تعد إمارة المؤمنين مدخلا مهما لفهم النظام السياسي المغربي، وعلاقة الدولة بالدين، وفي السياق المغربي على نحو خاص، يكتسي الأمر أهمية بالغة، لاسيما أن له دلالات متصلة بالتحولات السياسية والاجتماعية، التي شهدها المغرب ، والإصلاحات الجوهرية التي مست الحقل الديني، وأعادت تنظيم مجال حيوي يهم علاقة السلطان بالرعايا، على اعتبار أنه في السياق المغربي، يتميز الملك بصلاحيات دستورية متعددة؛ تتمثل أساسا في تدبير الشأن الديني، الذي يعد اختصاصا حصريا للملك، في سياق عصرنة الحقل الديني وتقييد مجال الفتوى على مؤسسات دستورية مثل المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه الملك.
ففي عمله الأخير «إمارة المؤمنين المرجعية الروحية لوسطية الإسلام»، الصادر عن المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع (الدار البيضاء / بيروت)، يشير المؤرخ عبدالله بوصوف إلى أن مؤسسة إمارة المؤمنين نشأت تيمنا بنموذج بيعة الرضوان (بيعة الولاء) التي قدمها المسلمون للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ أكثر من 14 قرنا، ويعتبرها وثيقة مؤسسة من الناحية التاريخية ومن ناحية الشرعية القانونية، على اعتبار أنها تؤسس لتعاقد تبناه المغرب وحافظ عليه، رغم توالي الظروف وتغير الأسر الحاكمة، بل يذهب أبعد من ذلك، إلى أن مؤسسة إمارة المؤمنين هي الركيزة الأساس أو المادة الأولية، على حد تعبيره، لكل محاولة تتغيى فهم دينامية العلاقة بين الدولة والمجال الديني.
وبالعودة إلى كتاب عبد الله بوصوف، يحاول الكتاب التفكير في معنى مؤسسة إمارة المؤمنين، ودورها في الأوقات الحرجة من تاريخ المغرب، مبرزا أن كل الإصلاحات المعتمدة وطيلة فترات طويلة من تاريخ المغرب سواء القديم أو الحديث والمعاصر، انبنت على الدولة المركزية ذات الخصوصية الدينية، التي تستمد من مؤسسة إمارة المؤمنين جوهرها في الحكم وفي تدبير العلاقة بين الدولة والدين، بل يشير الباحث ذاته إلى أن السياسة في المغرب خضعت لموازين دينية صرفة مبنية على التشريعات الإسلامية، بالموازاة مع الانفتاح على العادات والتقاليد والأعراف المحلية السائدة في المجتمع المغربي.
ويشير بوصوف في سياق متصل، إلى أهمية العمل على ضمان ذلك التواؤم الحاصل بين مبادئ الإسلام الأصيلة، وعلى اعتبار أن الإسلام دين الدولة المغربية، والبحث عن قيم الحداثة التي تراعي العيش في الزمن الحاضر، وما يفرضه من قيم تتصل بالدولة الحديثة والعلمنة والتحديث، عبر الاتجاه نحو الوسطية والاعتدال الذي يعبر عنه بوصوف بـ»قيم تمغربيت» التي تزخر بها الثقافة المغربية.
وإذا كان بوصوف في هذا الكتاب، يدعو إلى تغليب منطق القانون الوضعي والدمج بين الأصالة والمعاصرة عبر ترسانة قانونية ومقتضيات إجرائية تراعي خصوصية هذا البلد وتركيبته البشرية، إلا أنه يصر على العودة إلى كل ما هو ثقافي ومجتمعي وذا أبعاد أنثروبولوجية تتصل بطبيعة المجتمع المغربي، الذي يصفه عالم الاجتماع المغربي بول باسكون بالمجتمع المركب، وهذا التركيب يلخص هذا المزج بين قيم الحداثة وقيم الأصالة. من هنا يظهر بوصوف في هذا الكتاب عالم اجتماع أكثر منه مؤرخا، رغم اعتماده على المادة التاريخية، وتأسيسه لمتن يروم فهم علاقة الدولة المغربية بالدين الإسلامي، فهو يبرز مدى تمكن الباحث من استيعاب آليات اشتغال هذا الحقل الملتبس (أقصد الحقل الديني).
جاء الكتاب في 456 صفحة من القطع المتوسط، قدمه أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي، ويحوي ثلاثة أجزاء، يعالج في جزء أول منه، مسألة الميراث الملكي التاريخي قاعدة إصلاح الحقل الديني في المغرب، ثم يعود في جزء ثان لهذا الميراث الملكي ويناقشه في خضم تحديث الدولة، وفي الجزء الثالث، يناقش فكرة الحقل الديني المغربي، هل تجربة عادية أم نموذج يستحق التعميم؟ كما يضم الكتاب قائمة غنية بالمراجع، تدل على فهم المؤرخ عبد الله بوصوف للحقل الديني في المغرب، وما يطرحه من إشكالات ويثير من نقاشات في الأوساط الإعلامية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
إن عبد الله بوصوف في هذا الكتاب، ينحو نحو التجريب والتفكير والتجسير في قضايا شائكة، ويعيد صياغتها في معادلات يسهل فهمها وبسطها للباحثين، الذين يشغلهم هذا النوع من الموضوعات التي تتصل بـ»الدين» و»الدولة»، وتدبير هذه العلاقة في سياق ما عرف بعودة الدين، أو إزالة السحر عن العالم، كما عبّر عنه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. كما يُشيد بالعقلنة التي لامست هذا الإصلاح للحقل الديني، ويبرز أهمية مسايرة المجتمع المغربي للتحولات السياسية والثقافية والدينية، مع الحفاظ على الموروث الديني والبنيات القديمة، بالإضافة إلى العمل على إدماج هذه البنيات ضمن منظومة الحقل الديني الحالي، على اعتبار أنه حقل اجتماعي، يرمي إلى التأقلم مع احتياجات الأمن الروحي، وضمان السير العام للمرفق العمومي الديني الجديد، والتركيز على تكريس هذا الإصلاح الديني عبر نافذة التعاون مع دول القارة الافريقية، وتثمين هذا النموذج المغربي، المعتدل والمتسامح في حفظ الدين وضمان أداء المواطنين لشعائرهم الدينية، في أجواء تسمح بالاختلاف والنقاش الهادئ والحوار البناء، بغية بناء أخوة إنسانية قائمة على الإيمان بالآخر وباحترام معتقداته وقيمه الدينية والثقافية.
صحافي وباحث من المغرب