بوش يقرأ التجربة الجزائرية لحل مشاكله في العراق
د. محي الدين عميموربوش يقرأ التجربة الجزائرية لحل مشاكله في العراق منذ أسابيع قليلة جاءتنا أنباء نسيناها مع زحمة الأحداث تقول بأن أصدقاءنا الأمريكيين عاكفون علي دراسة فيلم معركة الجزائر علهم يتمكنون من استخراج العبر التي تمكنهم من كسب معركة العراق، وبالفعل عرفنا أن نسخة سافرت إلي بلاد العم سام وقيل ان واحدا ممن ارتبط اسمهم بالمعركة سافر إلي هناك ليوضح ما يُمكن أن يخفي علي الباحثين قي البنتاغون وبروكينز وبقية المراكز الدراسية التي أقامها العم سام، جنبا إلي جنب مع مخابر لعبة الأمم سيئة الذكر.ثم سمعنا بالأمس أن الرئيس جورج دبليو بوش (الصغير) يعكف علي قراء كتاب صدر في السبعينيات تحت عنوان حرب همجية من أجل السلام Savage war of peace ألفـــه الكاتب الإنكليزي ألستير هورن Alistair Horne عن الثورة الجزائرية.وبغض النظر عن أن الرئيس الأمريكي ليس ممن عُرف عنهم حب القراءة أو المقدرة علي دراسة كتاب كبير يصل حجمه، مع الهوامش، إلي نحو ستمائة صفحة، فقد فهمنا بالطبع أن هناك محاولات أمريكية للخروج من الوحل العراقي، الذي أصبح أسوأ من الوحل الفيتنامي، وهو ما كنا حذرنا منه خوفا علي المنطقة من تبعاته، ولكننا كنا نصرخ في واد، وذهبت أدراج الرياح محاولات الرئيس الشاذلي بن جديد، ذكره الله بكل خير، لتفادي الخروج من النتائج المأساوية لغزو الكويت بنتائج أكثر مأساوية .وعرفنا اليوم أنه قيل للرئيس الأمريكي بضرورة دراسة التجربة الجزائرية لأنها تتشابه مع التجربة العراقية، وكان هناك من أوحي له، ولعله هنري كيسنجر، بأن في مقدوره، إذا تمكن من إيجاد الحل، أن يعتبر صنوا للجنرال الفرنسي شارل ديغول، وأتذكر الآن بيت شعر كانت تردده شقيقتي المتوفاة منذ عشرين سنة الأستاذة مريم عميمور يقول ما ما معناه ان السيف يفقد قدره إذا قلت أن هذا السيف خير من العصا .وكنت ممن استقبلوا أليستر هورن في الجزائر بصفتي مستشارا للرئيس الراحل هواري بومدين وذلك مع عديد من الكتاب والمفكرين العالميين الذي كانوا يبادرون بزيارة الجزائر أو كنا ننظم زياراتهم للإطلاع في عين المكان علي الجزائر الحديثة أو كنا نستقبلهم كممثلين لمنابرهم الإعلامية فنحسن وفادتهم وندعم جهودهم بما جعل من الجزائر يومها، وبفضل حيوية قيادتها الثورية، كعبة للأنظار وللثوار.ولعلي أذكر من بين من عرفتهم جيدا آنذاك السيد بول بالطا، مراسل صحيفة لوموند الفرنسية، الذي يؤكد لي برنامج شارك فيه مؤخرا بأننا نجحنا في كسب صداقته، وهو ما يبرر تسمية أطلقها عليه البعض في السبعينيات هي محمد بالطا ، ويشرح لبعض من كانوا يأخذون علي في السبعينيات رعايتي للمراسلين الأجانب مدي ظلمهم لي، وخصوصا منهم من لم يبادر حتي اليوم بأي عمل لتسجيل مآثر تلك المرحلة..وكان ألستر هورن كريما فوضع اسمي وعددا من الرفاق الذين التقي بهم في مقدمة كتابه، ثم انقطعت بنا السبل بعد الأحداث التي عرفتُها وعرفناها.ويبدو أن هورن أهدي كتابه لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ليستفيد من بعض معطياته، وأشار له خصوصا للمقاطع التي تناولت عمليات التعذيب مبرزا مدي إساءتها لفرنسا وفعالية دورها في إنهاء وجودها بالجزائر، ولكن رامسفيلد أجابه بفظاظة الأحمق الذي يتصور أنه يعرف كل شيء إلي أن اكتشف، وهو خارج المسؤولية، أنه لم يفهم شيئا علي الإطلاق. وقد يبدو أن هدف كيسنجر من التذكير بضرورة دراسة وقائع الثورة الجزائرية هو محاولة اكتشاف السر وراء تمكن الجزائر الصغيرة الضعيفة من الانتصار علي أكبر قوة عسكرية وسياسية في المتوسط، ثم تطبيق النتائج علي الوضعية في العراق حيث غرقت الولايات المتحدة في الوحل العراقي بشكل أصبح يثير مزيجا من السخرية والرثاء، وبحيث أصبح بوش أسوأ الرؤساء الذين عرفهم العالم ومثالا للجهل والغباء والعناد.لكنني أتصور أن المطلوب هو دراسة التجربة الفرنسية في الجزائر وليس العكس، وربما تم هذا بالفعل عبر دراسة الوثائق الفرنسية العسكرية والمدنية ووثائق الحلف الأطلسي، لكن هذه كانت محدودة الفعالية، ولم يتمكن الفرنسيون من فهم طبيعة الثورة الجزائرية وأساليب عملها، ولسبب بالغ البساطة هو أن الثورة تميزت بالانضباط والسرية، وكان هذا من أهم أسباب النصر، وحاولت المؤسسات الفرنسية بعد استرجاع الاستقلال أن تواصل عملية دراسة كل معطيات الثورة، لتتمكن من التعامل مع جزائر الاستقلال عن غير طريق الحركي الجدد، الذين كان هناك في فرنسا من يراهم صورة القوة الثالثة التي أرادها الجنرال ديغول، وبالتالي فقد تصوروا أنهم يملكون كل المفاتيح، وكان هذا خطأ جسيما تسبب في عشرات المواعيد الضائعة بين البلدين، ومنها موعد منتصف السبعينيات عندما تمت زيارة جيسكار ديستان، غير المأسوف عليها.ولا بد من الاعتراف بأن المصادر الجزائرية النقية كانت مترددة في غياب تنظيم شامل ينسق التعامل مع الآخر، وكان حجم الكتابات الجزائرية عن مرحلة الثورة محدودا جدا، وهكذا بدأت الجامعات ومراكز البحوث والدراسات الفرنسية تبذل جهودا حثيثة لتشجيع الطلاب الجزائريين علي إعداد بحوث عن الثورة وعن معطياتها من واقع استجواب المجاهدين والمناضلين، وكنت أتابع ذلك بتوجس وريبة، رغم أن البعض كان يري فيه مدعاة للافتخار، وكتبت أكثر من مرة محذرا من خطورة الحديث مع الكتاب الأجانب خارج إطار منضبط ولكنني اتهمت بأنني أنتمي لمن يريدون مصادرة التاريخ.وتأكد لي يوما بعد يوم أن الجانب الآخر لم يتمكن من معرفة كل شيء عن الثورة لأن التحفظ كان سيد الموقف من جهة، ولأنه، من جهة أخري، ليس هناك من يعرف كل تاريخ الجزائر، لأن تنظيم الثورة بشكل لامركزي دفن الكثير من أسرارها مع الشهداء.ويُضاف إلي هذا عنصر بالغ الأهمية، برز قبل ذلك في فيتنام وستعرفه جُلّ حركات التحرير، وهي أن الثورة لم يقم بها ضباط وجنود نظاميون يطبقون أساليب الحرب النظامية التقليدية التي درس العدو كل تفاصيلها في الكليات العسكرية والمعاهد الاستراتيجية، بل كانت وليدة شعب يُمارس رجاله كفاحهم أولا بأول وعن طريق التجربة والخطأ والابتكار المحلي، وهو أسلوب أربك القيادات الاستعمارية المتمرسة.وهذه النقطة الجوهرية غير موجودة في كتاب هورن أو غيره، وببساطة، لأن المجاهدين كانوا يتعففون عن الإشارة لها أو التوقف عندها، وهذا هو، في نظري، سر عدم فهم الكثيرين لمعطيات الثورة الجزائرية.ولقد قيل لبوش ان من أهم عناصر التشابه هو أن الجزائر والعراق بلدان عربيان يخوضان تجربة متماثلة، وإن كانت المقاومة في الجزائر أخذت شكل حرب تحرير فإن المقاومة تتخذ منحي طائفيا في العراق، وهي مقارنة ساذجة لأن الفروق أعمق من ذلك. فالشعب الجزائري كان موحدا تحت لواء جبهة التحرير الوطني التي كانت تقود الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي الاستيطاني بأسلوب سيادي لم يسمح لصديق أو لشقيق بالتدخل في شؤونه، رغم كثرة المحاولات في مرحلة معينة. وكانت الجبهة هي المتحدث الوحيد باسم الثورة.ولم تكن في الجزائر تجمعات عرقية تعمل علي ابتزاز القيادة المركزية للحصول علي وضعيات حالية أو مستقبلية تتناقض مع منطق الوطن ـ الأمة وتجد في الاحتلال حليفا يمكنها من ذلك، ولم يكن هناك مستفيدون من أموال النفط المسروق. ولم يكن للموساد أو لغير الموساد من مخابرات العالم كله دور في الجزائر.ولقد وضع ديغول كل ثقله العسكري (شال والنظارات المعظمة) والاقتصادي (مخطط قسنطينة) والاجتماعي الثقافي (عمليات تكوين إطارات جزائرية تشكل نواة لما سُميّ آنذاك بالقوة الثالثة، التي تُعطَي الفرصة لكي تحل محل المستعمر وعملائه المباشرين، حتي لا يبقي المستقبل حكرا علي المجاهدين).لكن الجنرال وصل إلي اليقين، كما يقول في مذكراته، بأن الاستقلال آت لا ريب فيه بفضل عزيمة الشعب الجزائري، ولذا فمن الأحسن أن يقبل بالأمر الواقع، مع التركيز علي إعداد القوة الثالثة التي ستمسك في أيديها بزمام الحكم في بلد وصل حجم الأمية فيه إلي نحو 92 في المائة، في حين لم يكن يعرف الأمية عند الغزو الفرنسي. وأنا أعتقد أن فكرة القوة الثالثة هي المحرك الحقيقي لمحاولة الأمريكان الاستفادة من تجارب فرنسا، والمشكلة أن ما يُمكن أن يكون قوة ثالثة في العراق وضع نفسه منذ اليوم الأول في خدمة الاحتلال وأصبح جزءا منه، وهو ما لم يحدث في الجزائر خلال الثورة.ولقد سئلت عمّا إذا كان بوش يريد أن يتشبه بالجنرال الفرنسي وقلت ليته يفعل ذلك، رغم إدراكي للفارق الكبير بين بطل فرنسا الحرة، الذي قاد عملية تحرير بلاده من الألمان، والرئيس الذي يتصور أنه يتلقي الوحي بعد أن تاب عن تعاطي المسكرات، والذي يُمثل لعبة في يد عدد محدود من المستشارين وخصوصا المستشارات.لكن دراسة التجربة الجزائرية يُمكن أن تكون إيجابية بالنسبة للمنطقة كلها إذا فهمت أمريكا بأن الاحتلال لا يُمكن أن يدوم، وبأن إرادة الشعب تفرض نفسها علي الجميع بمن فيهم المتعاونون مع المُحتل الأجنبي، وبأن كل يوم يمرّ علي الاحتلال يُساهم في تعميق الكراهية وزيادة الأحقاد، خصوصا وقد بدأ الشارع الأمريكي يتحرك، تماما كما حدث في فرنسا، والطبقة السياسية تنقسم علي نفسها، تماما كما حدث في فرنسا. ولعلي أختم هذه السطور بالاعتذار عن بعض ما يراه البعض تكرارا مملا ولكنني أتصور أن علينا أن نواصل استعراض أحداثنا العربية، كل من الموقع الذي عاشها فيه، لأن هذا هو واجبنا أمام الجيل الصاعد الباحث عن الحقائق تحت ركام العجرميات .ہ عضو لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الجزائري8