■ شَعَرَ الشاعر الروسي الكبير بآلام رهيبة في بطنه فجأة، فقد أصابته رصاصة غريمه منهية كل شيء. ولكنه لم يكن من النوع الذي يدع ذلك يثنيه عن عزمه للانتقام من غريمه، والدفاع عن كرامته، فاستجمع ما تبقى من قواه ووجه مسدسه نحو غريمه مطلقا رصاصة يائسة أخطأت هدفها، إذ أصيب غريمه أصابة طفيفة في يده اليمنى. وسقط الشاعر الروسي لتنتهي المبارزة بخسارته، وتلت ذلك خسارته لحياته بعد يومين. لم يكن ذلك الشاعر سوى أليكزاندر بوشكين الذي يعتبر أعظم شخصية أدبية في تاريخ روسيا، والذي أثار مقتله ضجة سياسية وأدبية في روسيا.
من هو بوشكين؟
ولد أليكزاندر بوشكين عام 1799 في موسكو لأسرة روسية أرستقراطية ثرية. ولم يكن من أصول روسية تماما، حيث كان جد والدته، الذي كان قائدا عسكريا مرموقا لدى القيصر بطرس الأكبر، من افريقيا. وحسب تقاليد ذلك العصر عاش بوشكين في بيئة فرنسية تماما، حيث تكلم الفرنسية مع والديه وكان مدرسوه فرنسيين. ولكن والديه خصصا له مربية روسية ممتازة أحاطته بالرعاية اللازمة، وسحرته بالقصص الشعبية الروسية، ولذلك عشق بوشكين الطفل الخيال الأدبي واللغة الروسية. وبذلك ترعرع في جو متعدد اللغات، وأصبح ضليعا في عدة لغات، حتى قيل إنه تكلم عشر لغات. وبرز في عالم الأدب، سنوات المراهقة، حيث أخذ يكتب في جميع الميادين الأدبية، سواء أكان ذلك شعرا أو قصصا خيالية أو مسرحيات أو روايات، وأصبح الفتى الذي يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب في عالم الأدب.
كان بوشكين قصير القامة، عديم الوسامة، ولكن هذه لم تكن مشكلته الحقيقية، بل طبعه الغريب الذي تميز بسرعة غضبه إلى درجة متطرفة بشكل غير متوقع. وعلى الرغم من علاقاته النسائية العديدة، فإن عدم الحصول على فتاة أرادها، كان كفيلا ببدء معركة مهما كانت عواقبها، فمثلا عندما كان في سن السابعة عشرة، اتهَمَ في إحدى الحفلات الراقصة عمه بسرقة فتاة منه، وتحداه بمبارزة بالمسدسات، ولولا تدخل الأصدقاء لانتهى الأمر بما لا تحمد عقباه.
دخل بوشكين كذلك في عالم الأدب السياسي، معارضا لسياسة قيصر روسيا نيكولاس الأول، ما عرضه للمراقبة الدقيقة من قبل أجهزة الأمن الروسية حتى أمر القيصر الروسي بإرساله إلى المنفى عام 1820، ما أدى إلى انعزال بوشكين عن المجتمع الروسي لعدة السنوات، فانكب على العمل الأدبي بكل حماس، ما جعل تلك الفترة الأكثر إنتاجا في حياته. ومع ذلك، فإنه لم يكن بمفرده تماما طوال الفترة، حيث صاحبته مربيته الروسية طوال الوقت. وفي الواقع أن ما أنقذ بوشكين هنا كان تربعه عرش الأدب الروسي وخلفيته العائلية، فأي شخص آخر يُغضب السلطات الروسية آنذاك بهذا الشكل ينتهي به المطاف في أحد معسكرات الاعتقال في سيبيريا لسنوات طويلة. والمفارقة هي أنه أثناء فترة نفيه وقع تمرد الضباط الديسمبريين عام 1825 ضد القيصر، واكتشفت السلطات الأمنية تأثر المتمردين بكتاباته، ما أثار غضب المسؤولين تجاهه، ولكن عدم وجود أي علاقة للشاعر الكبير بالمتمردين سرعان ما خفف من فداحة الأمر، وسمح القيصر له بالعودة إلى سانت بيترسبورغ في نهاية المطاف. وهناك عاش الشاعر الكبير حياة صاخبة تميزت بالإنتاج الأدبي والحفلات الصاخبة، والمبارزات، إذ جعلته تصرفاته المتهورة، وعدم تقيده بأي حدود اجتماعية، هدفا لتحدي الآخرين له، وكان أحيانا هو من يقوم بالتحدي. وكانت له مشكلة أخرى ميزت الكثيرين من الأدباء الروس، ألا وهي المقامرة، التي سببت له الكثير من الديون التي صاحبته حتى وفاته.
على الرغم من حياة بوشكين الغريبة وعلاقاته النسائية العديدة، فإنه افتتن بفتاة في السادسة عشرة تدعى ناتاليا وكانت تعد أجمل فتيات المجتمع الراقي.
أصبح واضحا أن بوشكين كان قنبلة موقوتة، فحياة من هذا النوع كانت ستنتهي لا محالة بشكل مأساوي، إلا أذا حالفه حظ غير عادي. وعلى الرغم من عودته وشهرته الكبيرة، فإن علاقته بقيصر روسيا كانت سيئة، حيث بقيت الدولة الروسية تنظر إليه بعين الشك بسبب مواقفه الفكرية.
زواج بوشكين
على الرغم من حياة بوشكين الغريبة وعلاقاته النسائية العديدة، فإنه افتتن بفتاة في السادسة عشرة تدعى ناتاليا وكانت تعد أجمل فتيات المجتمع الراقي. والظاهر أن ولع بوشكين بها أخفى عنه ميلها إلى تقبل محاولات الرجال للتغزل بها، ولذلك، فقد كان عدد المعجبين بها كبيرا، وكان منهم القيصر نفسه الذي كان ابن القيصر الذي نفى بوشكين. تزوج بوشكين ناتاليا عام 1830، ولكن سمعة الزوجة أخذت تلاحقها وتؤرق بوشكين. ومما زاد الطين بلة أن القيصر الروسي منح بوشكين عن قصد أدنى رتبة أرستقراطية، ما أعطاه الحق في حضور حفلات القيصر، فغضب بوشكين معتقدا أن القيصر قام بذلك لسبب واحد، وهو كي تستطيع زوجته ناتاليا حضور الحفلات التي كانت تقام في قصر الامبراطور، وبالتالي يستطيع الامبراطور اللقاء بها. ويعتقد المؤرخون بشكل جدي أن ظن بوشكين كان في محله.
وفي هذه الأثناء ظهرت شخصية مثيرة للجدل في المجتمع الراقي للعاصمة الروسية، وهو الضابط الفرنسي الشاب والوقح جورج دانتيس، ذو الوسامة الملحوظة والدائم التغزل بكل فتاة جميلة يلتقيها. وكان دانتيس المنحدر من عائلة فرنسية أرستقراطية، قد انضم إلى الجيش الروسي، بعد أن غادر فرنسا لأسباب سياسية. ومن الغريب في الأمر أن السفير الهولندي في روسيا قام بتبنيه لأسباب غامضة حامت حولها التساؤلات.
تعرف دانتيس على بوشكين وزوجته عام 1834، ولكنه بدأ في محاولاته المستمرة للتودد إليها عام 1835وبدأت علاقة بين الاثنين من غير الممكن تحديد مداها وطبيعتها، فقد كتبت ناتاليا إليه موضحة عدم استعدادها ترك بوشكين. ومع ذلك كثرت الشائعات وأصبح دانتيس وناتاليا، حديث المجتمع المخملي الروسي. لكن الأمر تفاقم عندما استلم بوشكين عام 1836 رسالة من مجهول وبلغة فرنسية ركيكة مخبرة أياه أنه ساذج، وأن زوجته على علاقة غرامية بأحدهم، وزاد الأمر سوءا عندما اتضح أن بعض أصدقاء بوشكين، قد استلموا نسخا من هذه الرسالة. وجن جنون بوشكين، وتحدى السفير الهولندي، والد دانتيس المتبني، لمبارزة بالمسدسات. وكان بوشكين يعرف جيدا أن تقاليد المبارزة في روسيا كانت تحتم أن ينتقل التحدي إلى دانتيس بسبب كبر سن الوالد وكونه سفيرا. ولكن السفير قام بالتنازل حسب الأعراف المتبعة، وهدّأ من روع بوشكين. أما دانتيس نفسه، فقام بعمل غير متوقع، ألا وهو التقدم لخطبة أيكاترينا شقيقة ناتاليا، ووافقت الشقيقة التي كانت بالتأكيد تعرف بنوايا وشائعات دانتيس تجاه الزوجة ناتاليا. وقد يكون سبب مبادرة دانتيس أن هذا كان سيجعل بوشكين يتردد في تحديه، حيث أنهم قد أصبحوا أقارب، وسيضمن هذا كذلك قربه من ناتاليا. ولكن هذا لم يخفف من حدة الموقف، بل فاقمه. وفي بداية عام 1837 تحدى بوشكين، دانتيس مباشرة وتدخل الكثيرون للحيلولة دون حدوث كارثة، وتأجلت المبارزة عدة مرات، وأخيرا أصر بوشكين على تحديه. والغريب في الأمر أنه حضر حفلة صاخبة قبل يوم المبارزة وكان في حالة مرحة جدا، وكانت المفارقة كذلك أن دانتيس وزوجته كانا في تلك الحفلة. وفي مساء العاشر من شباط/ فبراير عام 1837 التقى الاثنان، وكانت نهاية بوشكين مأساوية، فقد اخترقت الرصاصة بطنه وتوفي بعد يومين قضاهما في آلام مبرحة.
اشترك بوشكين في عشرات التحديات للمبارزة، ويقال إن عددها وصل التسعين، ولكن أغلبية المبارزات لم تكن تحدث بسبب تدخل الأصدقاء والوسطاء.
ما بعد المبارزة
أثارت هذه الحادثة لغطا شديدا في المجتمع الروسي، وخشت الحكومة الروسية أن تأخذ الحادثة منحى سياسيا معاديا لها، فحاولت التقليل من نتائج الحدث. ونجحت في نقل الجنازة من كاتدرائية مهيبة إلى كنيسة صغيرة، ولكنها لم تستطع منع آلاف الناس من حضور الجنازة. أما دانتيس، فقد ألقي القبض عليه وقدم للمحاكمة، وتمت تبرئته من جريمة القتل على أساس الدفاع عن النفس، ولكن المحكمة أمرته بمغادرة روسيا إلى الأبد. وغادر دانتيس روسيا إلى برلين حيث أنضمت زوجته إليه هناك، وذهب الاثنان إلى فرنسا، وأصبح دانتيس هناك سياسيا شهيرا وثريا. أما ناتاليا، فلم تهتم كثيرا بمقتل زوجها، وتزوجت ضابطا كبيرا في الجيش الروسي. ومما هو جدير بالذكر أنها أنجبت ابنين وابنتين لبوشكين. وتزوجت ابنتها من ابن أحد الأمراء الألمان وأنجبت ابنة تزوجت لاحقا من حفيد القيصر الروسي، ما أثار حفيظة العائلة المالكة الروسية، إلى درجة أن والدة ذلك الأمير توفيت بعد الزواج بأيام من جراء الصدمة. وما يزال أحفاد بوشكين موجودين ومنتشرين في عدة دول.
بوشكين الآن
عندما قُتِلَ بوشكين كان شاعر روسيا الأول بدون منازع، ولكن الأدب الروسي آنذاك كان لا يزال في بدايته. ولكن الحياة الثقافية في روسيا القرن التاسع عشر تطورت سريعا، وكبر حجم إنتاج بوشكين الأدبي مع ذلك التطور، فتحول إلى أيقونة في جميع مجالات الأدب حتى أن السلطات الروسية أقامت له نصبا عام 1888. ولا يمكن وصف الكتب المنشورة عن أعماله الأدبية وحياته ودوره في الأدب العالمي، والشوارع والمسارح التي تحمل اسمه. وليست روسيا الدولة الوحيدة التي تفتخر بكونه أحد أبنائها، فإثيوبيا تفتخر به كذلك بسبب كون جد والدته افريقيا، وقد يكون إثيوبيا، على الرغم من أن المؤرخين الحاليين يميلون إلى أن الرجل كان من الكاميرون.
بوشكين والمبارزة
اشترك بوشكين في عشرات التحديات للمبارزة، ويقال إن عددها وصل التسعين، ولكن أغلبية المبارزات لم تكن تحدث بسبب تدخل الأصدقاء والوسطاء. وكانت المبارزة كوسيلة للفصل في الخلافات، قد دخلت روسيا في منتصف القرن السابع عشر، وانتشرت بسرعة غريبة، وظهرت لها تقاليد خاصة بها حتى أقلقت السلطات الروسية، وأصدر قيصر روسيا بطرس الأكبر، أمرا بمنعها وفرض عقوبات شديدة لمن يمارسها قد تصل إلى الإعدام. ولكن هذا لم يوقف هذه الظاهرة السيئة، ما أدى إلى مقتل العديدين من الضباط والشخصيات المرموقة، ليس في روسيا وحسب، بل في أوروبا والعالم الغربي بشكل عام، فمن ضحايا هذه الظاهرة ميكايل لرمونتوف، الذي كان ثاني أشهر شاعر في تاريخ روسيا، وقُتِل في مبارزة وهو في سن السابعة والعشرين عام 1841. وكذلك وزير الخزانة الأمريكي أليكزاندر هاملتون عام 1804. وقُتِلَ أيضا الزعيم الاشتراكي الألماني الشهير فرديناند لاسال، في مبارزة بسبب حبه لفتاة، وقتل أيفاريست غالوا في مبارزة مجهولة الأسباب عام 1832، وكان لمقتله وهو في سن العشرين خسارة كبيرة لعلم الرياضيات بسبب بروزه السريع في ذلك المجال.
٭ باحث ومؤرخ من العراق