تتصاعد وتيرة حركة المقاطعة الثقافية لروسيا في العالم أجمع يوما بعد يوم، وسط جدل كبير بين مؤيد لهذه الإجراءات ومن يرى فيها إجحافا بحق الفنانين الروس.
موضوع الفن تحت وطأة الصراع، الذي يتناول تأثر شروط ومضامين الإنتاج الفني بالتغييرات السياسية الكبيرة في العالم، وما يتبعها من حروب وعنف وتهجير، والتوقعات بتأثير هذه التغييرات في المستقبل.
وسط تزايد المقاطعة لروسيا في الأوساط الفنية الغربية، في إطار مساعي عزل موسكو، تم تأجيل أول معرض فردي (Esprits) في روسيا للفنان الفرنسي الراحل كريستيان بولتنسكي إلى أجل غير مسمى، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي كان من المقرر افتتاحه في 14 مارس/آذار في قاعة Manege المركزية للمعارض في سان بطرسبرغ، لكن ورثة بولتنسكي قرروا سحب المعرض وإعادة أعماله إلى فرنسا. هذا ليس حدثا عابرا إذا عرفنا من هو بولتنسكي وماذا سيكون موقفه لو كان على قيد الحياة، وهو موقف عبّر عنه ورثة أعماله «لم يكن كريستيان ليقبل العرض في بلد يغزو وطن والده عسكريا». فتمّ إلغاء أول معرض مخصص حصريا للفنان الفرنسي المعاصر، كرد فعل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
فنان المشاعر بامتياز
هو فنان المشاعر والتجارب بامتياز، كريستيان بولتنسكي من مواليد باريس عام 1944، والده طبيب ينحدر من مهاجرين يهود من أوديسا، ثالث أكبر مدينة في أوكرانيا. وقد نجا والده من الترحيل من باريس عن طريق الاختباء في مكان تحت ألواح الأرضية في شقة العائلة لمدة عام ونصف العام. فنشأ كريستيان في ظل نهاية الحرب العالمية الثانية مع هذه المعرفة القلقة، بطفولة معزولة، فأثّرت تجاربه المبكرة مع هموم الحرب على أعماله بعمق. هذه الواقعة أي إلغاء معرضه أعادتني إلى أبرز أعماله، وإلى تجهيز عرضه في القصر الكبير في باريس عام 2010 سمَّاه Personnes (الناس) ومن خلاله اختبرت تجربة مذهلة على الصعيد الجسدي والنفسي، في لحظة مشهدية مثيرة للأحاسيس، تتناول طبيعة ومعنى الإنسانية.
ففي القصر الكبير وفي صحن الكنيسة البارد، الرمادي والمظلم، وتحديدا في شهر كانون الثاني/يناير، أراد كريستيان، أن يكون عمله الفني، في هذا الوقت بالذات، فهو لا يريد لفضاء عمله أن يكون دافئا. فعند الدخول رهبة وسكون مُفزع، يمرّرَه لك المشهد، في زمنٍ يمتدُ بامتداد يقظتك، تمرّ عبر ممرات محددة بأعمدة معدنية، تحضُن مستطيلات، فتشعر وكأنك في جنازة جماعية. هذه الممرات تقود إلى مدخل جانبي، فيرى الزائر جبلا من الملابس ذات الألوان البرَّاقة والحيوية، نظنه بادئ الأمر جبلا من النفايات، لكن إعادة النظر مليا وقراءة بصرية متأنية، كفيلة بخلق حالة جمالية من نوع آخر.
تطالعنا على هذا الجبل، رافعة تحمل روبوتا Robot برتقالي اللون، يَغرز أنيابه في كومة الملابس ويخرج منها مجموعة، يصعد بها ثم ينخفض على الملابس ليرتاح. بالنسبة لبولتنسكي الروبوت هو يد الله التي تأخذ الحياة، وتضرب بالصدفة وبغير مبالاة على حد تعبيره، والملابس تمثّل كل واحد منّا. والمستطيلات كأنها أجساد تنتظر الموت، تُحيط بها أعمدة معدنية ومكّبرات للصوت، تبثّ نبضة قلبٍ مسجّلة. هذه المئات من القلوب التي تُمثِّل المئات من الناس، تظهَر على شكل جوقةٍ تصمُّ الآذان وتدعو إلى القلق وتوحي بدق الطبول وصوت القطار. هو عمل فني ضخم امتلك فضاء التجهيز، بتحقيق نوع من الإدهاش والصدمة للمتلقي. في هذه التكوينات تختفي احتفاليات الألوان وتحلّ محلها درجات متفاوتة من اللون الواحد الداكن، لذا تكتسب هذه الثياب حركتها، ليس من خلال الكثرة وحسب، لكن من التبدلات والانتقالات بين الفاتح والغامق؛ بين الضوء والظل.
هذا العمل الفني يوحي بالانتقال بين الوجود والعدم، وهو يخلق انعكاسا اجتماعيا ودينيا من الحياة، الذاكرة، الموت، القدر، التجريد من إنسانية الجسد. يقول بولتنسكي: «المشكلة ليست في ابتكار أعمال فنية، لكن معرفة ترجمتها. ليس ابتكار أشياء جميلة، إنما أعمال فنية تقدم أشياء للناس». لذلك نطرح السؤال لو كان بولتنسكي حيا ماذا سيقول إزاء ما يحصل من تهجير وموت مجاني في أوكرانيا؟ هل سيوافق على تقديم هذا المعرض ضاربا عرض الحائط ارتباطه بجذوره؟ بالتأكيد لا، بل كان سيتأثر بهذا الصراع الذي يتعلق بتاريخه، وهو الذي أنشأ في عام 1985 تركيبا ضوئيا – نصبا تذكاريا – تكريما لوالده الناجي من المحرقة. لذلك حدد ورثة الفنان أن «العرض في بلد يتجه إلى الغزو العسكري للوطن الأم لوالده سيكون مناقضا لفكر وفلسفة وأعمال كريستيان بولتنسكي».
المقاطعة الثقافية
بدأ بافيل بريجارا مدير مانيج Manege في مناقشة معرض محتمل مع بولتنسكي في عام 2020. ولم يتمكن من الزيارة شخصيا بسبب الوباء، لكنه شاهد مساحة المعرض في الصور ومقاطع الفيديو. يقول بريجارا «لقد كان سريعا في توضيح مفهوم العرض المستقبلي، وشرع في اختيار المعروضات له من آخر 10 إلى 15 عاما من عمله، بما في ذلك التركيبات الفنية الكبيرة ومقاطع الفيديو». يعد هذا الحدث هو المعرض الأخير الذي تمكن كريستيان بولتنسكي من العمل فيه، قبل وفاته في تموز/يوليو الماضي 2021، عن عمر يناهز 76 عاما.
أثناء التحضير للمعرض في مانيج، أشار بولتنسكي إلى يوم الأحد الدامي عام 1905، عندما أطلق أفراد من الحرس الإمبراطوري الروسي النار على متظاهرين غير مسلحين، ما أثار اضطرابات سياسية حاشدة دفعت البلاد إلى الاقتراب من إنهاء الحكم القيصري. في ملاحظاته، تخيل العمال المتمردين كأشباح تجول في قاعات العرض في انتظار إرسالها إلى الجنة أو الجحيم. إن الطريق المتخيل لهذه المناسبة يعبّر عن انعكاس للذاكرة ووقت الحياة، في ما يتعلق بالثورة الروسية عام 1905. يقول بريجارا إن بولتنسكي لم يكن يفكر في السياسة بقدر ما كان يفكر في «مصائر الموتى المتشابكة مع مصائر الأحياء». ومن وجهة نظره، فإن موضوع يوم الأحد الدامي هو بمثابة شوكة رنانة مأساوية للمعرض، تهدف إلى مواءمة المشاهد الروسي مع الأفكار التي تتجاوز بكثير حدود أي قصة شخصية.
محادثات حميمية
فإذا كان بولتنسكي قد كرّم في كثير من الأحيان حياة وموت الآخرين في عمله، كما فعل في تجهيزه في القصر الكبير «الناس» من خلال 30 طنا من الملابس مرتبة في شبكة مصحوبة بتسجيل عالٍ لنبضات القلب البشري، وكأنه مدرك لوقته المحدود على الأرض، ومتأمل مشاركة الجمهور لأحاسيسه حتى بعد موته، وهذا يتجلى بقوله، في حديثه لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2017 :«آمل أنه عندما أموت، فإن شخصا لا أعرفه في أستراليا سيحزن لمدة دقيقتين. سيكون شيئا رائعا لأنه يعني أنك لمست أشخاصا لم ترهم من قبل، وهذا شيء لا يصدق.«
إن توثيق الحياة بعمل فني هي أقصى حالات التعبير، فأعمال بولتنسكي تجسد قيمة الحياة اليومية ومأساة الواقع وهي بمثابة وثيقة فنية تاريخية مهمة تدل على محدودية الوجود البشري وإتمام الرحلة بنبضات قلب تؤكد رفض الموت، فلم تكن معارضه مناجاة آحادية، بل محادثات حميمية حول مسائل وقضايا ذات أهمية قصوى. فالفن بالنسبة لبولتنسكي هو الحصن المنيع، ضد النسيان والموت. وهذا على ما يبدو سيستمر بعد وفاته..
أكاديمية وتشكيلية لبنانية