيبة العرب بالاعتراف بتقسيم فلسطين سابقة شجاعة كان يُمكن ان تكفينا شرّ حروب تتواصل حتي اليوم.
والواقع يقول ان ذلك كان يمكن ان يكون صحيحا لو كان الرئيس بو رقيبة قد اخذ قبل ذلك عهدا علي الولايات المتحدة الامريكية لكي تفرض علي اسرائيل قبول اقتراحه، علي اساس ان واشنطن كانت الحليف الاول لاسرائيل. لكن الواقع يقول ايضا بان كل القيادات الامريكية كانت اكثر حرصا علي اسرائيل من بن غوريون وشاريت وبيغين وشامير مجتمعين، والي درجة ان تعليمات ايزنهاور لبوب آندرسون وهو يرسل به لترويض جمال عبد الناصر في منتصف الخمسينيات كانت عدم الالتزام بما يمكن ان يؤدي الي تنازل اسرائيلي عن الاراضي التي احتلتها خارج قرار التقسيم، ومن بينها النقب التي رفض بن غوريون وشاريت مجرد الحديث عنها.
وتقول الوثائق التاريخية ان اول من فكر في طرح الاعتراف بالقرارات الدولية المتعلقة بفلسطين، ومن بينها قرار التقسيم، كان وزير الخارجية المصرية الاسبق محمود فوزي، الذي اقنع الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1955 بتقديمه الي مُنظمي مؤتمر باندونغ، الذين كان بعضهم (وخصوصا اونو رئيس بورما آنذاك) يتفاعلون ايجابيا مع طلب اسرائيل للمشاركة في المؤتمر.
واعرب عبد الناصر يومها عن استعداده لقبول مشروع التقسيم كتابيا اذا قبلته اسرائيل كتابيا ايضا، وكان الرفض الاسرائيلي لهذا الطرح سببا في عزلتها عن العالم الثالث الي تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 عندما اسقط الرئيس انور السادات ما اقنعه به هنري كيسنجر من انه حاجز نفسي يكفي اسقاطه لتعرية اسرائيل واجبارها علي ردّ الحقوق العربية لاصحابها.
وكان ذلك بداية الانهيار النهائي للتضامن العربي الذي اوصلنا الي عصر التنازلات المُتتالية. وهكذا فان اعطاء فضل الحديث عن قبول قرار التقسيم للرئيس بو رقيبة هو تزوير للتاريخ، علما بان الرئيس التونسي لم يستشر احدا من اعضاء وفده في الامر، وبغض النظر عن تفاصيل حواره مع الرئيس عبد الناصر، والتي اشار اليها البرنامج عن حق، فلم يكن من حق عبد الناصر ان يفرض علي بورقيبة ما يجب ان يقوله للفلسطينيين.
لكن رغبة بو رقيبة في الخروج بموقف متفرد كان وراءها ضيق حقيقي من التفاعل العربي الهائل مع الرئيس عبد الناصر حتي علي الارض الفلسطينية (وهو ما اثار كثيرين في المغرب العربي من بينهم الرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد خلال زيارته لغزة في منتصف الستينيات، حيث قال للمتظاهرين الذين كانوا يهتفون للرئيس المصري بان كفاحهم هو وحده الذي يعيد لهم حقوقهم، ودفع الشاذلي ثمن ذلك اذ اعيد الي القاهرة في طائرة شحن). وليس سرّا ان بو رقيبة كان يشعر بقلق كبير من شعبية عبد الناصر، وبوجه خاص من علاقاته مع القيادة الجزائرية آنذاك بزعامة الرئيس احمد بن بله، بل ان الاستاذ محمد حسنين هيكل يورد تعبيرا متوترا للرئيس بو رقيبة قال فيه للرئيس عبد الناصر بسخط حقيقي: لماذا انت طويل وانا قصير؟.
وانا اصدق هذه الرواية لانني اعرف اننا، وبطلب تونسي، كنا نضع كرسيا في السيارة الرسمية المكشوفة ليصعد عليه بو رقيبة فيبدو اطول من الرئيس هواري بو مدين، وكنت الاحظ خلال زيارتنا الي تونس ان هناك عددا من الرجال الاشداء مهمتهم حمل الرئيس التونسي علي الاكتاف عند كل تجمع جماهيري.
لم يكن الرئيس التونسي اذن صادق النية وهو يدعو الفلسطينيين لقبول قرار التقسيم لان الامر كان مجرد انفعال ظرفي، لعل من بين اهدافه التشكيك في طروحات الرئيس عبد الناصر، ومن بين الادلة علي ذلك ان الرئيس التونسي لم يطالب باجتماع للجامعة العربية لتدارس الامر، ولم يطرح الامر علي مؤتمر للحزب الدستوري وفيه من المناضلين والخبراء من يمكنهم دراسته وتقديم المعطيات العملية حول تنفيذه. ولعلي، والامر يتعلق بتاكيد الطبيعة المندفعة للرئيس بورقيبة، اضيف امرا يتعلق بالوحدة التي عقدها مع العقيد معمر القذافي وعرفت بوحدة جربة، والتي كان موقف الرئيس الجزائري هواري بو مدين السلبي منها سببا في انهيارها قبل ان تعمّر اسبوعا واحدا، واختفي من الساحة السياسية الي الأبد مهندسها وزير الخارجية محمد المصمودي.
فقد قلت للرئيس بو مدين، وكنت آنذاك مستشاره الاعلامي، بان موقفنا من الوحدة سيعطي الفرصة لخصوم الجزائر لتاكيد ادعاءاتهم بان الجزائر تقف ضد الوحدة العربية.
وقال لي الرئيس الجزائري الراحل، وهو ما كتبته قبل سنوات، من ان الوحدة هي مثل الزواج، والمثل الشعبي يقول ان زواج ليلة يلزمه تفكير سنة، اما ما حدث في جربة، دون دراسة مسبقة او تحليل لاوضاع البلدين او استشارة لشعبيهما، فهو زواج متعة.
لكن هذا كله لا يمنع من القول بان الرئيس الحبيب بو رقيبة هو واحد من الذين وضعوا بصماتهم علي القرن الماضي، والمرفوض هو ان يقوم البعض بتزوير التاريخ ظنا بان ذلك تكريم للرجل الذي آمن بتونس اولا واخيرا.
وقد اعود للامر ثانية لاستكمال بعض الجوانب عن الزعيم التونسي الراحل. انطباعات عابرةاتابع بحجم كبير من الاستياء ما يدعو اليه البعض من ادانة للتعامل مع القنوات الاجنبية علي اساس انها قنوات تكرهنا ولا تريد لنا الخير، وهو قول اتصور انه يعبر عن موقف عبثي لا يعرف من امور الدنيا شيئا مذكورا.
فالتعامل مع الخارج لا ينطلق من حب او كره وانما من تكامل للمصالح يتفهم فيه كل طرف التزامات الطرف الآخر.
واتذكر هنا ان شخصية تعمل اليوم في مجال المجتمع المدني تحاورت عبر فضائية عربية متميزة مع من يُعطي لنفسه صفة معارض جزائري (وهو نفسه الذي استمعنا له مؤخرا عبر اكثر من قناة وآخرها مع دبلوماسي جزائري في حصة قلم رصاص للاعلامي الكبير حمدي قنديل، الذي كان يبدو عليه امتعاض كبير لان الدفاع كان اقل من مستوي الهجوم). اندفعت الشخصية الجزائرية في دفاع عن مواقف السلطة الجزائرية وتصرفت كمدفع رشاش كان همه ان يمنع الطرف الآخر من اعطاء وجهة نظره، والتي كان يُمكن هدمها بسهولة ويُسر بالمنطق والحجة.
وبعد ايام التقيت الشخصية الجزائرية فراحت تتفاخر بان كل من لقيتهم من المسؤولين الجزائريين اثنوا علي تدخلها، ولقيت في اليوم التالي سفير البلد الشقيق الذي يحتضن الفضائية فسألني قائلا: اريد ان اعرف هل الشخصية التي تكلمت في الفضائية في الاسبوع الماضي كانت تتحدث معنا هناك ام معكم هنا؟.
ولم اجب لانني اعرف ان جل المتحدثين في الفضائيات الاجنبية يوجهون حديثهم لمؤسسات جزائرية ولا يهمهم المستمع غير الجزائري، وهنا يكمن المشكل.
ہ وزير سابق وكاتب من الجزائر8