حكيم بالطيفة من المفارقات الغريبة العجيبة التي تدفعك قسرا وغصبا إلى قراءة النوايا السيئة قبل النوايا الحسنة في فحص الأمور هي أن ترى العالم بأسره من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ينتفض في هبّة رجل واحد لتهاوي أضرحةِ أولياء صالحين شمال مالي وبالكاد يحرك ساكنا حين يُصفّى ببشاعة مسلمون في بورما ويهجّرون بشكل ممنهج ومدروس.. الصمت.. من حكمة إلى نقمة أول من لفت انتباه العامة والخاصة إلى أن ما يحدث في بورما خطير ويستحق عناء التدقيق والتمحيص لم تكن منظمات إسلامية دولية ولئن تداركت أمرها لاحقا ولكن خجلاً و نزرًا، ولم تكن أيضا الحكومات الإسلامية التي وصلت إلى سدة الحكم بعد أن سالت على طريق توليها الكراسي دماءُ الشعوب.. فبعد أن صمّت الآذان والوجدان بشعاراتِ حقوق الإنسان يقول البعض إنها تغيبت يوم الامتحان والتزمت صمتا مطبقا ومخزيا في دليل هو الواحد بعد الألف على أن سياسات الدول وقودها المصالح ثم المصالح ولا تُـمليها الأخلاق.. لينقلب الصمت من حكمة إلى نقمة. حذر إعلامي أم تعتيم غربي؟ أول من تحدث عن بورما لم تكن أيضا وكالات الأنباء العالمية التي غالبا ما تدفع برنة تحذير حفظتها عن ظهر قلب قاعاتُ التحرير وبلون برتقالي أو أحمر قانٍ لبرقياتها الهامة جدا أو الخطيرة. وأمام شحّ المعلومات، ينتهج رؤساء التحرير في القنوات الإخبارية والصحف ذات المهنية العالية واجب الحذر والتريث، فما تتناقله صفحات الانترنت يصعب تصديقه لبشاعته خاصة في ظل غياب مراسلين محليين معتمدين نظرا لطبيعة النظام البورمي الذي يعتبر من بين الأكثر قمعا في العالم قبل أن يشهد انفتاحه الحديث.. في هذه الاثناء المضطهدون في بورما يزدادون.. وموقف الدول الغربية أبسط ما يقال عنه هو أنهُ مستكين وقد يذهب البعض إلى حد وصفه بالمريب. المنظمات الحقوقية الدولية أول من لفت انتباه العالم إلى مأساة مسلمي بورما لم تكن المنظمات الحقوقية الدولية والأشهر من بينها هي العفو الدولية التي أقرت بعد صمت طويل ببشاعة ما يحدث ضد الأقلية المسلمة في بورما ويلحّ السؤال: ‘لـــمَ تأخرت؟’ وهي التي كانت سبّاقة لتحميل المجتمع الدولي مسؤولياتهِ إن أضرب عن الطعام سياسي أو مسجون أو مسكين.. وهي التي عودتنا بـبيانات مدوية ومحذرة لا تعترف لا برئيس مدني أو عسكري ما إن هددت الانتهاكاتُ حقوق الانسان وأضرّت بكرامة الأشخاص والأقليات والشعوب.. بورما لا تقع على كوكب آخر أول من دق ناقوس الخطر وقال إن مسلمي بورما ‘يذبّحون وعلى النار يشوُون’ هي بضعة أصوات على صفحات شبكاتِ التواصل الإجتماعي، اعتمدت عنوة التهويل.. فنشرت أسطرا قليلة تستصرخ الهمم وتستنهض الغفاة وتستنجد بأولي الأمور لـ’ايقاف محرقة في شهر رمضان وقودها المسلمون’.. وحتى تقيم الدليل في عصرٍ فيه الصورةُ أفضل من مليون كلمة، نشرت مشاهد مثيرة للاشمئزاز لفظاعة ما تحمله من انتهاكات.. جثث محروقة نكّل بها وأخرى لأكلةٍ جدد لـلحوم البشر.. مشاهدُ مفزعة لا مثيل لها في عصرنا الحالي ومشكوك في صدقيتها مما يستدعي التثبت العاجل والتأكد سريعا من مدى صحة الخبر المنشور.. شبكات التواصل الاجتماعي هي التي ذكرت أيضا لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين وغير المؤمنين إلى أن بورما تقع في القارة الآسيوية ولا تقع في كوكب آخر وأن أفراد أقليتها المسلمة كائنات بشرية وليسوا كائنات فضائية.. بورما أو ميانمار.. ؟ بورما أو ميانمار سمّها كما شئت فمهما اختلفت تسمياتها لن يغيّـر الأمر من واقعها الشيء الكثير. هي التلميذ القاسي والعنيد الذي أعاد الغرب تأهيلهُ من جديد بسياسة العصا والجزرة.. عام 1998 قام المجلس العسكري في بورما بقيادة الجنرال اني وينب بتغيير إسم البلاد من ابورماب إلى اميانمارب كما غيّر أسماء عدد من المدن الكبرى من ذلك العاصمة ارانغونب التي تحولت إلى ايانغونب ومدينة اسم مدينة اكارينب إلى اكايينب قبل أن تُـبنى في 2005 مدينة جديدة تسمى انايابايداوبت لتصبح بعد ذلك بسنة واحدة العاصمة الإدارية للبلاد. فكان من السهل بالنسبة لكلِ من أعلن نفسه معارضا أو معاديا للنظام أن يكتفي بادئ ذي بدء باختبارعزمه انطلاقا من عدم اعتمادِ التسميات العسكرية المتبعة للمدن.. ولكن منذ إعادة تأهيل النظام دوليا بفضل الجهود الأمريكية الضاغطة تارة واللينة طورا، بدأ التوجّه رويدًا رويدًا لدى المجموعة الدولية نحو اعتماد التسميات الرسمية. ورغم اعتماد الأمم المتحدة بدورها رسميا إسم ميانمار في قاموسها إلا أن فرنسا مازالت تسميها ببورما وتسمي سفارتها بسفارة فرنسا لدى رانغون (كما تُـسمّى هذه المدينة أيضا سابقا). إعلاميا، صحيفة الفاينانشل تايمز تراجعت منذ شهر يناير الماضي عن موقفها وباتت تعتمد تسمية ‘ميانمار’ في الحين الذي تفضل فيه صحف دولية عريقة كـ’دير شبيغل الألمانية’ أو ‘الغارديان’ البريطانية أو ‘لوموند الفرنسية’ تسمية ‘بورما’. وبالنسبة للبعض تسمية بورما هي نتاج موروث استعماري بريطاني وبالنسبة للبعض الآخر تسمية ميانمار محدودة ولا تأخذ بعين الاعتبار الاقليات العراقية والدينية كأقلية الكاشين. أما بالنسبة للمُعارضة البورمية الرمز أونغ سان سوتشي التي عادت إلى الساحة السياسية، ‘ما بني على باطل فهو باطل’ وتغيير إسم البلاد تم بطريقة متعسّفة و’على عكس رغبة الشعب’، لذلك ‘بورما ستبقى دائما بورما والأمر غير قابل للنقاش’.. ما يهمنا هو أن بورما وعن جدارة هي من أكثر دول آسيا تنوعًا من الناحية العرقية والدينية. وأن هذه الأقلية وفق طريقة التعاطي معها إما أن تشكل مصدر قوة للبلاد أو مصدر ضعف. الأقلية المسلمة في بورما.. بلغ المد الإسلامي بورما في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن السابع ميلادي.. فجاء الرحّالة العرب بغرضِ التجارة ونشر تعاليم الدين الإسلامي ووجدوا مستقرا لهم هناك.. يبلغ عدد المسلمين في بورما وفق احصائيات رسمية حكومية أربعة في المائة فقط من التعداد الإجمالي للسكان في البلاد في الحين الذي تتحدث فيه مصادر أخرى من بينها تلك التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية إلى أن التعداد الحكومي غير لصيق بالواقع وأن السلطات تقلل من عدد أفراد الأقليات الدينية في مقابل الأغلبية البوذية وذلك في تقرير عن حرية الاعتقاد الدولي نشر منذ أكثر من ستّ سنوات.. وتعتقد مصادر أخرى غير رسمية وبشكل جازم أن النسبة الرسمية مغلوطة بشكل مبالغ فيه وترجحُ عدد المسلمين في بورما بنسبة فعلية تتراوح مابين خمسة عشر وعشرين في المائة من التعداد العام أي مابين تسعة ملايين وإثني عشر مليون مسلم من إجمالي عدد السكان الذي يفوق تعدادهم وفق تقديرات تعود إلى 2010 ستين مليون نسمة… وأيا كانت نسبة المسلمين فأن نصفهم موجودون في إقليم ‘أراكان ‘ أو ‘راخين’ وفق التسمية الحديثة، هذا الاقليم المتاخم لدولة بنغلاديش من الجزء الشمالي الغربي، وأيضا في العاصمة رانغون وينتمون إلى شعب روهينجيا أو طائفة الروهينغا.. وإلى يومنا الحاضر مازالت الآثار الإسلامية من مدارس مساجد منها صرحُ مسجد ‘بدر المقام’ المشهور جدا والموجود في أراكان شاهدًا على حقبة كانت فيها هذه المنطقة دولة مستقلة بعد أن وصلها المد الاسلامي في القرن السابع ميلادي ليتتالى على حكمها 48 ملكا مسلمًا على مدى أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن قبل أن تضمها بورما إليها فتعرف سنوات شداد تواصلت إلى يومنا هذا. باقي الأقلية المسلمة تعيش على شكل مجتمعات صغيرة في بورما من ذلك مسلمو رانغون المنحدرين من الهند أو مسلمو الصين المعرفون بـ’بانثاي’ الموجودون في مناطق الشمال مذ نزحوا إلى بورما بعد نجاتهم من موت محقق عقب سحق تمردهم على الأسرة الحاكمة في مقاطعة يونان أواخر القرن التاسع عشر. الروهينجيا: حاضر مثقل بالمعاناة تاريخها مثقل بالمعاناة.. هي إحدى أشهر الأقلياتِ المسلمة في بورما وأكثرها اِضطهادًا.. يعيش مسلمو الروهينجيا في إقليم أراكان أحدِ سبعة أقاليم تم تشكيلها بموجب دستور البلاد الصادر عام 1974 للأقليات العرقية. سنواتهم العجاف عرفوها خاصة بعد أن أصبحوا غرباء في ديارهم بموجب تعديل لقوانين الجنسية عام 1982 حرمهم من جنسيتهم فتحولوا بين عشية وضحاها إلى مهاجرين غير شرعيين في بلادهم. السلطات علّلت الأمر بدعوًى لا تستقيم، مفادها أن توّطن الروهينجيا في بورما كان بعد عام 1824 تاريخ دخول الاستعمار البريطاني إليها.. واستمرت الممارسات الممنهجة ضد الروهينجيا على مدى عقود مع محاولة طمس هويتهم الإسلامية وتهجيرهم من أراضيهم ومنعهم من دخول المدارس والجامعات وإغلاق أبواب الوظائف الحكومية أمامهم وسلب حقوقهم المدنية والإنسانية من ذلك تقييد الزواج في صفوفهم لتحديد نسلهم ومنعهم من التصويت في الانتخابات وممارسة أي نشاط سياسي. على مستوىً اجتماعي، يعاني مسلمو الروهينجيا من الخصاصة فقد مُـنعوا من العمل في مجال التجارة كما منعوا من تملك العقارات والأراضي ويقتصر عملهم على مجال الزراعة وتربية الماشية وكذلك تفعلُ نساؤهم إضافة إلى كونهنّ ربات بيوت إذ يشتغلن في الحقول لمساعدة أزواجهن الذين يعانون من الفقر والجهل. أما عن أصحاب المؤهلات العلمية من الروهينجيا فلا تسل، فهم قلّة قليلة… على الصعيد الديني، ورغم معرفتهم الضعيفة بالإسلام إلاّ أن الروهينجيا متمسكون بعقيدتهم.. ولا يخفي بعضهم قناعة بأن اضطهادهم يؤججهُ في جزء منه التطرف الديني الذي تشهدهُ عدة بلدان إسلامية، فعلى سبيل المثال تدمير طالبان أفغانستان تماثيل بوذا العملاقة في مدينة باميان عام 2001 أجّج نقمة البوذيين على المسلمين.. كيف لا وهم أيضا اقاتِلو البقرب فذبائحهم مازالت من الماشية في عيد الأضحى رغم ما قام به ‘الملك باينوانغ من منع الذبائح الحلال عام 1559 في أول ظهور علني للاضطهاد الديني في بورما. مأساة موغلة في القِـدم وجراحٌ لا تندملعلمنا التاريخ أن المآسي الكبرى لا تكون كذلك ما لم تكن موغلة في القِدم.. ومأسي التاريخ الكبيرة هي سلسلة معاناة سيدها الظلم وغذاؤها الصمت.. وتلك هي معضلة مسلمي بورما في الوقت الحاضر.. غير أن الأمور بالنسبة لهم بدأت تدريجيا تسوء وبشكل متسارع لاحقا منذ ضمّها عام 1784 من قبل الملك البورمي ‘بودا باي’ الذي بطش بهم وهدم معالمهم الإسلامية وشجع البوذيين على استهدافهم واستهداف علمائهم وومتلكاتهم. وتواصل الأمر تحت الاحتلال البريطاني بصورة بشعة أدت إلى مذبحة راح ضحيتها عشرات آلافِ المسلمين عام 1942 وتواصلت عمليات الاضطهاد على مر العقود إلى عام 1992. هجّـرت بورما آنذاك عشرات الآلاف من مسلمي الروهينجيا نحو بنغلاديش المجاورة وتواصلت حملات الطرد الجماعي لهم خارج البلاد. وقبلها بعام استعرت أعمالُ عنف ضدهم ففرّوا مكرهين إلى البلدان المجاورة خشية اضطهادهم.. ليعيد تاريخ الاضطهاد نفسه لاحقا في عاميْ 1997 وخاصة 2001 في صورة أكثر سوءًا إذ تعرضت الأقلية المسلمة لأعمال عنف في ‘سيتوي: عاصمة إقليم أراكان استهدفت البيوت والمساجد والعباد وألحقت بهم أضرار جسيمة على مرأى ومسمع النظام العسكري الذي ماطل في وضع حدا للمأساة. بورما 2012 : ‘صمتا أننا نقتل المسلمين’ أخر ما عرفته بورما من اضطهاد لأقليتها المسلمة بدأت أطواره في شهر حزيران يونيو 2012. صحيفة ‘ايراوادي’ البورمية وهي تحمل إسم أكبر وأهمّ نهرفي البلاد، يتدفق من الشمال عبر وسط بورما وطوله أكثر من ألفيْ كلم، تتحدث عن توتر طائفي فقط دون أن تشير إلى أسبابه ممّا أسفر وفق الصحيفة عن جرح خمسة أشخاص في العاشر من حزيران يونيو 2012 رغم انتشار كبير لقوات الأمن الأمر الذي دفع السلطات البورمية لاعلان حالة الطوارئ في عاصمة ولاية أراكان.. وتحدثت الصحيفة البورمية عن استهداف المسلمين في تاريخ السابع من يونيو حزيران لبوذيين خلال هجمات أوقعت سبعة قتلى على الأقل من البوذيين وذكرت الصحيفة أن هذه الحادثة تأتي أربعة أيام فقط من استهداف المئات من ‘البوذيين الأركانيين’ في هجومٍ مسلمين أركانيين متسببين بذلك في مقتل عشرة من الأقلية المسلمة.. ما لم تقله الرواية على أعمدة الصحيفة البورمية التي تتخذ من مدينة ‘شيانع ماي’ التايلاندية مقرا لها أن مئات المسلمين شُردوا بسبب أعمال العنف هذه التي شهدها الإقليم في شهر حزيران يونيو وبسبب بطش رجال الأمن وتسلّط البوذييين على المسلمين الذين سقطوا بالعشرات ضحية تجدد أعمال العنف في الإقليم. الصحيفة لم تذكر أيضا أن القتلى العشرة من الروهنجيا الذين قضوْا في الثالث من حزيران يونيو هم علماء مسلمون كانوا عائدين إلى ديارهم بعد آدائهم للعمرة فانهال عليهم البوذيون في الحافلة التي كانت تقلّهم وضربوهم بالعصي والسكاكين حتى الموت.. واتّهم البوذيون آنذاك المسلمين باغتصاب فتاة بوذية وقتلها في شهر أيار مايو، وعليه شنت قوات الأمن عمليات دهم وحملة اعتقالات في صفوف الأقلية المسلمة وتسببت في مقتل العشرات من الذين وصفتهم وسائل الإعلام المحلية في بداية الاحتجاجات ضد مقتل المعتمرين المسلمين بالإرهابيين والخونة. وتتهم منظمة العفو الدولية التي حققت في الأمر قوات الأمن البورمية وسكان أراكان البوذيين بشن هجمات على المسلمين وقتلهم وتدمير ممتلكاتهم. . وقال ابنجامين زواكيب الباحث في العفو الدولية إن اأغلب الحالات هجمات تستهدف الروهينجيا الذين تحمّلوا معظم العنف في شهر يونيو وما زالوا يتحملون القدر الأكبر من الانتهاكات التي تقوم بها قوات الأمن في الولاية’. كفى تعتيما وكفى صورا مفبركة!
وبين حاكم ولايةِ أراكان الذي يقول لوكالات الأنباء الدولية اليوم إن الوضع في الإقليم هادئ في تصريحات اعتبرها مراقبون ضحكا على الذقون، تمطرنا صفحات الويب والفايسبوك وتغاريد التويتر بكمّ مهول من الصور أبسطُ ما يقال عنها أنها كاذبة ومفبركة. تحمل هذه الصور في طياتها قساوة جُرم لم يرتكب بعد حقيقة في بورما ولكنهُ بات وشيكا.. ربما ودّ ناشروا هذه الصور الملفقة زلزلة صمت العالم وخاصة الحكومات الإسلامية والمنظمات الدولية لحقوق الانسان التي تأخرت كثير في كشف الحقيقة. ولئن نجح هؤلاء في مساعيهم نسبيا فقد آن الأوان لهم أن يكفّوا فالصور المفبركة لقتلى بالآلاف لن تخدم قضية الأقلية المسلمة في بورما مادامت كاذبة بل قد تزيدها سوءا وتفقدها أبسط مقوماتِ مصداقيتها.. هذه الصور تناقلها الآلاف من باب التعاطف ومن بينهم كتاب وصحافيون مرموقون ولم يتثبتوا من صحتها قبل إعادة نشرها وتناولها بالتدقيق والتحليل. من بين هذه الصور التي يمكن العثور عليها عبر أي محرك للبحث على الانترنت وعلى سبيل الذكر لا الحصر، تلك التي يُـلقي فيها رجل ذو بشرة سمراء ويرتدي لباسا أبيض، بجسد طفل نحو كومٍ من الجثث. هذه الصورة ليست من بورما كما قيل.. هي صورة التقطها الصحافي الفرنسي ‘أوليفيه لابان ماتاي’ لضحايا الزلزال الذي ضرب هايتي في ‘بور أو برانس’ بداية 2010 وتحصلت صورته هذه على جائزة أفضل صورة للصحافة العالمية منحتها له منظمة ‘وورلد براس’ المستقلة خلال مسابقتها السنوية.
صورة ثانية أصابت الكثيرين بالصدمة والهلع تلك التي تصوّر بوذيين بردائهم الأحمر يحملون كمامات ويتنقلون بين أكداس من الجثث شبه العارية المنثورة في حاوياتٍ يمينا ويسارا.. التوصيف المرافق للصورة المتناقلة منذ أسابيع على الانترنت يشير إلى ‘مجزرة ارتكبها بوذيون بحق المسلمين’. الأمر ليس كذلك أبدا فحقيقة الأمر أن هذه الصورة هي لرهبان بوذيين يجمّعون ضحايا الزلزال المدمّر الذي ضرب اقليم التبت في شهر نيسان أبريل 2010. صورة أخرى تشير إلى أن أكثر من ألف مسلم قتلوا في غضون يومين تم نشرها منتصف تموز يوليو 2012 وهي تصور أجسادا بشرية بالعشرات على مقربة من بحيرة أو نهر تنتشر فيه قواتٌ عسكرية.. هذه الصورة ليست من بورما. هذه الصورة تعود إلى عام 2004 وتمتلك وكالة رويترز حقوقها. وتم التقاطها في تايلاند وتظهر عملية اعتقال جماعي لا عملية قـتل لمئات التيلانديين بعد صداماتٍ مع رجال الأمن.. والقائمة فعلا تطول ورغم ذلك قد يرتقي ما يحدثُ في بورما اليوم فعلا إلى مستوى الابادة الجماعية. كل مقومات الإبادة الجماعيةرغم كل ما عانته الأقلية المسلمة في بورما من اضطهاد أسفر على مرّ التاريخ عن مقتل عدد مهول من أفرادها يطريقة مقصودة وممنهجة إلاّ أن لا منظمة الأمم المتحدة ولا حتى منظمات حقوق الانسان وصفت ما يحدث في بورما بالابادة الجماعية أو التصفية العرقية. تعذر هذا الوصف رغم أن كل مقومات مصطلح الابادة الجماعية الذي ظهر عام 1943 على يد المحامي البولندي اليهودي ‘رفاييل لمكين’ والذي جمع بين كلمة ‘جينوس’ اليونانية والتي تعني عرق أو قبيلة وكلمة ‘سايد’ اللاتينية التي تعني قتل، موجودة بشكل لا يدعو مجالا للشك. يتأكد هذا الطرح إذا ما علمنا أن الفقرة الثانية من ميثاق الامم المتحدة التي تبنت عام 1948 هذا المصطلح ليدخل حيز التنفيذ عام 1951 تعرّف الإبادة الجماعية بأنها ارتكاب أي من أعمال القتل والتهجير وتحديد النسل والإذاء الجسدي والنفسي والعقلي الجسيم بنية الإهلاك ولو جزئيا جماعة قومية أو عرقية أو دينية.. وتعتبر الإبادة الجماعية وفق خبراءِ القانون الدولي من أكبر الجرائم المرتكبة ضد الانسانية ومن أبشعها. فظاعة ما حدث وما يحدث ضدهم منذ عقود، دفع مسلمي أراكان إلى طلب الانفصال عن بورما أو بحكم ذاتي.. أمر غير مقبول البتة بالنسبة لحكومة بورما نظرا لموقع إقليم أركان الاستراتيجي المطل جنوبا على المحيط الهندي.. أمرٌغير مقبول أيضا لأنهُ يضع ‘اتحاد جمهورية ميانمار’ وفق تسمية العسكر أمام خطر التـفـتت نظرا للفسيفساءِ العرقية الخاصة التي تميز هذا ‘الاتحاد’. بورما: تلميذ الحريات الفاشل بورما هي التلميذ الفاشل جدا في مجال حقوق الإنسان وسيظل كذلك.. لن ينفع معه لا انذار ولا تهديد بالفصل الدولي.. فما عانته وتعانيه إلى اليوم الأقلية المسلمة خير دليل على ذلك.. وعلى صعيد آخر ما عانته زعيمة المعارضة البورمية ‘أونغ سان سو تشي’ مع أفراد حزبها كان كفيلا بتسليط الضوء على القمع الممنهج الذي يعتمده المجلس العسكري للحريات العامة ولحقوق الانسان في البلاد.. بورما استحقت عن جدارة علامة سبعة وهي الأخطر والأخيرة على مقياس الحريات المدنية والحقوق السياسية وهي المرتبة الأسوأ على الاطلاق قبل أن تتراجع إلى المرتبة السادسة وفق منظمة ‘الحرية في العالم’ بعد انخراطها عام 2012 في نهج اصلاحي أطلقت بموجبه سراح عدد من المعتقلين السياسيين المنتمين إلى الرابطة الوطنية للديمقراطية الفائزة بانتخابات 1990. فقد فهمت بورما أنه في خضم التغيرات الدولية من السهل أن تقلب المجموعة الدولية النظام العسكري رأسا على عقب وتطيح بهِ وفق أكثر من سيناريو قابل للتنفيذ بنجاح كبير. وعليه رفعت السلطات المدنية الجديدة خلفا للعسكر حجب مواقع الكترونية كثيرة على الانترنت منها موقع يوتيوب في بادرة حسن نية تجاه المجموعة الدولية. كما قام الرئيس البورمي المدني ‘ثين سين’ بدعوة النشطاء في المنفى إلى العودة إلى بلادهم.
وبعد أن كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد انخرطت في مسار تشديد العقوبات على بورما هاهي تُـظهر الكثير من اللين أمام بوادرعودة نظام شديد الاستبداد، كان سبب قلق منقطع النظير بالنسبة لواشنطن ولمنظمات حقوق الانسان، إلى طريق االرشادب وتأكد الأمر خاصة مع حل المجلس العسكري في أذار/مارس 2011. أمرٌ لاقى ترحيبا دوليا وسرّع لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بالمسؤولين البورميين االجددب. بورما ونهج الإصلاح المزعوم: ما بالطبع لا يتغيرباعت السلطات البورمية التي باتت تتواصل مع الإدارة الأمريكية بشكل مباشر وبعد قطيعة طويلة وضع الأقلية المسلمة في بورما على أنه إشكال لا دخل لها فيه، فسياستها المعلنة هي تساوي جميع المجموعات العرقية والدينية واللغوية في بورما رغم أن واقع الحال يدحض ذلك.. وكانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قد التقت في كمبوديا الرئيس البورمي ثين سين فيما سمحت الولايات المتحدة لشركاتها بالاستثمار في بورما.. وهو اللقاء الثاني بعد لقاء أول في كانون الأول/ديسمبر في بورما في سابقة من نوعها لأول وزير خارجية أميركي خلال أكثر من خمسين عاما. ولعل هذا اللقاء هو الذي أعطى السلطات البورمية القدرة على تجاوز المحظور ظنا منها أن واشنطن باتت في تحصيلها الحاصل.. ففي الوقت الذي تحدثت فيه الوزيرة الأمريكية عن اأعمال العنف الإثنية والطائفية الجارية التي تقوض التقدم الحاصل في اتجاه المصالحة الوطنية والاستقرار والسلام الدائم’، نشر الموقع الرسمي للرئاسة البورمية في اليوم نفسه تصريحات للرئيس اثين سينب حول أعمال العنف بين البوذيين والمسلمين التي اسفرت عن أكثر من 80 قتيلا في حزيران/يونيو في غرب البلاد.. وخرجت نبرة هذه التصريحات عن الدعوة إلى الهدوء التي أطلقها خلال الأزمة.. اثين سينب اعتبر اأن الحل الوحيد الممكن لأعضاء أقلية الروهينجيا هو تجميعهم في معسكراتٍ للاجئين أو طردهم من البلادب. ولعل هذا ما دعا عضويْ مجلس الشيوخ الأمريكي واسعيْ النفوذ جون ماكين وجو ليبرمان على التشديد على أن عقد صفقات مع شركة النفط البورمية من شأنه أن ايدفع بالديموقراطية في بورما إلى التراجع’. تتتتتتتتتلا تُـصالح سريعا ولا تعادي سريعا هذه أبسط دروس الديبلوماسية الدولية.. فإذا كان الغرب يعوّل على قيام ديمقراطية سريعة وسلمية في بورما وديمومتها فعليْـهِ ألاّ يبتسم لها سريعا.. وإن كانت واشنطن تعتقد أن بورما بمجلسها العسكري الخفيّ اليوم والذي أطبق مدة طويلة جدًا على أنفاس البلاد والعباد سينصاع بصفة تلقائية لدواعي الديمقراطية فهي موغلة في الخطأ. فمن الغير السهل أن تنتقل بورما من الديكتاتورية إلى الديمقراطية بعصًا سحرية.. فقد تغري مجلسها العسكري والمدني أرباحُ الاستثمارات الغربية الضخمة واستثماراتُ دول الجوار مع تفعيل مدنها الهادئة على الجمر وجهة سياحية وتغذية تطلعاتها كبلد منتج للذهب الأسود والخيرات الطبيعية بكميات كبيرة، إلا أن بورما لديها حساباتها الخاصة وتعرف كيف تتعامل مع الغرب الذي تعاملت معه سابقا كمستعمِر على مدى سنوات طويلة.. وبفضل تخفيف العقوبات، بات في استطاعة الشركات الأميركية، تحت اشراف واشنطن، الاستثمار في بورما، بما في ذلك في قطاعي الغاز والنفط. الأمر الذي حرك شكوك المعارضة البورمية أونغ سان سو تشي تجاه السلطات المدنية الجديدة وجعلها تشدد على ضرورة اعتماد الشفافية.. فتسليم السلطة إلى مدنين وإن كانت خطوة تُـثمّـن إلاّ أنها لا تعني أبدا قيام الديمقراطية.. فسجون بورما التي مازالت تعج بالمساجين السياسيين تشهدْ.. والمفرجُ عنهم الذين يعانون ويلات المضايقات الأمنية بدورهم يشهدون. تصريح بالقتل.. ما إن أعلنت بورما العليلة التي نخرتها الديكتاتورية كما ينخر السوس العظام، أنها ستتعافى وأنها ستستقيم، سارع إليها الغرب مزهوا بباقة الورود وخفّف عقوباته المفروضة عليها في انتظار أن يرفعها كليا وحث مستثمريه ومستثمري دول الجوار الآسياوي إلى الاستثمار فيها بعد عودة ‘الإبن الضال’ إلى رحبِ المجموعة الدولية.. انفتاح واشنطن لا تفهمهُ الديكتاتورية البورمية العميقة على أنه يد ممدودة للديمقراطية والسلام بل بطاقة بيضاء أو إشارة خضراء تجيز استهداف الأقلية المسلمة وقتلها وتهجيرها في أيّ زمان ومكان.. فهكذا يفعل الجاهل بمجال السياسية الخارجية بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، الأمر الذي قد يعجّل يوما بتهاوي النظام.. وهكذا تقرأ بورما على وجه الخطأ ‘الاشارات الأمريكية المطمئنة’ قناعتها في ذلك أن واشنطن لن تغامر بمعاداتها مرة أخرى بعد أن استعصى عليها ولسنوات طوال إرضاؤها.. لكنها على خطأ.. في هذه الأثناء.. قد يدفع الرئيس الأمريكي باراك أوباما والديمقراطيون عامة آجلا أوعاجلا ثمنا باهظا لدعم الإدارة الأمريكية غير المتأني مسار رفع العقوبات نهائيا وتدريجيا إذا ما تمادت بورما في تصفية أقليتها المسلمة. وقد يُحدث هذا الأمر ثغرات سيستغلها حتما الجمهوريون، خاصة وأن الناخب الأمريكي على يقين من أن رفع العقوبات المبكّر يعطي إشارة سلبية جدا للحكومة البورمية التي ستتمادى في مصادرة الحريات والحقوق الأساسية وفي طغيانها ضد أقلياتها المختلفة وليست فقط المسلمة منها.. دار لقمان على حالها الغرب يقف أمام اختبار سيء سينتهي حتما به إلى الفشل.. وخير دليل على خيبة المسعى الأمريكي تحديدا المقال الذي نشرته صحيفة ‘ذا الديبلومات’، الأسترالية الأسبوعية الصادرة باللغة الانكليزية، لــ’زاو ناي أونغ’ رئيس منظمة المدافعين عن استقلال بورما ومقرها لندن من أن المجلس العسكري الذي مازال مسيطرا في بورما لا يقبل إلى اليوم اختلاف الرأي، فقد عمد إلى محاكمة ثلاثة عسكرين تابعين لسلاح الجو والحكم على أحدهم وهو ‘زان لين دوي’ بعشرين عاما سجنا في حين حكم على الاثنين الآخريْن بسبعة أعوام سجنا على خلفية تطرقهم في شهر نيسان أبريل الماضي في مدوناتهم للصعوبات التي تعاني منها المؤسسة العسكرية بشكل عام. دليل آخر على أن ‘دار لقمان’ على حالها هو أن ميزانية الدفاع التي أقرها المدنيون الحاكمون ‘شكليا’ في بورما بالنسبة لــ 2012 و2013، لا تختلف كثيرا عن سابقاتها، تلك التي أقرها العسكر من قبلهم في السنوات الماضية.. وحتى وان أبقى الغرب على حظر الأسلحة على بورما إلا أنه بات يوفر لها مصادر دخل بديلة.. ولكن للغرب أسرارهُ ولواشطن تحديدا أساليبها في انتهاج سياساتٍ مختلفة علنية وسرية تستبدلها متى شاءت إذا ما تفجر اطارعجلتها الديبلوماسية بعجلة عسكرية تنتظرعلى أهبة الاستعداد في المرآب أو على مدرج طائراتها العسكرية. الحكومات العربية والاسلامية: ‘يتعذر الحصول على مخاطبكم في الوقت الحالي’ الحكومات العربية والاسلامية التي قامت بتشغيل جهاز استقبال الرسائل يصعبُ الاتصال بها في الوقت الحالي.. فأولوياتها لعلّها على قدر من الأهمية بحيث تضاهي أو تفوق التصفية البشرية التي تتعرض لها الأقلية المسلمة البورمية.. وعلى كل فإن صمتها المدوّي حتى بعد ما سمّي بالثورات العربية يفتح واسعا باب التأويلات والتساؤلات بشكل قد لا ينصفها وهذا أمر تعودت عليه. ومهما يكن من أمر فعلى عاتقها تقع المسؤولية السياسية والإنسانية والدينية الأكبر.. وعليها تعوّل الأقلية المسلمة التي تصرخ اليوم وتستنجد في مواجهة كل ما تتعرض له من أبشع أنواع القتل والبطش والتنكيل والتهجير.. فهل من منقذ أو نصير؟ فلهذه الحكومات القدرة اليوم، ما إذا كانت لديها الإرادة الحقيقة، لتدويل الأزمة بشكل سريع والتعجيل بطلب لجنة تحقيق دولية أممية تقاضي المجرمين وتحمى المسلمين في بورما من التصفية العرقية بالتوازي مع اطلاق مسار سياسي دولي يعيد للمسلم البورمي من الروهينجيا كرامتهُ وحقوق الوطنية المسلوبة خاصة وأن طالبان باكستان دخلت على الخط وباتت تعرض البديل وتهدد بمهاجمة بورما انتقاما لأقلية الروهينيجيا المسلمة.. الرسالة واضحة وهي الآن في جهاز استقبال الرسائل الاسلامي والعربي.. فيا ترى.. هل من مجيب.. ؟ في أمور السياسة تشاؤمي هو دائما المُصيب. كاتب صحفي مقدم نشرات أخبار وبرامج على فرانس 24 العربية