بوليتكو: في ولاية ميتشغان المتأرجحة.. بايدن خسر العرب الأمريكيين الغاضبين من دعمه لإسرائيل

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “بوليتكو” تقريراً عن ميتشغان، التي تعد من الولايات المتأرجحة عادة في الانتخابات الأمريكية، قالت فيه إنه من المرجح أن يلعب النزاع الدائر في غزة سيلعب دوراً في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.

وفي التقرير، الذي أعدته تينافي ميرسا، من فارمينغتون هيلز في ميتشغان، بدأت بمقابلة في مسجد  فارمينغتون هيلز مع عمران شحادة (37 عاماً)، وهو طبيب تحدث عن مقتل ابن عمه طبيب الأسنان وابنته وابنيه، السبت، قبل أسبوعين.

وفي يوم الإثنين، قُتل أربعة أقارب، منهم امرأتان في العشرينات من العمر. وبعد ساعتين من وصوله إلى المسجد، اتصلت به شقيقته من غزة وهي حزينة، لتخبره أن البيت القريب قُصف، وقُتل فيه عشرة، أحدهما قريب لوالدهما. وقال شحادة: “تقول شقيقتي إنها تشم رائحة الدم  والحريق من بيتها”. وفي نفس اليوم شكّك الرئيس جو بايدن بأرقام وزارة الصحة الفلسطينية عن عدد ضحايا الحرب الحالية، مع أن الباحثين والأمم المتحدة لم يشككوا في أرقامها.

وفي يوم الجمعة، قال وزير الخارجية أنطوني بلينكن إن حصيلة القتلى من الفلسطينيين هي أعلى من الأرقام المعلن عنها. ورغم التظاهرات في واشنطن ونيويورك وحول العالم المطالبة بوقف إطلاق النار، رفض بايدن الفكرة إلى جانب الجمهوريين والديمقراطيين الذين يدعمون الرد الإسرائيلي القاسي على هجمات “حماس” في 7 تشرين الثاني/أكتوبر، ويعتبرون أن لها حق في الدفاع عن النفس. وفي ذات الوقت تقدم عدد من الجمهوريين بمشاريع قرارات تحظر منح الجنسية للفلسطينيين، وتسحبها في حالات أخرى. وصوّتَ 22 ديمقراطياً على مشروع قرار تقدّمَ به الجمهوريون لتعنيف النائبة الفلسطينية الوحيدة في الكونغرس، رشيدة طليب، لأنها دعمت الفلسطينيين فيما رآه النواب معاداة لليهود.

ديربورن بلد شركات ونقابات ومهاجرين. وصل إليها أول المهاجرين العرب في بداية القرن الـ 19، وكانوا من مسيحيي لبنان وسوريا الذين بحثوا عن فرص عمل في قلب الازدهار الصناعي الأمريكي

 كل هذا لا يرضي العرب في ديربورن، التي يعيش فيها أكبر تجمع للعرب الأمريكيين.

وقال شحادة: “اللاأخلاقية التي نعيشها اليوم مثيرة للدهشة”، و”يرى الناس هذا، وترى حكومتهم هذا، ولا أحد يعمل شيئاً”.

ويعيش في ديربورن، التي تحاذي فارمينغتون هيلز، التي تبعد نصف ساعة بالسيارة عن ديترويت، مزيج متنوع من العرب، مسيحيين ومسلمين، جاء أجدادهم من لبنان وفلسطين التاريخية، أو قدِمَ بعضُهم قبل عقد من اليمن وسوريا ودول عربية أخرى.

وما يجمع العرب في ديترويت اليوم هو حسّ الهجران من الممثلين الذين انتخبوهم ليمثلوهم في الحكومة. فمع تجاوز أعداد القتلى  في غزة العشرة آلاف، يشعر السكان بالدهشة من موقف البيت الأبيض غير المبالي لحياة الفلسطينيين ودعمه غير المشروط لإسرائيل.

وبحسب استطلاع أجراه المعهد العربي بواشنطن، فقد تراجعَ الدعم بين العرب الأمريكيين لإعادة انتخاب بايدن في 2024 بنسبة 42%، وتدعم نسبة 62% من العرب الأمريكيين، وعلى مستوى البلاد، وقف إطلاق النار بغزة، ويطالبون بوقف الدعم العسكري لإسرائيل. وقال الكثير من العرب الأمريكيين الذين صوتوا لبايدن عام 2020 إنهم يفكرون مقاطعتها في العام المقبل.

وتقول تكوين دويك (53 عاماً)، المستشارة النفسية  التي كبرت في مخيم الشاطئ، شمال غزة، والذي كان عرضة للقصف الجوي، إنها فقدت قريباً، وكذا زوجها، الذي فقد طفلة لأحد أبناء عمومته نتيجة للقصف، إلى جانب جرح أعداد آخرين، و”ما يجرح هو أن السلاح يدفع من أموال الضريبة” و”يستخدمون السلاح لقتل الأعزاء علينا”.

 وتمثل طليب المنطقة المجاورة لحيّها، لكن دويك غاضبة من تضايق النواب من كلامها بدلاً من التعبير عن القلق على “موت الأطفال في غزة”. و “لم تقل طليب هذه الأمور من فراغ”، و”الشعب الفلسطيني يعاني من سنين، ولا أعرف لماذا قرروا تجاهل هذا”.

وفي الإحصائيات الرسمية يتم تصنيف العرب مع السكان البيض، ما يمحو الكثير من التحديات التي تواجه التحديات الخاصة التي يعاني منها هذا المجتمع، كما تقول ريما مروح، من الشبكة الوطنية للمجتمعات العربية الأمريكية، وتعود جذورهم إلى 22 دولة، من السودان ومصر ولبنان، فالعرب في ميتشغان ليسوا مجتمعاً واحدة، فتجاربهم ومعتقداتهم وجنسهم ومشاكلهم تتراوح وتتباين، وكذا مواقفهم السياسية ليست ثابتة طوال الوقت. ففي عام 2000 كان العرب الأمريكيون منطقة جمهورية وثق بها الجمهوريون، لكنهم حولوا أصواتهم للديمقراطيين في مرحلة ما بعد 9/11  وصوتت نسبة 74% منهم لبايدن.

وتعتبر ديربورن بالمعنى الأساسي وسط غرب، بلد شركات وبلد نقابات وبلدة  مهاجرين. وأول المهاجرين العرب وصلوا إليها في بداية القرن التاسع عشر، وكانوا من مسيحيي لبنان وسوريا الذين بحثوا عن فرص عمل في قلب الازدهار الصناعي الأمريكي.

ومع انهيار الصناعة في ستينيات القرن العشرين، كان لدى البلدة وجود عربي كبير جذب قادمين جدداً. وجاءت موجات عربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من سوريا ولبنان وفلسطين واليمن هرباً من النزاعات، وبحثاً عن الحرية الدينية والمدنية والازدهار. ولم يتم الترحيب بهم دائماً، ففي مرحلة ما بعد هجمات 9/11 لم يكن العرب عرضة لمخاطر إسلاموفوبيا، ولكن الرقابة والتنميط الحكومي، وعانت ديربورن الأمرين. ولا تزال الغالبية العربية تمثل جوهر البلدة، حيث تظهر من خلال المحلات وفروع البيرغر الحلال ومحلات الدجاج ومقاهي الشيشة والمقاهي اليمنية المتركزة وسط المصانع والطرق الواسعة، وتنتشر يافطات المحلات المكتوبة بالعربية وفي كل مكان.

ورغم التعقيدات داخل المجتمع العربي في ديربورن إلا أن القضية الفلسطينية تظل الموحد الأكبر للعرب الأمريكيين، وبحسب المعهد العربي الأمريكي باستطلاع أجراه هذا العام، فإن الحقوق الفلسطينية هي أهم شيء ظهر عندما سئل المشاركون عن العلاقات العربية- الأمريكية، وهم من الجيل الذي يتراوح عمره ما بين 18-49 عاماً، أما الجيل الأكبر سناً من 50 عاماً إلى ما فوق، فعادة ما يتحدث عن الأزمات الإنسانية في لبنان وسوريا.

 وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، فإن الجيل الشاب والأكبر عمراً من العرب الأمريكيين  في ديربورن اصطفوا معاً لدعم الحقوق الفلسطينية. وبحسب الاستطلاع للمعهد العربي الأمريكي فإن “أعلى مستوى للدعم [ بيت العرب الأمريكيين] للحقوق الفلسطينية والمستوى السلبي من سياسات الرئيس مشتركة بين كل جماعة ديمغرافية غطاها الاستطلاع- العمر والجنس والمستوى التعليمي والمهاجر/ المولود في البلد”. وبعبارات أخرى “فالأحداث الحالية في غزة جلبت المعضلة الفلسطينيية للأمام”، كما يقول أسامة سبلاني (67 عاماً) الناشر  لصحيفة “أرب أمريكان نيوز”. وبعد الهجمات مباشرة ظهرت الخلافات العربية اليهودية، وكما نشر نيراج واريكو في “ديترويت فري برس” “في ديربورن، ركز المتحدثون على عقود من المعاناة بين الفلسطينيين  وهاجموا الساسة لدعمهم حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية، أما في ساوث فيلد، فقد كان التركيز على معاناة الإسرائيليين، حيث وصف المتحدثون الجانب المعارض بالشر.

وأدت مشاركة السناتور الديمقراطي عن ميتشغان غاري بيترز، وحاكمة ميتشغان الديمقراطية غريتشن وايتمير في تظاهرات ساوث فيلد لغضب العرب الأمريكيين. ورقص هؤلاء الساسة مع الذين أموا الكنيس، وعبروا عن تضامنهم معهم بدون أي اهتمام وتضامن مع المجتمع العربي الأمريكي الذي يعيش الحزن. وتزايد السخط مع مرور الوقت، وكانت الحاكمة ستلقي خطاباً في تجمع خاص لجمعية خيرية في عيادة بديربورن، في 29 تشرين الأول/أكتوبر، لكن المشاركة ألغيت. وبعد ذلك أصدرت وايتمير بياناً قالت فيه إن مشاركتها “كانت ستحرف النظر” عن تطور الأحداث، وهي تركز بدلاً من ذلك على العمل مع الكونغرس “لجلب العائلات العالقة في غزة لبيوتهم في ميتشغان”.

ويقول سيبلاني إن الناخبين يعون أن ولاية وايتمير مستمرة لثلاثة أعوام، ولكنهم يعون احتمالية طموحات لها في واشنطن، ولهذا سيحاولون التواصل معها بانتقائية كحاكم، و”لو جئت لنا  كممثل عن جو بايدن فالباب مغلق”.

سبلاني: دعم الديمقراطيين إسرائيل بالسلاح صورة عن النفاق الصارخ.. الروس يحتلون أوكرانيا وتعطي الأوكرانيين المال لقتال المحتل، وهنا تعطي إسرائيل السلاح لمواصلة احتلال الفلسطينيين

ويشعر الكثيرون بالإحباط من تأطير النزاع عبر منظور ديني ضيق، وتقول مروح: “هذه ثنائية كاذبة، إذ لا يعني دعمك لحياة الفلسطينيين أنك معاد للسامية”. وليست هذه هي المرة الأولى التي تقسم القضية الفلسطينية المنطقة، ففي آذار/مارس ألقت ناشطة فلسطينية كلمة بمدرسة ثانوية بمدرسة بلومينغتون هيلز التي تعيش فيها أقلية يهودية كبيرة، أدت لاستقالة مدير المدرسة ومفتش الشرطة. وأخبرت الناشطة “ديترويت فري برس” أنها دعيت للمشاركة في جهد يدعم التنوع. وفي الكلمة قالت إنها ناقشت الوضع في غزة، ولكنها تحدثت عن تجربتها في النشوء في هذه المدينة. وقال ماثيو كلارك، مدير الفرع المحلي لـ “صوت يهودي من أجل السلام”، إن الجدل حول كلمتها أرسل رسالة أن الحديث عن فلسطين ليس مرحباً به. وبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بات الحديث والتواصل بين الإمام والحاخام الذي كان يتم بطريقة عادية، غير سهل.

وقال الباحث سليمان هاني، المقيم في مسجد فارمينغتون هيلز: “تم امتحان العلاقات بطرق خطيرة”، و”كان علينا أن نقرر، هل  لدينا استعداد لتنحية الخلافات جانباً، والتي كنا نعرفها في السابق، أو أنها أصبحت خطاً أحمر”.

وفي يوم الخميس، كان سبلاني يحضر لشحن العدد الأخير من “أرب أمريكا نيوز”، والتي بدأها عام 1984، واستخدم في العدد السابق كلمة “إبادة”، وظهر على الجانب الأعلى من الصفحة الأولى صورة بايدن ونتنياهو مع كلمة “دعاة الحرب”. وكان العدد الأخير يشجب إدارة بايدن: “لقد خسر صوتنا”. وعبّر سبلاني عن إحباطه من الإدارة الأمريكية التي تستخدم لغة مراوغة، ولكنه في هذه المرة يشعر بالحزن. وقد هاجر إلى أمريكا عام 1976 ويقول إنه لا يشعر  بالسرور لرؤية قتل الأطفال والنساء والرجال الإسرائيليين وحتى الجنود لديهم عائلات: “وفي الوقت نفسه أرى مأساة الفلسطينيين”.

ويقول إن دعم الديمقراطيين إسرائيل بالسلاح يزيد من الضحايا المدنيين على الجانب الفلسطيني وصورة عن النفاق الصارخ “الروس يحتلون أوكرانيا وتعطي [الأوكرانيين] المال لقتال المحتل، وهنا تعطي إسرائيل المال والسلاح لمواصلة احتلال الفلسطينيين”.

وتساءل عن السياسة المتماسكة، وأين هي؟ وبالنسبة لسبلاني وغيره فقد تجاهلت إدارة بايدن مظاهر قلق وحزن الأمريكيين وكانت مترددة في جلب الأمريكيين العالقين في غزة. وتحولت جهود البيت الأبيض الأخيرة لطمأنة المجتمعات العربية والمسلمة إلى كارثة . وقال سبلاني: “لن نصوت لهؤلاء الأشخاص، وسنعرّفهم بقيمة صوتنا”، و”يجب أن تكون أمريكا منصفة، وهذا الإنصاف يعني البحث عن حلول للمشاكل، وليس المضي لزيادة المشاكل في العالم”. ورفض بايدن لا يعني دعماً مباشراً للجمهوريين و”لن نعطي صوتنا للجمهوريين ولن نعطيها للديمقراطيين في انتخابات الرئاسة ومجلس الشيوخ”. وستكون النتيجة متقاربة وسنعلّم الديمقراطيين درساً حول ضرورة الاستماع لناخبيهم. ومن “الخطأ التفكير أن التصويت الغاضب لا قيمة له”. وقال مدرس إنه يتذكر منذ 2004 فكرة التصويت لأقل الشرين كمبرر لمنح الديمقراطيين الصوت العربي، و”لا أعتقد أن أي شخص يشتري هذا، ولا يريد الناس أن يحشروا بالزاوية”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية