بولندا علي سطح صفيح ساخن
منير عبد المجيدبولندا علي سطح صفيح ساخن الذي يميّز بولندا في اوروبا العلمانية هي كاثوليكيتها، فـ 99% من المواطنين (42 مليونا، هو عدد السكان الاجمالي) ينتمون روحياً الي الكنيسة الكاثوليكية، واكثر من نصف هؤلاء يُمارسها بشكل يومي. وتاثير الكنيسة تراه اينما حللت.لكن هناك مسالة لا تفسير علميا لها: اذا ساندت الكنيسة شخصية سياسية ما، سيقوم البولنديون بانتخاب خصمه. اليس هذا مضحكاً؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الصحافي والمعلق السياسي اللامع آدم زوستكييفيش من بوليتيكا الاسبوعية. وهذا علي ما يبدو هو جوهر تناقضات هذه الامة.والصورة المبالغ في تناقضاتها تتكرّر في طول البلاد وعرضها، بدءاً من شوارع العاصمة وارسو (النظيفة باتقان ملفت)، ابنية من القرون العابرة شملتها الحرب العالمية الثانية برحمتها فحافظت علي اناقتها البرجوازية المفرطة، الي جانب اشلاء كتل اسمنتية قبيحة بُنيت دون تذويق لتفي متطلبات الطبقة العاملة ابّان فترة الشيوعية، يُقابلها في الناحية الاخري من الشارع الرحب ناطحات سحاب، قلما تشاهدها في مدن اوروبا، قد تملكها سلسلة فنادق عالمية، او ربما بنوك انتشرت علي شكل فطر خلال السبعة عشر عاماً من عمر الجمهورية، وبعد تغيير النظام الشيوعي الي الديمقراطي الراسمالي، اثر توقيع معاهدة الطاولة المستديرة المعروفة عام 1989، والي الشارع البولندي الذي يضج اليوم بالنقاشات والخناقات السياسية الحارة. والفضل في ذلك، او المذنب فيها ان صح القول، يعود الي اخوين تؤامين يحكمان البلاد.ليك كازينسكي (عمدة وارسو السابق) هو الرئيس الحالي، وشقيقه التوأم ياروسلاف هو رئيس الوزراء. وهناك طرفتان متداولتان في الشارع. الاولي تتحدث عن وسيلة واحدة لمعرفة الفرق بين الاخوين، وهي ان علي سترة واحد منهما آثار شعر من فروة قط. والثانية تقول ان والدة الشقيقين هي التي تدير دفّة البلاد، لانهما لا يتخذان اي قرار دون الحصول علي موافقتها (رئيس الوزراء ما زال يسكن معها).الاخوان كانا عضوين نشطين وعملا مع ليك فاليسا (قائد حركة التضامن والرئيس السابق للجمهورية)، ولطالما اظهرا كرههما للشيوعية علي نحو اصولي. فبينما كان فاليسا يرغب بالتعاون مع الشيوعيين، كي يتم قلب نظام الدولة بهدوء ودون اراقة دماء، كان الاخوان يميلان الي ملاحقة الشيوعيين، لا بل وتصفيتهم ايضاً. من خلال حزبهما (القانون والعدالة PiS)، بدا وكانهما يشكلان معارضة سياسية جادة للجمهوريتين الاولي والثانية، بعد انقلاب فاليسا الابيض، وانضمام البلاد الي الاتحاد الاوروبي (2002).وبعيداً عن البرنامج الانتخابي، ظهرت الحقيقة وكانها اغتصاب للسلطة، وعمل منظم لافساد كل ما حاولت بولندا الحرة انجازه. هذه الطاقة السلبية التي شُكلت علي صورة محاربة الفساد في الجمهورية الثالثة (او جمهورية الاخوين)، ادت، وعلي نحو درامي، الي تعزيز دور جهاز المخابرات، الذي بات قوياً الآن، الي حد يذكر بفترة الشيوعية، يدعو الي القلق، حتي وسط المواطنين العاديين، الذين تشغلهم شؤون الكنيسة اكثر مما يجري علي الساحة السياسية.ووصول الاخوين الي سدة السلطة كان محالاً دون شراكة تكتيكية مع حزب فلاحين مناوئ للاتحاد الاوروبي، وحزب آخر كاثوليكي فاشي.هذا التحالف تعرض غير مرة الي التصدع، بسبب الخلافات الصاعقة، وتطرف بعض اقطابه. هذا الي جانب بعض الفضائح، ولغة تخاطب قذرة قلما تشهدها الديمقراطيات. اذكر (علي سبيل المثال) تشبيه الرئيس احد السياسيين الاشتراكيين بـ: سيئ الي حد انه يشبه مجرماً.والانتخابات الاخيرة، التي اوصلت الاخوين الي الحكم، لم تبلغ نسبة المواطنين المنتخبين الـ 50%، ونجاحهما مردّه الي تردّد الحكومة السابقة، التي كانت ائتلافاً يسارياً، تحوّل فيما بعد الي ما يشبه الديمفراطية الاشتراكية (كما في معظم منظومة دول حلف وارسو السابقة)، ورفض هذا الائتلاف التعاون مع الشيوعيين.وهدف الاخوين في تنظيف البلاد من الشيوعية، وملاحقة رموزها السابقين، مع اسقاط فكرة تصفيتهم، لم يحقق اهدافه حتي هذه اللحظة، بل ادي، ضمن العديد من الاسباب الاخري، الي وضع البلاد في حالة فوضي سياسية دون حدود. واحدي اسوأ نتائج هذه الفوضي تمثلت بتخلي اصدقاء بولندا التقليديين عنها، كفرنسا علي سبيل المثال، خاصة بعد تبعية سياسة البلاد الخارجية الي امريكا جورج بوش الابن ومشاركة القوات البولندية في تحالف احتلال العراق. والي جانب ذلك، ادي هذا الوضع الي بروز بعض رموز الكنيسة المتشددين، الي حد دفع واحدا منهم (القس ريدزيك) الي تأسيس راديو ديني اصولي يحارب كل ما يغاير مبادئ الكاثوليكية، حسب تعريفهم. ولهذه المحطة (رادو ماريا) ما يقارب 4 ملايين مستمع يومياً، معظمهم من الكبار في السن، والنساء منهم علي وجه الخصوص، المشككين في جدوي انضمام البلاد الي الاتحاد الاوروبي. وهو في الواقع ليس مجرد محطة اذاعية، بل منظمة دينية ـ سياسية، تمولها تبرعات الاعضاء (يقال ان بعض الجهات الرسمية هي الممول الرئيسي)، التي تجمعهم نواد خاصة منتشرة في كل انحاء البلاد. وسياسة هؤلاء واضحة جلية: لا اتحاد اوروبي، تجريم المثلية الجنسية (علي فكرة، رئيس الوزراء الحالي مثلي)، العداء للسامية، ووطنية فاشية.والكنيسة بشكل عام، تساند الحكومة الحالية، بالرغم من الاطر المرســـومة سلفاً لدورها وبعدم التدخل في المسائل السياسية. لكن هناك عددا متزايدا من رجال الدين، من الذين يبشرون بمعتقداتهم السياسة من خلال كنائسهم وابرشياتهم. لاحظوا مثلاً قيام قس باصدار فتوي بتكفير انتخاب المرشحين الشيوعيين.رغم هذا الدور الكبير للكنيسة، يدور الحديث قليلاً عن انقسام وضعف في الكنيسة لسببين، الاول دخول الاتحاد الاروربي بتشجيع ومباركة البابا جون بول الثاني (البولندي واسقف كراكوف السابق)، والثاني وفاة البابا اياه. وقد يكون الحديث عن شرخ في المجتمع البولندي امرا مبالغا فيه في الوقت الحاضر، الا ان القاعدة متوفرة الآن علي شكل رفض جيل الشباب لسلطوية الآباء والكنيسة، والتحول نحو الانفتاح الليبرالي الاوروبي.ولنعد الي دور الكنيسة. فتاريخياً، لم يضعف هذا الدور بعد انضمام البلاد الي الكتلة الشرقية الشيوعية وحلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي آنذاك. فالكنيسة الكاثوليكية احتفظت بقدرتها ومزاياها، ولم تكن، كما كان الحال في موسكو، مجرد ازياء وكواليس. وقد يكون احد الاسباب الرئيسية تعاون رجال الدين وعملهم في اجهزة المخابرات شريطة الابقاء علي نفوذهم. وهذا ما يقودني الي ذكر الدعوات الموجهة الآن الي ملاحقة هؤلاء، التي يعتبرها الكثيرون دون مبرر، لان ملاحقتهم كان يجب ان تتم مباشرة بعد سقوط الشيوعية، وليس بعد انقضاء سبعة عشر عاماً عليها.المشكلة الثانية التي تهدد البلاد هي الوضع الاقتصادي الحالي، وعملية تفريغ البلاد، شبه المنظمة، من اخصائييها الشبان. فاوروبا الغربية التي تعاني هذه السنوات من قلة الايدي العاملة (خاصة في ايرلندا والبلاد الاسكندنافية)، اجتذبت اليها اكثر من مليون بولندي خلال سنة واحدة.ورغم ان البلاد تشكو من نسبة عالية من العاطلين عن العمل (اكبر نسبة في اوروبا)، فان المحلل الاقتصادي ماتيوز فاليفسكي يراها كمشكلة. هو ليس قلقاً كثيراً، لانه يعتبرها وضعا آنيا لن يؤثر علي وضع البلاد الاقتصادي حالياً، ان لم يستمر. ويري في هجرة الايدي العاملة جانباً مضيئاً في ذات الحين. فهؤلاء العمال (خاصة في قطاع البناء والخدمات) يمدون عوائلهم في البلاد بمساعدات مالية مهمة، وعودتهم فيما بعد، ليس بسبب تحسن الامور المعيشية المتوقعة، بل بسبب ارتباطهم السيكولوجي بالعائلة واللغة والوطن، ستكون ذات فائدة كبيرة، كونهم اكتسبوا مهارات وخبرات جديدة.القطاع الزراعي شبه المتخلف، تعرض بدوره الي التجديد والمكننة. ففي اوائل التسعينات فتحت البلاد اراضيها للمزارعين والمستثمرين من اوروبا الغربية (المانيا، هولندا والدنمارك علي وجه الخصوص)، فنقل هؤلاء اعمالهم الي بولندا، ليتخلصوا من نسبة الضرائب الكبيرة والقيود البيئية المتشددة في بلادهم. وللعملة دائماً وجه آخر. فتحسن القطاع والمنتوج الزراعي الي درجة ملحوظة ساهم ايضاً في تلوث البيئة علي نحو مأساوي، مما يعتبر العائق الاهم في التركيز علي الانتاج الايكولوجي اسوة بدول اوروبا الغربية.والجدير بالذكر ان بولندا كانت الدولة الشيوعية الوحيدة التي لم تجرؤ علي تأميم القطاع الزراعي في البلاد وتحويله الي التعاونيات، لان هذا كان يعني اعدام اكثر من مليون فلاح وقفوا في خندق واحد، لتحقيق عملية التأميم هذه.القطاع الصناعي، كما يبدو، هو الذي خرج من المعمعة معافي. فمعامل القطاع العام التي بيعت (باسعار بخسة احياناً) الي القطاع الخاص، هي الي تتحمل مسؤولية الطفرة الصناعية الحالية. حتي يمكن الحديث عن سيليكون فالي في كراكوف (تيمناً بمنطقة الصناعة المعلوماتية الامريكية)، وافييشن فالي (صناعة محركات الطائرات في شرق البلاد المتاخم لاوكرانيا).وهنا ايضاً مسألة تجدر الاشارة اليها. فشركة كومارش المتخصصة بالبرمجة الالكترونية، تُعّد الآن واحدة من الشركات الرائدة في هذا المجال في اوروبا. وتوسعها يعود الي قلة النفقات والاجور بطبيعة الحال، لكن ايضاً بسبب انكباب الجامعات والمعاهد البولندية علي تعليم وتأهيل جيش جديد من الشباب الطموح والمجتهد في مجال المعلوماتية.اخلاقية البزنس هذه لا تلقي منافسة من بقية دول الاتحاد الاوروبي علي الاطلاق، وهذا مكسب قلما تصله بلاد طوت صفحة النظام الشيوعي منذ بضع سنوات. المسؤولون عن سيليكون فالي البولندية لا يخشون منافسة احد في القارة العجوز، فمنافسوهم ما زالوا علي مبعدة، انهم في الصين، الهند، بنغلادش وباكستان.اما شركة افييشن فالي اسوسييشن، فقد كانت احد الموردين الرئيسيين لمحركات الطائرات لقوات حلف الناتو، وكانت تركيبتها، من حيث الانتاج والادارة شيوعية مائة بالمائة، كما احب المدير الحالي ان يسميها. لكن، وخلال فترة وجيزة، وبعد دمقرطة البلاد ونقلها الي ملكية القطاع الخاص، وجدت الشركة نفسها وحيدة مع 11 الف عامل ودون زبائن.قام المدراء حينذاك بشراء كتب عن الادارة والتسويق، وحصلوا علي عناوين زبائن محتملين في اوروبا بالاتصال بالملاحق الاقتصادية في سفارات هذه الدول.حماس الادارة والعاملين علي وجه الخصوص (المنطقة كانت من افقر البقاع الاوروبية)، جعل الآن هذه الشركة ايضاً، رائدة في مجال صنع المحركات المتطورة للغاية، وخاصة الطائرات الحربية الامريكية.نجاح بضع شركات لا يكفي لحل مشاكل البلاد. فبولندا بلد يرتكز علي سطح صفيح ساخن. قد تصح مقولة انه عملاق اقتصادي نائم في قلب القارة. الا ان اندماج هذا البلد في اوروبا علمانية، فصلت تأثير الكنيسة عن الدولة منذ اجيال، يبدو صعب المنال في المستقبل المنظور. هذا بالاضافة الي ما يلحق بتاثير الكنيسة من مشاكل تتعلق بحرية الاجهاض، تحالفها مع النظام الشيوعي الاسبق، ودورها، ودور الامة بالمقابل، في ملاحقة اليهود وجعلهم وقوداً لمحارق النازيين في جنوب البلاد.لكن من يدري! فالمشروع الاوروبي ليس اصماً، وقد يحمل معه مفاجأة لا تقل عن مفاجأة اسبانيا، التي لم تكن اقل كاثوليكية من بولندا. انظروا الي حال اسبانيا الآن.ہ ناقد سوري مقيم في الدنماركهذا المقال هو خلاصة دراسة موسعة قمت باعدادها، اثر زيارة استطـــــلاعية نظمــــــتها اغاتا اوتنيكا Agata Utnicka وبدعوة مــــن معهـــــد روبيرت شومان (Polska Fundacja Imienia Roberta Schumanaالبولندي لمجموعة من الصحافيين من مختلف دول الاتحاد الاوروبي8