من جنوب لندن حادثة هزت الرأي العام البريطاني والعالمي. إنه ومن جديد الشخصية البريطانية «المثيرة للجدل» بوريس جونسون.
هو لحد الآن المرشح الأقوى لخلافة تيريزا ماي على مقعد رئاسة الوزراء، ولكنه لم يكن الأقوى في معركته مع شريكته، التي ترك زوجته لأجلها.
معركة من النوع الثقيل: تكسير صحون، صراخ، سباب، وطرد من المنزل.
لقد حاولت صديقته الشابة، التي يكبرها بـ24 سنة، إخراجه من الشقة، بعد أن سكب النبيذ الأحمر على سجادتها وأريكتها. سمع الجيران أصواتاً ملعلعة وصلت إلى الشارع.
دق أحد الجيران باب الشقة، التي يتعالى منها الضجيج، ليتأكد من سلامة الشريكين الغاضبين، ولكن لم يفتح له أحد، فاتصل بالشرطة.
لم تمر هذه الحادثة مرور الكرام. فقد سجل أحد الجيران «الخبثاء» تلك المشادة الكلامية وأرسلها إلى جريدة «الغارديان» البريطانية فانفضحت حقائق كانت مستورة عن شخصية جونسون للرأي العام البريطاني والعالمي. واحتلت أخبار الحادثة عناوين الصحف البريطانية والعالمية وتداولتها معظم القنوات، التي ركزت، بشكل خاص، على قول صديقته في عز المعركة البيتية: «أنت لا تهتم بأي شيء لأنك مدلل. ليس لديك أي اهتمام بالمال أو أي شيء».
والمصيبة أن هذا «المدلل» ينوي قيادة بلد مثل بريطانيا في ظرف استثنائي!
بعد هذه الفضيحة، التي تعتبر من العيار الثقيل، يواجه الرجل أسئلة جدية حول مدى صلاحيته لتولي رئاسة مجلس الوزراء في عز أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وبالطبع، تجاهل أنصاره التقارير الإعلامية والنقد اللاذع، الذي لحق به إثر الحادثة، بل برروا فعلته. ولكن الإعلام المرئي والمكتوب لم يكن له شغل شاغل سوى قصته ومدى تأثيرها على مركزه السياسي. إن شخصية جونسون العصبية، التي اتضحت معالمها أكثر بعد المعركة المنزلية لم تفاجئ الكثيرين من زملائه.
فقد قال المتحدث باسم حزب العمال كير ستارمر: «هل كان هناك رجل أقل ملاءمة ليكون رئيس وزراء بريطانيا؟».
حاول جونسون التغاضي عن الأسئلة المتكررة والمتعلقة باستدعاء الشرطة إلى منزله، محاولاً التركيز فقط على الدور، الذي سيؤديه عند انتخابه، مؤكداً أن الشعب يريد فقط معرفة خططه المتعلقة بإدارة البلاد والحزب والتأكد إن كان لديه التصميم والشجاعة للوفاء بالوعود التي قدمها.
لكن يبقى السؤال الكبير: هل يستطيع رجل لا يستطيع التحكم بأعصابه، فتجتاحه نوبات هستيرية تصل حد تكسير الصحون في بيت صديقته، وليس بيته، ويتحول صوته الغاضب إلى هدير يخترق جدران الجيران، ويرعد في أرجاء المنطقة، أن يحكم بلداً مثل بريطانيا في هذه الفترة العصيبة بالذات، التي تحتاج إلى قرارات حكيمة ومتوازنة تخرج البلد من عنق بريكست؟
كيف يدير رجل بهذه المواصفات بلداً يمر بواحدة من أشد أزماته منذ الحرب العالمية الثانية؟
يبدو أننا في زمن الجنون، وكلما زاد هيجان الأشخاص، زادت فرصهم في ركوب أعلى الأمواج ودفع دفة السفينة نحو المجهول… ولكن إلى أين؟
هل نزح اللاجئون السوريون ترفاً إلى لبنان؟
في سياق الحملة الإعلامية، التي أطلقها كتاب وباحثون لبنانيون تنديداً بخطاب الكراهية والعنصرية، الذي أفرزته تصريحات بعض السياسيين في لبنان ضد اللاجئين السوريين، تداول ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلاً مصوراً – غير محدد التاريخ – للإعلامي اللبناني المعروف بقربه من النظام السوري جورج قرداحي، يدلي فيه بتصريحات فاجأت الجميع.
لم يتوقع أحد أن يذهب قرداحي في تصريحاته إلى الربط بين عودة اللاجئين إلى سوريا والإدلاء بأصواتهم لمصلحة بشار الأسد، فالأخير لم يعلن ترشحه لفترة رئاسية جديدة بعد!
يقول قرداحي: «بالنسبة لتعقيد مسألة عودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، يمكن أن «يستخدمونهم» – لم يحدد قرداحي من هم – في الانتخابات الرئاسية المقبلة. ولكن في النتيجة سوف يخيب ظنهم. وقد كانت الانتخابات الأخيرة خير مثال على ذلك».
هل فهمتم شيئاً؟ المشكلة ليست في عدم نصب «أن» للمضارع في جملته الأخيرة وتكسير القواعد العربية واستخدام فعل غير مناسب للسياق في الجملة المهزوزة أساساً، بل في تنصيبه لنفسه ناطقاً باسم النظام السوري، وقلب الكثير من الحقائق أو التغاضي عنها!
يكمل قرداحي بإصرار: «تذكرون جيداً كيف أقبل السوريون على السفارة السورية في لبنان بالآلاف واحتشدوا أمام صناديق الاقتراع لمنح أصواتهم إلى الرئيس بشار الأسد. وقد فاجأ تصرفهم الجميع في لبنان وغير لبنان.
وأضاف لا فض فوه: «هؤلاء النازحون وأياً كانوا وأياً كانت توجهاتهم وانتماءاتهم وأياً كانت مشاعرهم والظروف التي أدت بهم إلى الخروج من أرضهم هم أبناء سورية، وإذا كان بينهم من أخطأ في التقدير أو في السلوك، عنده أم هي سوريا. والأم تسامح. القيادة السورية تعتبر أن جميع السوريين، الذين نزحوا أو اضطروا إلى النزوح هم أبناء سوريا، ومكانهم في حضن الوطن في سوريا، وليس في لبنان أو تركيا أو الأردن».
ما يثير العجب في تصريحات الإعلامي اللبناني أنه لمّح لفكرة انتخاب بشار الأسد، الذي ورث السلطة عن أبيه في العام 2000 لولاية جديدة، مع إننا لم نسمع مثل هذا الكلام من المعني نفسه! مرة أخرى، هل صار ناطقاً رسمياً باسم بشار الأسد من دون أن ندري؟
يتناسى القرداحي، واضعاً ضميره المهني والإنساني في الثلاجة، أن آلاف السوريين واللبنانيين قضوا في المعتقلات من دون محاكمات أثناء حكم الأسدين، وأن مئات ماتوا حرقاً بالكيماوي والبراميل المتفجرة!
كيف يكون حضن الوطن «هو الملاذ»، ومعظم الذين عادوا مؤخراً خضعوا لاستجوابات طويلة وفقاً لصحيفة «واشنطن بوست» وتقارير المنظمات الدولية، ناهيك عن إلحاق الشباب بالخدمة الإلزامية وزجهم في معارك لا علاقة لها بالوطن.
هل سأل قرداحي نفسه لماذا اختار هؤلاء الناس النزوح أساسأ؟ هل اختاروا أن يتركوا أرضهم ترفاً، ألم يكن الرصاص يطاردهم وهم في مظاهرات سلمية تطالب بالحرية، ألم تكن البراميل المتفجرة تتساقط على بيوتهم ورؤوسهم كحجارة السجيل، وذلك فقط لأنهم اختاروا أن لا يكونوا في صف النظام الذي يحكمهم منذ 50 عاماً؟ ترى هل فكر الإعلامي «الإنساني» أين سيقيم هؤلاء اللاجئون لو عادوا؟ في أي بيئة سياسية واجتماعية سيعيشون؟ وماذا عن بيوتهم المدمرة، وما هي شروط حمايتهم؟ ومن الذي يضمن حقهم في عدم المساءلة؟ هل تتوفر لهم حين عودتهم أبسط الشروط، التي تضمن لحياتهم شيئاً من الكرامة والمعنى؟
ولكن ماذا يمكن أن نقول لجورج قرداحي، الذي لم ير في سوريةاما يستحق الحراك ضد «صديقه» بشار الأسد، بل أكثر من ذلك رأى فيه الشخصية الأبرز في العالم العربي لعام 2018 نظراً لصموده «البطولي» في مواجهة الحرب الكونية على سورية؟
٭ كاتبة لبنانية