لندن – “القدس العربي”:
يهدد الكونغرس باتخاذ قرار بفرض عقوبات على السعودية في أعقاب جريمة مقتل خاشقجي التي تقول السلطات التركية التي ارتكبت الجريمة على أراضيها أنها تمت بقرار على مستويات عليا.
ويرى المحللون والمراقبون للشأن السعودي أن قرارا بمقتل صحافي ناقد للنظام السعودي خاصة ولي العهد لم يكن ليتخذ بدون موافقة منه، خاصة أنه الحاكم الفعلي للبلاد. وقد وضعت الجريمة العلاقات الأمريكية-السعودية أمام منعطف كبير، فمن ناحية حرصت الإدارة الأمريكية على طرح فكرة العلاقات القوية وصفقات الأسلحة كمبرر لعدم معاقبة النظام السعودي الذي غير روايته أكثر من مرة.
ومن ناحية أخرى يتعرض البيت الأبيض لضغوط من المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين لعمل شيء والحد من نزعات ولي العهد المتوترة. وأكثر من هذا فالجريمة وتداعياتها تعتبر امتحانا للرئيس دونالد ترامب الذي طالما لوح بسلاح العقوبات ضد الأعداء والأصدقاء. وبحسب ناحال توسي من مجلة “بوليتكو” فمقتل خاشقجي يعتبر امتحانا لهوس ترامب في العقوبات. وعلق قائلا إن إدارة ترامب التي رفعت شعار “أمريكا أولا” أدهشت النقاد من خلال استعدادها لفرض العقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في العالم ولكن مقتل خاشقجي “يواجه هذا الاستعداد أكبر امتحان له”. فمنذ وصوله إلى السلطة سمح ترامب باستخدام القانون الجديد المعروف باسم “قانون ماغنستكي” لفرض عقوبات على 80 كيان وشخص حول العالم بسبب انتهاكهم حقوق الإنسان وفي قضايا فساد. ويتراوح المستهدفون من جنرالات ميانمار إلى مسؤولين نيكاراغويين والرئيس الكمبودي السابق.
وكان معظم من فرضت عليهم العقوبات أشخاص وكيانات لا تمثل مصالح حيوية للولايات المتحدة. بعكس قضية خاشقجي التي نحيت فيها المسؤولية على قيادات عليا في النظام السعودي والذي يعتبر حليفا حيويا للولايات المتحدة. ويرى مسؤولون تحدث إليهم الكاتب أن مساعدي ترامب يميلون نحو استخدام قانون ماغنستكي ضد بعض المسؤولين السعوديين. وأعلنت الإدارة عن سحب وإلغاء المتورطين في الجريمة والذين اعتقلتهم السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي في 2 تشرين الأول (أكتوبر). ومع اقتراب موعد القرار فإن الناشطين والمشرعين ينتظرون فيما إن كان ترامب سيستهدف تحديدا ولي العهد السعودي صديق مستشاره وزوج ابنته جارد كوشنر والذي تعهد بشراء أسلحة بمليارات الدولارات. ويقول ناحال توسي إن بعض المحللين يشكون في أن الضوء الأخضر لعملية القتل جاء من محمد بن سلمان المعروف باسم “م ب س”. ويرى النائب الديمقراطي عن ولاية نيوجرسي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية عن حقوق الإنسان توم مالينوسكي أن عقوبة للأمير ” ستكون رسالة أنه يجب عدم منح هذا الشخص مفاتيح المملكة للخمسين عاما المقبلة”. وفي المقابل ففرض عقوبات على الملك القادم قد يضر بالعلاقات مع السعودية التي تعد منتجا كبيرا للنفط وحليفا ضد إيران. كما وسيضر قرار بهذا الاتجاه بالعلاقات الاقتصادية مع السعودية التي تتداخل فيها ثروة العائلة بالدولة. وتعتبر السعودية من كبرى الدول المستثمرة في العالم ولديها استثمارات في شركات التكنولوجيا مثل أوبر وتيسلا ووي ورك. ويرى روب برسينتشكسي من مدونة “هيومان رايتس فيرست” أن “عقوبات متعجلة قد تؤدي إلى فوضى”. وهذا لا يمنع من عقوبات اقتصادية من نوع ما. ففي مكالمته مع ولي العهد السعودي يوم الأحد أكد مايك بومبيو وزير الخارجية أن الولايات المتحدة ستحاسب قتلة جمال خاشقي وعلى السعودية عمل نفس الأمر. ولم يقدم بومبيو أية اشارات إن كان ولي العهد نفسه في ورطة. وليست هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها ترامب قانون ماغنستكي لفرض عقوبات على مسؤولين كبار. ففي بداية العام الحالي فرضت الإدارة عقوبات على وزيرين تركيين لهما علاقة بسجن القس الأمريكي أندرو برونسون. ويعلق توسي إن العقوبات على دولة عضو في الناتو كانت بمثابة توبيخ نادر ويبدو أنها أسهمت في الإفراج عنه الشهر الماضي، خاصة أن قضية القس كانت مهمة لقاعدة ترامب الإنجيلية. ورفعت الولايات العقوبات عن المسؤولين التركيين بعد عودة القس للولايات المتحدة. وقال السيناتور الديمقراطي روبرت مينديز والعضو البارز في لجنة الشؤون الخارجية:”عندما يريد ترامب التحرك سريعا في مجال حقوق الإنسان فإنه يفعل”. وأضاف:”قامت إدارة ترامب باستخدام قانون ماغنستكي ضد المسؤولين الأتراك في غضون أيام ويجب أن تفعل نفس الشيء في العقوبات المتعلقة بقضية خاشقجي”. وتعود جذور قانون ماغنستكي للأيام الاخيرة لباراك أوباما الذي وقعه وفعله كقانون. وصمم لمعاقبة منتهكي حقوق الإنسان في روسيا. وماغنستكي هو سيرغي ماغنستكي، المحامي الروسي الذي سجن بسبب تحقيقاته بملفات فساد تتعلق بالكرملين. ويعطي القانون الدولي لماغنستكي الرئيس الأمريكي الصلاحية لفرض عقوبات ضد منتهكي حقوق الإنسان في العالم. ومن يتعرض للعقوبات بناء على هذا القانون، سواء كان شركة أو شخصا يواجه عقوبات مثل تجميد أرصدته ومنعه من التجارة مع هيئات وأشخاص أمريكيين. ولا تستطيع المصارف العالمية ذات العلاقة المالية مع الولايات المتحدة التعامل مع من شملتهم العقوبات بناء على ماغنستكي بشكل يقيد من حريتهم في سحب أرصدتهم ومصادرهم المالية أو السفر. ولم يكن أحد يتوقع استخدام ترامب القانون خاصة أنه لم يظهر اي دعم لحقوق الإنسان في حملته الإنتخابية. فدعواته لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة جعلت الكثيرين يقلقون من دعمه للأساليب المنتهكة لحقوق الإنسان.
لو لم تقم إدارة ترامب بمعاقبة المسؤولين السعوديين فستتهم بالنفاق في مجال حقوق الإنسان.
وكان شعاره “أمريكا أولا” دعوة للعزلة وتودد للأنظمة القمعية في العالم. إلا أن الإدارة رأت منذ البداية في العقوبات كوسيلة ناجعة في السياسة الخارجية. بل وقام ترامب باستخدام قانون ماغنستكي ووقع العام الماضي أمرا لتخفيف القيود التي يفرضها القانون لكي يسهل على الإدارة استهداف من تريد. وفرضت الإدارة منذ كانون الأول (ديسبمر) عقوبات بناء على القانون على 26 شخصا و58 كيانا حسب وزارة الخزانة التي تقوم بفرض العقوبات. ففي ميانمار فرضت عقوبات على جنرالات لهم علاقة بمذابح المسلمين الروهينجيا. وفي نيكارغوا عوقب مسؤولون لاستخدامهم العنف ضد محتجين. وعوقب يحيى جامع الرئيس الغامبي السابق الذي اعتمد على فرق لملاحقة معارضيه في الوقت الذي سرق فيه من خزينة الدولة. وتم استهداف دان غيرتلر، رجل الأعمال الإسرائيلي الذي اتهم بعقد صفقات غير شرعية مع جمهورية الكونغو الديمقراطية.
مراقبون يخشون من معاقبة إدارة ترامب أشخاصا تقدمهم العائلة السعودية الحاكمة ككبش فداء.
وقال متحدث باسم الخزانة إن الإدارة تركز على هذا الموضوع وستواصل اتخاذ قرارات ضد أهداف متعلقة بحقوق الإنسان والفساد حول العالم”. وقال المتحدث إن الإدارة استخدمت برامج أخرى للعقوبات وفرضت حظر على 400 شخص وأكثر من 85 منظمة وشركة. ومن الصعب مقارنة العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان التي فرضها الرؤساء السابقين بما قام به ترامب. فهذا هو أول رئيس لديه وسيلة لفرض العقوبات. وحسب بعض أعضاء الكونغرس فقد استخدمه أكثر من مرة وبعضهم يحثه على استخدامه أكثر. فقد طالب سيناتورات بقيادة الجمهوري ماركو روبيو وكريس ميرفي الرئيس فرض عقوبات على مسؤولين صينين بناء على القانون بسبب علاقتهم في انتهاكات حقوق المسلمين في شمال-غرب الصين واعتقالهم في معسكرات جماعية. وفي حالة خاشقجي وقع 22 سيناتورا على رسالة حثت فيها الرئيس التحقيق وتحديد المسؤولين عن تعذيب وقتل خاشقجي. وحددوا 120 يوما كما يقضي القانون. وسيقرر الرئيس في النهاية. ولو لم تقم إدارة ترامب بمعاقبة المسؤولين السعوديين فستتهم بالنفاق في مجال حقوق الإنسان، خاصة عندما يتعلق الأمر بحلفاء قمعيين مثل السعودية. ولكن مراقبين مثل مالينوسكي يخشون من معاقبة إدارة ترامب أشخاصا تقدمهم العائلة السعودية الحاكمة ككبش فداء. ويرى ناشطون ان العقوبات يجب أن تكون بالترادف مع تحقيق مستقل في مقتل خاشقجي. وترى سارة مورغان من هيومان رايتس ووتش ” نحن في هذا الوقت أمام فرصة تعيد فيها الولايات المتحدة النظر في شراكتها مع السعودية والتفكير بالدور الذي يجب ان تلعبه حقوق الإنسان”. وأضافت “فرض عقوبات ستكون خطوة إيجابية لكنها ليست الخطوة الوحيدة”.