إذا أردت أن تعرف مستوى الانحطاط والإسفاف الذي بلغه الإعلام المصري الموالي لنظام السيسي، فما عليك سوى مشاهدة «قفشات» أحمد موسى. ولكن، لا بأس من أن تمسك قلبك حتى لا تنفجر غيظا ويرتفع مستوى الضغط لديك. أما إذا استطعت متابعة هذيان الرجل إلى النهاية، فستكون ولجتَ موسوعة «غينيس» من أبوابها الواسعة، باعتبارك أكثر الناس قدرة على الصبر لأطول مدة في زماننا المليء بالكائنات الخرافية.
منذ بضعة أيام، نسي أحمد موسى أن بيته أوهن من بيت العنكبوت، وليس حتى بيتًا من زجاج، فصار يرمي بيوت الآخرين بالحجارة. فبينما حاول الظهور بمظهر المدافع عن الحراك الجاري حاليا في لبنان، كان كلامه يوحي ضمنيا بالشماتة من هذا البلد، دولة وأحزابا واقتصادا وشعبا وحضارة؛ إذ طفق يقدم الدروس حول أهمية الثورة على الأحزاب والنظام والسلطة الحاكمة، ورمى بالكل في سلة واحدة. ونسي أو تناسى أنه مهما قيل عن لبنان، فهو على الأقل يتمتع بالتعددية السياسية والحزبية، ولكل فصيل الحق في التعبير عن رأيه والدفاع عنه. بخلاف ما يقع حاليا في النظام المصري، حيث لا حقّ لأحد في فتح فمه سوى النظام وتابعيه، ولا وجود لشيء اسمه المعارضة، فالكل يلهج بكلام واحد لا يخرج عن هوى «الرئيس». أما من رغب في الجهر بتفكير مغاير فمصيره غياهب السجون؛ وكأن السيسي يردد مقولة معمر القذافي غفر الله لنا وله: «مَن تحزّب خان»!
واللافت للانتباه أيضا أن أحمد موسى طفق يستعرض مظاهر تدهور الاقتصاد اللبناني، وكأن اقتصاد بلاده يحقق الرفاه للمواطنين المصريين. وزعم أنه فوجئ خلال إقامته بفندق لبناني بانقطاع الكهرباء لعدة ساعات، وقال ساخرا إن هذا لا يحدث سوى في لبنان وإثيوبيا! (والسخرية من إثيوبيا لم يأت اعتباطًا، وإنما هو ناتج عن الصراع الدائر بينها وبين مصر حاليا حول «سد النهضة»). ومعلوم أن الشخص المذكور رُفع عنه القلم، منذ زار اليابان، وتحدّث عن سعر خيالي للبنزين هناك، قبل أن ينال التقريع من لدن يابانيين في صفحة افتراضية على «تويتر».
بالنسبة للمحلل المصري عبقري زمانه، فإن العنصر الأساسي للاقتصاد اللبناني الذي هو السياحة، «يُضرَب» بهذه الأعداد الغفيرة من المتظاهرين المعتصمين في الميادين. ويضيف أن الشعب اللبناني يدفع الثمن، من وراء انهيار اقتصاد بلاده، حيث لا تصدير ولا استيراد… طيب، بماذا تنصحهم «حضرتك»؟ هل تقول لهم عودوا إلى بيوتكم، ولا تتظاهروا ضد الفساد السياسي والإداري والاقتصادي؟
وما دام الناس خرجوا إلى الشوارع في لبنان، ولم تمسسهم هراوات النظام ولا اعتقلتهم سيارات الشرطة أو الجيش، هل تجرؤ أنت أن تدعو رئيسك إلى السماح للناس «الغلابة» في «أم الدنيا» بالتعبير عن رأيهم في الميادين العامة؟ وما واقعة «رابعة» وغيرها ببعيدة!
صحيح أن فئات من المتظاهرين اللبنانيين تطالب باستبعاد كل وجوه الساحة السياسية الحزبية: سعد الحريري، حسن نصر الله، سمير جعجع، وليد جنبلاط وغيرهم… وصولا إلى الرئيس ميشيل عون؛ لكن هل باستطاعتك أنت أن تقول إنّ شريحة من الشعب المصري تطالب برحيل «الفرعون» المعاصر؟ أم إنهم ـ في نظرك ـ بايعوه زعيما خالدا يفعل في البلاد والعباد ما يشاء؟
وبما أنك ترى أن الحكومة اللبنانية تأخرت في اتخاذ قرارات هامة قبل نزول الشعب إلى الشوارع، فهل في ذلك إيعاز للمواطنين المصريين ـ أيضا ـ بالتظاهر، ما دامت حكومتهم الراضخة لأوامر العسكر تمارس سياسة التفقير والتجويع، متوعدة مَن يعارضها بالويل والثبور وعظائم الأمور؟
عقدة اسمها «بي بي سي» ومحمد علي!
مجدّدًا، عاد أحمد موسى إلى صب جام غضبه على قناة «بي بي سي» البريطانية. لكن الطريف في كلامه أنه زعم أن تلك القناة تابعة للمخابرات البريطانية، وتابعة في الوقت نفسه لجماعة «الإخوان المسلمين». إذن، فالمخابرات البريطانية ـ حسب خياله العجيب ـ ترعى الإرهاب، ما دام «الإخوان» جماعة إرهابية، كما يقول، وما داموا جميعا (المخابرات والإخوان) يدعمون القناة نفسها!
ألم أقل لكم منذ قليل إن الرجل مرفوع عليه القلم؟ وفي رواية أخرى، إنه يردد كلاما وشوش له به في أذنيه، من قبيل: إن «بي بي سي» تروج الشائعات والأكاذيب حول مصر وتقوم بدور تخريبي إزاء هذا البلد، من خلال استضافة «إرهابيين» يهاجمون الدولة المصرية.
وكمن يمتلك أحد أسرار الملك سليمان، قال موسى إنه سيعلن خلال الأيام المقبلة عن معطيات معززة بالوثائق، «سيشيب له شَعر الناس»، دون أن يضيف: «كما شاب لها شَعري». سيكشف أسرارا ضد من: ضد «بي بي سي»؟ أم ضد معارضي نظام السيسي؟
وإذا عُرف السبب بطل العجب، كما قيل. فموسى تلقى الإشارة من ربّـه، مباشرة بعد استضافة «بي بي سي» الفنانَ والمقاولَ محمد علي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس بفيديوهاته الثورية، حيث حاورته الإعلامية رشا قنديل لمدة تقارب نصف ساعة في برنامجها «بلا قيود»، وهو ما أغاظ الإعلام الموالي للنظام المصري، مع أن الصحافية المذكورة لم تجامل ضيفها أو تداهنه، وإنما مارست عملها بكل احترافية، إذ طرحت عليه أسئلة مستوحاة من كلام خصومه ومنتقديه. ولكن ما يبدو للإعلامي المحايد بديهيا ويندرج في صميم الممارسة الصحافية، يعتبره الإعلام التابع للنظام الاستبدادي جريمة لا تغتفر!
أيقونة الثورة اللبنانية لا تثق في التلفزيون!
عودة إلى موضوع لبنان. سرعان ما ولد الحراك هناك «أيقونته» المميزة، على غرار أيقونة الثورة السودانية، يتعلق الأمر بفتاة اسمها «ملك علوية»، هوت بركلة على رَجل أمن مكلف بحراسة أحد الوزراء اللبنانيين، والسبب أنه حاول إطلاق النار على المتظاهرين. وصارت الشابة المذكورة موضوعا لوسائل الإعلام، لاسيما بعدما زُفّت إلى خطيبها، أول أمس (الأربعاء)، وسط المتظاهرين، وهي مرتدية فستانًا أبيض. يبدو أن «ملك علوية» لم تعد تثق بالقنوات التلفزيونية اللبنانية، ولذلك رفضت إعطاء أي حديث صحافي. وحينما حاولت الإعلامية صبحية نجار إجراء مقابلة عليها، كان شرطها ألا تبث تلك المقابلة في أية قناة، فلم تجد الصحافية بُدًّا من إدراج ذلك اللقاء الصحافي القصير في حسابها بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر».
ركلة «ملك علوية» درس لكل وجوه الاستبداد وحماته، ولكل الإعلاميين المختصين في تجميل صورة الطغاة.
٭ كاتب صحافي من المغرب