بوش في سنة الغزو الثالثة: المياه الراكدة، أم غليان الأعماق؟

حجم الخط
0

بوش في سنة الغزو الثالثة: المياه الراكدة، أم غليان الأعماق؟

صبحي حديديبوش في سنة الغزو الثالثة: المياه الراكدة، أم غليان الأعماق؟خلال أيام خمسة، متتالية متعاقبة، وفي إحياء السنة الثالثة لغزو العراق، تحول الرئيس الأمريكي جورج بوش إلي ميكروفون متحرك، أشبه بوحش اعلامي جريح في آن معاً، من الخطبة الإذاعية إلي المؤتمر الصحافي إلي المداخلة، وصولاً ـ بالطبع ـ إلي ما يتقن ممارسته أكثر من أي مهارة اتصال أخري: الوقوف أمام حشد هائل من ممثلي أمريكا الوسيطة، ناخبته الأولي والكبري، واستدعاء كل ما يمكن للغة الخشبية أن توفره من ميلودراما، في الترهيب كما في الترغيب، وفي النفاق السياسي كما في التبشير العاطفي.وفي هذا الشطر من تلك الشطارة، ماذا قال بوش أمام 2000 من الأمريكيين احتشدوا في قاعة ضخمة في بلدة ويلينغ، فرجينيا الغربية؟ هنا نموذج أول: أقول مرة ثانية إنني أتفهم السجال. أفهم أن تكون هناك اختلافات في الرأي، وينبغي أن نرحب بهذا في أمريكا. ينبغي علي الناس أن لا يخشوا الخلاف في الرأي، خصوصاً حول مسائل كبري. والحرب مسألة كبري، الحرب والسلام. ومن دلائل العافية أن يجري سجال بين الناس، ما دمنا لا نرسل إشارات خاطئة إلي قواتنا؛ وما داموا لا يشعرون أننا لم نعد نساندهم، وما دمنا لا نرسل إشارات مشوشة إلي العدو. فالعدو يؤمن أننا نضعف ونفقد أعصابنا، ويتعين علي أن أخبركم أنني لست ضعيفاً، ولن أفقد أعصابي، وأنا شديد الإيمان بأننا علي صواب .هذا الرجل، رئيس القوة الكونية الأعظم، هو نفسه الذي سارع ـ بعد أسابيع معدودات من غزو العراق ـ إلي امتطاء قاذفة مقاتلة هبطت به علي ظهر حاملة أمريكية ضخمة، ليلقي خطاب اختتام الحرب ويعلن الانتصار، وخلفه لافتة عريضة تقول: المهمة أُنجزت ! عن أي حرب يتحدث، إذاً، وعن أي سلام في الواقع، هو الذي بشر العالم بطي ويلات الحرب وافتتاح مغانم السلام؟ وأي عدو شرس جبار يهدد أمريكا، حتي نري بوش يناشد شعبه عدم ارسال رسائل مشوشة قد تلحق الضرر بأمن البلاد؟ ومن هو هذا العدو، في نهاية المطاف؟ أهو أسامة بن لادن، الذي يعلم الله في أي كهف يقبع، في أرض قد لا تزيد مساحتها عن مساحة بلدة ويلينغ ذاتها؟ أم هو الزرقاوي، الذي قد لا تتوفر له حتي تلك الكهوف؟ ولماذا، إذا كان منطق الإجابات البسيطة علي الأسئلة السالفة ينتفي معني الظفر، لا يعلن بوش أن الانتصار ليس وشيكاً في أقل تقدير (إذ يصعب أن ننتظر منه اعلان انكسار من أي نوع، فكيف بالهزيمة)؟ وفي مقابل العدو، أياً كان المقصود بالتسمية، لا يلوح أن الصديق العراقي يخفف قليلاً من هموم الرئيس الأمريكي، بل لعل الحليف يزيد الطين بلة! هذا ما يفهمه سامع بوش حين يشتكي الأخير من عزوف القيادة العراقية عن التنعم بأطايب الديمقراطية (عجزها، مثلاً، عن تشكيل وزارة!)، الأمر الذي يدفعه إلي التشاور في هذا مع سفيره هناك زلماي خليل زاد ومع قائد القوات الأمريكية الجنرال جورج كيسي… عبر الفيديو! وما خلا أن الحرب، أية حرب معاصرة، باتت لعبة فيديو في نظر غالبية ساحقة من أهل البنتاغون وساكني البيت الأبيض وبعض الجمهور الأمريكي، لا نعرف دواعي الإلحاج الشديد ـ أو ربما الحاجات الخاصة! ـ التي جعلت بوش يشاور سفيره وجنراله عبر الفيديو، وليس عبر عشرات التقنيات التي تكفلها تكنولوجيا الاتصال الأمريكية المعاصرة. أم أنه كان يفتح شهية مستمعيه علي نكهة الـ شو ـ بزنس : كما في الاستعراض، كذلك في السياسة! وإذا كان العدو أمامه مثل الصديق، كلاهما ينغص عليه انتصاره في العراق وتصميمه علي عدم فقدان الأعصاب، فما الذي يتبقي للرئيس الأمريكي من عناصر مساعدة، أو مساندة، في صفوف العراقيين علي اختلاف مذاهبهم وأحزابهم وفئاتهم؟ ثم إذا كان اطلاق الحوار الأمريكي ـ الإيراني حول العراق، مقابل تأزيم النزاع الأمريكي ـ الإيراني حول تخصيب اليورانيوم، ليس ذروة الحال السوريالية في موقف البيت الأبيض من المعادلات العراقية الراهنة، فأية حال أخري يمكن أن تفوق هذه سوريالية؟للمرء أن يتذكر، في هذه السياقات تحديداً، صورة سوريالية التقطها دويل ماكمانوس، الكاتب في صحيفة لوس أنجليس تايمز الأمريكية، بعد أسابيع معدودات من استكمال غزو العراق: ضابط في قوات المارينز الأمريكية، وبعد دقائق من توغل دبابات وحدته في قلب بغداد، قال حائراً: ها قد وصلنا. نحن الكلب الذي اصطاد السيارة. ماذا سنفعل بها الآن ؟ كان ذلك الضابط (الحصيف الواقعي المتشائم…) يعيد، علي طريقته اليانكية، صياغة الحكمة الشهيرة التي أطلقها في مطالع القرن التاسع عشر كارل فون كلاوزفيتز، الضابط البروسي الشهير وأحد أعظم أدمغة التفكير في شؤون الحرب ومعضلات السلام الذي يلي الانتصار العسكري: في الحرب ليس ثمة نتيجة نهائية . وفي مناسبة السنة الثالثة للغزو ومن ثم ما دامت بلاغة هذه الأيام تذكر ببلاغة الأسابيع الأولي من اقتناص الكلب للسيارة، فلنفتح من جديد بعض العناوين الكبري في اللغة الخشبية التي انطلقت آنذاك وسادت وتسيدت بعدئذ حتي خطبة بوش في بلدة ويلنغ، قبل يومين فقط: العراق الحر سوف تحكمه القوانين، لا الدكتاتور. والعراق الحر سوف يكون مسالماً وليس صديقاً للإرهابيين أو تهديداً لجيرانه. والعراق الحر سوف يتخلي عن كل أسلحة الدمار الشامل. العراق الحر سوف يضع نفسه علي طريق الديمقراطية … ألم يكن، هذا العراق الحر ذاته، مرشحاً لاحتمالات صدوعات وكسور وشروخات وشقاقات وجرائم وتصفيات ومجازر وحرب أهلية؟ هل كان بلــــوغ الديمقراطية، أياً كانت، معبدة الدرب إلي هـــــذا الحد؟ ألم تكن معقدة شائكة محفوفة بمخاطــر الردة والارتداد والعصبوية والعشائرية والطائفية؟تلك اسئلة نافلة آنذاك، ونافلة اليوم أيضاً!كولن باول، وزير الخارجية السابق وسيد الحمائم آنذاك، قال إن ما يريده من العراق هو أمة خالية من أسلحة الدمار الشامل، أمة لها شكل تمثيلي في الحكم، تعيش بسلام مع جيرانها، لا تضطهد شعبها، وتستخدم ثروة العراق لصالح شعب العراق. أمة لا تزال أمة واحدة، لم تتشظ إلي أجزاء مختلفة. ولسوف أضيف عنصراً ثانياً: مثال للمنطقة ولبقية أرجاء العالم. دولة مارقة ذهبت. مكان كان مصدراً للتوتر وعدم الإستقرار ولم يعد مكاناً للتوتر وعدم الإستقرار . تبارك الرب، كما قد يهتف أمريكي مؤمن بأن غزو العراق كان رسالة سماوية إلي جورج دبليو بوش! وزير الدفاع والقائد التنفيذي لفريق الصقور دونالد رمسفيلد، وبعد أن عدد سلسلة أهداف عامة تسعي إليها الإدارة من وراء احتلال العراق، اختصر الأمر في أعقاب سقوط بغداد علي النحو التالي: إعادة العراق إلي العراقيين … ليس أقل! جيوشه علي الأرض كانت منهمكة في انزال أحمد الجلبي في الناصرية علي حين غرة (ونعلم اليوم ـ من خلال كتاب مايكل غوردن وبرنارد تراينر كوبرا II: القصة المستورة لغزو واحتلال العراق ، الذي صدر قبل أيام ـ أن تلك الخطوة جرت من دون علم الساسة المدنيين، بمَن فيهم الرئيس بوش نفسه، ونفذها الجنرالات كما يليق بأعرق الأنظمة العسكرتارية!)، وفتح شوارع البصرة وبغداد أمام اللصوص والمشاغبين وناهبي المتاحف والبيوت والدوائر الرسمية، وحراسة مبني واحد وحيد في بغداد كلها: وزارة النفط العراقية!ينبغي أن تحضر، كذلك، جملة الأفكار الجيو ـ سياسية التي نظر لها رهط المحافظين الجدد في غمرة تبشيرهم بـ مشروع قرن أمريكي جديد ، والتي اختُصرت، وما تزال تُختصر اليوم، في ثلاثة أهداف استراتيجية علي الأقل: 1) تحويل العراق إلي قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وحيوية، تزيل عن كاهل أمريكا أعباء بقاء قواتها في دول الخليج، والسعودية بصفة خاصة، وما يشكله هذا الوجود من ذريعة قوية يستخدمها الأصوليون لتحريض الشارع الشعبي ضد الولايات المتحدة وتشجيع ولادة نماذج جديدة من أسامة بن لادن ومنظمات علي غرار القاعدة؛ و2) السيطرة علي النفط العراقي، التي تشير كل التقديرات إلي أنه الآن يعد الإحتياطي الأول في العالم، أي بما يتفوق علي السعودية ذاتها، خصوصاً احتياطي منطقة كركوك؛ و3) توطيد درس أفغانستان علي صعيد العلاقات الدولية، بحيث تصبح الهيمنة الأمريكية علي الشرق الأوسط، ومعظم أجزاء العالم في الواقع، مطلقة أحادية لا تُرد ولا تُقاوم.وثمة، أخيراً، حاجة إلي استعادة أجواء ما قبل الغزو العسكري، حين دلت جميع المؤشرات علي أن أمريكا ذاهبة إلي الحرب بالضرورة لأن بوش، كما قلنا وقال الكثيرون سوانا، كان بحاجة إلي هذه المغامرة العسكرية لأسباب ذاتية تخص انقاذ رئاسته من انحطاط حتمي، ومنحها المضمون الذي تبحث عنه منذ مهزلة إعادة عد الأصوات في فلوريدا، وتقوية حظوظه في ولاية ثانية. وما الذي كان قد رجح كفة بوش في الولاية الثانية، اكثر من هذا الرهاب والترهيب حول 11/9، وبن لادن، وإكمال المهمة في العراق، وإعادة المارينز إلي أحضان أمهاتهم وزوجاتهم!وقبل يومين، في بلدة ويلينغ وأمام عينات تمثل غالبية ناخبيه الذين منحوه الولاية الثانية، انساق بوش إلي المزيد من التفلسف حول العلاقة بين العراق والديمقراطية والتبشير الرسولي: هنالك نقاش كثير يدور في العالم حول ما إذا كانت الحرية كونية، أترون: ما إذا كانت…! ويأتيكم مَن يقول: ها هو العجوز بوش يفرض علينا قِيَمه! أنا مؤمن بأن الحرية كونية. ومؤمن أن الانعتاق فكرة كونية. إنها ليست فكرة أمريكية، بل هي فكرة كونية. فإذا آمنتَ بهذا، فستشعر براحة غامرة وسعادة بالغة في أنك تساعد الآخرين علي التمتع بمنافع الحرية. أنا أري الأمر هكذا: هنالك الله القدير، وإحدي أعظم فضائل الله القديـــر هي الرغبة في أن يكون البشر أحراراً، وفي أن تسود الحرية (تصفيق)، ولهذا علي بلدنا أن يسأل ذاته: كيف نساعدكم في أن تكونوا احراراً؟ ماذا في وسعنا أن نفعل لنساعدكم في تحقيق نعمة الحرية؟ !..كأن أحداً، في بغداد أو كابول أو دمشق أو بيروت… يتحرق لهفة ليقول للرئيس الأمريكي: تحنن علينا، باركك الله القدير! أو كأن بوش نفسه لم يتذمر من عزوف العراقيين عن التمتع بأطايب الديمقراطية الامريكية المستوردة، الملطخة بالدماء، العابقة بالخراب، البادئة بالنهب! أو كأنه، هو نفسه وليس سواه، لم يحذر مما هو خفي خلف السطوح الظاهرة، حين قال في خطبة ويلينغ ذاتها: أقر علي الفور أن قيام أو عدم قيام الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط الأعرض مسألة إشكالية. سياستنا الخارجية في السابق كانت نوعاً من التالي: إذا بدت المياه هادئة، لا بأس. المشكلة أنه تحت السطح كان السخط يتخمر، واستغله البعض لصالحهم، كما فعل الشموليون من أمثال القاعدة. لهذا بدلت سياستنا الخارجية، وقلت إن الحرية كونية !نعم، بدليل ما تظهره دماء العراقيين الأبرياء، كل يوم… كل يوم، من فارق قاتل بين ركود سطوح المياه، وما يغلي ويضطرم ويلتهب في الأعماق!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية