حظيت الثورتان التونسية والمصرية بتعاطف شعبي كبير، فقد كان الحدث فريدا وضرورة دعم شعبين شقيقين ذاقا المر المزمن ملحة. فيما تلقت الثورة الليبية دعما دوليا غير مسبوق. كان الموقف هو نفسه من الثورة السورية لكن التحدي، أو بالأحرى الامتحان، اختلف عن سابقيه. فقد مر الأسبوع والشهر والعام واعداد القتلى لا يتوقف بشكل أصبح تعاطينا معه رتيبا. وكنا، بكل تجرد، دون تطلعات الشعب السوري الذي ظن أنه سيحظى بالدعم العربي والدولي… لكنه فوجئ بلغة غير تلك التي خاطبت بها القوى الكبرى الليبيين، كما أن الدعم الشعبي فتر مع توالي الأيام إلى أن تلاشى.. ولما كان الشعب منقسما كما المعارضة فقد كان من الطبيعي أن تتردى الأوضاع بشكل مأساوي… لكن سورية ليست أول الأحزان، فقبل سورية وليبيا ومصر والعراق وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك كانت فلسطين، في أول الطريق.. والتي، كما سورية اليوم، سئمت من الكلام الأجوف وكثرة العنتريات وسل سيوف الخشب في وجه قوة الحديد والنار، والغريب أننا لم نذكر فلسطين حتى في سياق ثورات الكرامة والحرية- والتي يحاول البعض تقزيمها في ربيع عربي-، وحين طلب الفلسطينيون دعما شعبيا لانتفاضتهم الثالثة في مثل هذه الأيام من السنة المنصرمة، لم تصلهم سوى الشعارات الحماسية التي لا تصون عرضا ولا تحرر أرضا، تاركة الشعب الفلسطيني مرة أخرى وحيدا يواجه قدره بسلاح الإيمان وبشجاعته المتفردة، يقتل أبناؤه تحت أنظارنا الجامدة على حدود فلسطين المحتلة. أما الدبلوماسية العربية التي تترنح بين الشلل والفشل، فلا مقالة هي خير فيها من المثل الشامي القائل: ‘إلي جرب المجرب عقلو مخرب’، ففلسطين مدرسة سنظل ندفع الثمن غاليا في كل مرة لا نعتبر فيها من دروسها. غريبة هي تلك القناعة التي يتم ترويجها والتي تختزل الأزمة السورية في بشار! وهذا قطعا ليس دفاعا عنه إذا أخذنا بعين الاعتبار أن المعركة الحقيقة للسابقين بالثورات ابتدأت بالكاد بعد خلع زعماء الظلم. أما استغلال دماء الأبرياء لتصفية حسابات رخيصة مع النظام السوري الغاشم، فتلك جريمة لا تقل فظاعة عن سابقتها.
علينا مراجعة الطريقة التي نبني بها مواقفنا، ومعها فكرنا الذي يصنع أفعالنا، وأن نحسن اختيار المشاعل التي ستنير دروبنا، قادة كانت ثورتهم ذاتية بسيطة قوية في منطقها، غير متناهية في أبعادها، ثوار أدركوا أن خوض معركة الشرف أهم بكثير من كسبها، شخصيات من طينة الشيخ أحمد ياسين وأحمد زبانة والشريف محمد أمزيان وعبد الكريم الخطابي ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وموحا أوحمو الزياني وعسو اوباسلام والشيخ ماء العينين والشيخ أحمد الهيبة والشيخ مربيه ربه ويوسف بن تاشفين، والإمام الحسين عليه وعلى آل محمد أزكى الصلاة وأتم السلام.
مصعب السوسي – طنجة