بوش.. من العجز إلي ارتقاب معجزة !
جواد البشيتيبوش.. من العجز إلي ارتقاب معجزة ! إنَّ من حقِّ الشخص، ولو كان قائدا سياسيا، أن يرفض الاستسلام، والتسليم بفشل جهد يبذله من أجل هدف ما، قبل أن يبذل محاولة أخيرة، تشبه، في وجه عام، محاولة استنبات أجنحة للحمير حتي تطير. والرئيس بوش ليس بمستثني من الحق في التمتُّع بهذا الحق؛ وطالما رفض ذوو ميِّت يحبُّونه كثيرا الاعتراف بموته قبل دفنه!الرئيس بوش يستمد قوة، هي قوة الحماقة ، التي هي العاقبة الحتمية لـ حماقة القوة ، التي تحلَّي بها، سياسيا، زمنا طويلا، من ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة، ومن زمرته (الجمهورية) التي تؤمِن بأنَّ خسارتها العظمي هي الاستسلام، والتسليم بالفشل، وبأنَّ عربتها السياسية ، وبما تحمله من مصالح شخصية وفئوية ضيقة، يمكنها وينبغي لها الإفادة من الضوء البرتقالي (في إشارة المرور) ، الذي يسمح لكَ بالمرور إذا لم تخشَ المجازفة بحياتك. الرئيس وزمرته تلك ما عادا يكترثان حتي للمصالح الانتخابية والسياسية لحزبهما، الحزب الجمهوري، الذي سيَدْخُل، بعد نحو سنتين من الآن، معترك انتخابات الرئاسة وهو يري الإدارة الجمهورية للرئيس بوش وكأنها توجِّه الرياح الانتخابية بما تشتهي سفينة المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة. إنَّ تصدُّعا، ومزيدا من التصدُّع، في وحدة الجمهوريين هما عاقبة من عقبات كثيرة ستتمخَّض عنها الاستراتيجية (العراقية) الجديدة لتلك الإدارة، التي في الوقت نفسه، بدت غير مكترثة للكونغرس، الذي بات خاضعا لسيطرة الديمقراطيين، ولتقرير لجنة بيكر ـ هاملتون ، الذي ادَّعت، كما توقَّعنا من قبل، أنَّها أخذت ببعضٍ من توصياته لذر الرماد في العيون، ولمواطنيها الذين أكدوا، في غالبيتهم، أنَّ خطاب الرئيس بوش، الذي ضمَّنه استراتيجيته الجديدة، لم يكن مُقْنِعا لهم بجدوي الاستمرار في الحرب، ومدِّها بمزيد من الوقود البشري (نحو 21 ألف جندي).قُلْتُ من قبل أنَّ ذاك التقرير ليس بالخيار الذي يمكن أن يأخذ به الرئيس بوش (مع زمرته تلك) لأنه راية بيضاء ، دعت اللجنة الرئيس إلي رفعها، فالتقرير إنَّما يوصي الرئيس بوش بحل يقوم، ضمنا، علي إقراره بالفشل والهزيمة، ولن يفضي أخذه بتوصياته إلا إلي المجيء بخليفة ديمقراطي للرئيس بوش، الذي توهَّم أنَّ التاريخ خاطبه قائلا: أنتَ إنْ نطقتَ مُت، وإنْ سكتَّ مُت، فقُلْها ومُتْ. ولقد قالها الرئيس بوش إذ أعلن استراتيجيته الجديدة، التي جاءت بما يتَّفق مع توقُّعنا: جديدها غير مفيد، ومفيدها غير جديد.. ولا يأتي بها، ويبتدعها، إلا شخص ما عاد يملك من المصالح والأهداف والدوافع إلا ما يتَّفِق تماما مع واقع تجاوُزِه نقطة أو خط اللاعودة، فالبحر من ورائه وقد أحرق بيديه، أو احترقت، سفنه، وليس لديه من خيار سوي المضي قُدُما في الطريق ذاتها، فإما أن ينتحر مع أعدائه (عليَّ وعلي أعدائي) وإما أن تحنَّ عليه السماء بمعجزة، فطالما ولَّدَ العجزُ إيماناً بالمعجزات!والعجز يَعْظُم، وتتحوَّل مأساته إلي مهزلة، عندما نري فاقِد الشيء يحاوِل أن يعطيه بالتعاون مع فاقِدٍ آخر للشيء ذاته، أي عندما نري بوش الغارِق حتي أُذنيه في المستنقع الفيتنامي في العراق يَطْلُبُ إنقاذا ولو من غارِقٍ آخر هو المالكي وحكومته!المالكي وعد بوش بأن يطلِّق ثلاثاً مقتدي الصدر مع جيشه (جيش المهدي) ، و فِرَق الموت ، وكل جماعة شيعية تقوم إيران عبرها بتهريب نفوذها في العراق.. ووعده، أيضا، بأن يُغيِّر، ويتغيَّر، بما يمكِّنه من النجاح في خطب ود السنة من عرب العراق، علي أن تكون الفاتحة هي قطع رأس صدام حسن كما قُطِعَت، فرئيس الوزراء العراقي لا يستطيع التأسيس لحكومة جديدة من النمط البونابرتي ، تخوض مع إدارة الرئيس بوش حربا لا هوادة فيها علي العدو المشترَك ، في الداخل وفي الخارج، إذا لم يُضَحِّ أولا بصدام حسين، آخر رئيس للعراق.وقبل، ومن أجل، أن يُظْهِر المالكي بونابرتيته الكامنة، لا بد من أن يُرْسِل إليه الرئيس بوش 21 ألف جندي، تقيم غالبيتهم وتعمل في بغداد حيث مسرح أمُّ المعارك ، وتمد له يد العون والمساعدة وهو ينفصل عن بعض حلفائه القدامي، ويؤسِّس لتحالف جديد مع بعض القوي السنية العربية، التي ينتمي بعضها إلي بعثيين جدد ، تطهروا من الصدَّامية ، و الصدَّاميين . وتوصُّلا إلي هذه الغاية النبيلة لا بأس من تأليف قلوب أولئك من السنة العرب عبر رشاوي مالية واقتصادية وسياسية ودستورية وانتخابية، فتنتهي حرب الراشي والمرتشي والرائش إلي ترجيح كفَّة الاعتدال و المعتدلين من شيعة وسنة وأكراد علي الكفة الأخري.. كفَّة العدو المشترَك ، بقديمه وجديده.وهذا التعزيز للوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق، وفي العاصمة علي وجه الخصوص، ينبغي له أن يفضي، أيضا، إلي إنشاء وتطوير قوة عسكرية وأمنية حكومية عراقية جديدة، تنتصر عسكريا مع المارينز علي هذا العدو المشترَك ، فلا يحل تشرين الثاني المقبل إلا وكل المحافظات العراقية خاضعة للسيطرة السياسية والعسكرية والأمنية لحكومة المالكي في حلتها البونابرتية ، التي باعت مقتدي الصدر (وأشباهه) بثلاثين من الفضة بعدما أهدته علي طبق من فضة رأس صدام حسين، والتي عرفت كيف تُكْسِب الخيانة .. خيانتها لبعض من حلفائها القدامي، معني الفضيلة .وعلي هذه الحكومة، أيضا، أن تُثْبِت لإدارة الرئيس بوش أنها أهل لـ التحدي الكبير .. تحدي تحويل العراق من جسر للنفوذ الإيراني إلي حاجِز و برزخ بينه وبين العراق، وبينه وبين الجوار الإقليمي للعراق انطلاقا من العراق، فهزيمة الولايات المتحدة في العراق ستؤدي، بحسب خطاب بوش، إلي انهيار الحكومة العراقية المركزية ، أي حكومة المالكي القديمة ـ الجديدة، وتقسيم العراق، وجعله مسرحا لحرب، ولحروب، أهلية، تأتي نيرانها حتي علي جواره الإقليمي، وتوسيع وزيادة النفوذ الإيراني، عراقيا وإقليميا، واشتداد ساعد الإرهاب الدولي ، وجعل أمن واستقرار العالم، والأمن النفطي العالمي، عُرضة لمخاطر لم نعهدها من قبل. أمَّا الهدف الكامن في هذا التخويف فهو اجتذاب مزيد من التأييد الإقليمي ـ العربي لحكومة المالكي، التي بمعونة الولايات المتحدة، ومن غير شن حرب علي إيران أو سورية، مدعوة إلي تحويل حدود العراق مع إيران وسورية إلي سدٍّ منيع في مواجهة مساعيهما ضد الاستراتيجية الجديدة للرئيس بوش، وامتدادها العراقي، وهو الخطة الأمنية الجديدة لحكومة المالكي.لقد قال بوش للمالكي في استراتيجيته الجديدة: قِفْ معنا، أي مع إدارة الرئيس بوش، ضد النفوذ الإيراني (والسوري) في العراق، وضد منافذه ومجاريه وقنواته وأدواته بين الشيعة من عرب العراق، وقف معنا في سعينا إلي ترجيح كفَّة الاعتدال و المعتدلين بين السنة من عرب العراق، فنقف معك، عسكريا وأمنيا وسياسيا واقتصاديا، ونأتيك بمزيد من الحلفاء الإقليميين الذين لهم مصلحة حقيقية في جعل العراق حاجِزا في مواجهة نفوذ إيران الشيعية، الفارسية، النووية.إذا نجح بوش، ونجح المالكي في إنجاح بوش، فإنَّ حاجة الولايات المتحدة إلي إنهاء وجودها العسكري ـ الاستراتيجي في العراق ستنتفي، عندئذٍ، وستشتد الحاجة لديها إلي تنظيم هــــذا الوجود بما يجعله مشابها لوجودها العسكري ـ الاستراتيجي في ألمانيا واليابان.أمَّا إذا انتهت الاستراتيجية الجديدة لإدارة الرئيس بوش إلي عاقبتها الحتمية، علي ما نعتقد، وهي الفشل الأعظم، والهزيمة العسكرية والسياسية التي لا ريب فيها، فسوف يَصْدُق توقُّعنا وهو أن يُصدِّر الرئيس بوش أزمته العراقية إلي خليفته الديمقراطي، الذي لا يمكنه، إلا إذا فقد عقله، أن يكون العطَّار الذي يحاول أن يصلح ما أفسده الدهر، وأن يقي نفسه، بالتالي، شرَّ رفع الراية البيضاء، التي أبي سلفه، الذي ما عاد لديه من شيء يخسره إذا ما جازف وغامر، أن يرفعها.هذا الذي توقَّعناه، وما زلنا نتوقَّعه، أيَّده القيادي الديمقراطي البارز جوزيف بايدن إذ قال: حكومة بوش تسعي فحسب إلي تأجيل إعلان الخسارة في العراق.. الرئيس بوش مقتنع بأنَّ غزو العراق قد فشل؛ ولكنه لا يريد الإقرار بذلك، وسيتْرُك لخليفته في البيت الأبيض مهمة إنزال مروحية في المنطقة الخضراء كتلك التي أُنْزِلت في سايغون !ہ كاتب ومحلل سياسي فلسطيني ـ الاردن8