بوليتكو: نموذج أوروبا لمكافحة الهجرة يساعد حكاما ينتهكون حقوق الإنسان وينشرون الكراهية ضد الأجانب

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:

نشر موقع “بوليتكو” تقريرا لباولا تاما قالت فيه إن النموذج الأوروبي عن الهجرة هو عنصرية الرجل القوي في تونس. وقالت إن شركاء الاتحاد الأوروبي على الجانب الآخر من البحر المتوسط يقومون بحملات عنف وتهجير جماعي وقمع سياسي.

وفي التقرير الذي أعدته من مدينة صفاقس الساحلية، قالت إن فاطمة توراي استفاقت على صوت الصياح وقرقعة علب الغاز المسيل للدموع التي تدحرجت في البيت الذي كانت تعيش فيه. وسافرت توراي، 22 عاما، من سيراليون إلى صفاقس لزيارة صديق لها، لكن العنف اندلع بعد مواجهة بين المهاجرين الأفارقة من دول الصحراء والسكان المحليين أدى لمقتل رجل تونسي. ودفعت الشرطة فاطمة وابنها خارج البيت ثم إلى مركز الشرطة و”فجأة شاهدت في الصباح حافلة كبيرة” و”حاولت السؤال عن سبب جلب الحافلة؟ إلى أين سيأخذوننا؟ وقالوا إنها من أجل سلامتنا”.

 إلا أن الحقيقة كانت مختلفة تماما، فقد كانت توراي وابنها من بين 1.000 أفريقي اعتقلتهم السلطات التونسية ونقلتهم إلى الحدود مع ليبيا، تاركة إياهم لمدة شهر بدون طعام أو ماء أو ظل من الشمس. ومات على الأقل 27 شخصا نقلوا قسرا إلى المنطقة، وذلك حسب السلطات الليبية. وتعتبر تجربة توراي جزءا مما تسميه الأمم المتحدة “المعاملة العنصرية والطرد الجماعي الذي استهدف المهاجرين من دول الصحراء”، بمن فيهم طالبو اللجوء واللاجئون وحملة التأشيرات السياحية القانونية والتي قامت بها الحكومة التونسية في وقت كانت تتفاوض فيه مع بروكسل لتخفيض عدد المهاجرين الراغبين بالمغادرة عبر شواطئها.

أنهى الاتحاد الأوروبي اتفاقا متعدد الأوجه مع الحكومة التونسية، يشمل أيضا حزمة مساعدات بمليار يورو مقابل الإجراءات الأخرى، ومنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور البحر المتوسط إلى أوروبا

وفي منتصف تموز/يوليو وبعد رمي توراي وابنها مادي، 6 سنوات، في الصحراء الليبية، أنهى الاتحاد الأوروبي اتفاقا متعدد الأوجه مع الحكومة التونسية، يشمل أيضا حزمة مساعدات بمليار يورو مقابل الإجراءات الأخرى، ومنع المهاجرين غير الشرعيين من عبور البحر المتوسط إلى أوروبا. وفي تعليقات إلى جانب رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، مدحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاتفاقية بأنها “نموذج” عن الطريق التي يجب أن تدير فيها الكتلة الأوروبية علاقاتها مع دول المنطقة.

وقالت منظمات حقوق الإنسان إن الاتفاق مع الرئيس قيس سعيد يعني المزيد من القصص مثل توراي، وبخاصة أن حكومته ذات الميول الديكتاتورية المتزايدة هي من تثير مشاعر الكراهية ضد الأجانب لحرف النظر عن الاقتصاد المتدهور. وقالت سارة يركيس، الزميلة البارزة في وقفية كارنيغي إن “سعيد لم يلتزم بحقوق الإنسان خلال العامين الماضيين ولن يبدأ الآن”.

وكافحت توراي مع ابنها ولأكثر من شهر كي تبقى على قيد الحياة حيث كانت محاصرة من الشرطة التونسية على جانب وحرس الحدود الليبيين على الجانب الآخر. وتذكرت قائلة “لم يكن الأمر سهلا” و”أحيانا [كان لدينا] قنينة ماء واحدة وكان علينا قياسها بعلامة حتى نشرب. وأحيانا قنينة واحدة لخمسة أو ستة أشخاص. وكان علينا القتال حول الخبز والأشياء الأخرى”.

وظلت تونس حتى وقت قريب مرحبة بالمهاجرين ومنحت ملجأ آمنا للقادمين من دول الصحراء الذين فروا من العنف والجفاف أو يبحثون عن فرص أحسن، إما في البلد أو إيطاليا التي لا تبعد سوى مسافة صغيرة بالقارب وإن كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. وقد تغير كل هذا في ظل سعيد الذي استحوذ على السلطة في 2021، وقاد حملة لشيطنة المهاجرين من دول الساحل والصحراء. ففي خطاب ناري بشباط/فبراير اتهم “المرتزقة والعملاء الأجانب والخونة والأحزاب المشبوهة” بالتآمر من أجل “تغيير الطابع السكاني لتونس” وطلب من قوات الأمن طرد المهاجرين.

وكانت النتيجة حملة طرد وعنف عنصري ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين وزيادة بمعدلات الهجرة نحو أوروبا. وتضاعف عدد القادمين إلى أوروبا خلال الأشهر السبعة الماضية مقارنة مع نفس الفترة في 2022، ووصلت ذروتها إلى 1.000 مهاجر في اليوم، وذلك حسب أرقام وزارة الداخلية الإيطالية. ولم تمنع معاملة تونس السيئة للمهاجرين الاتحاد الأوروبي من عقد صفقة مع البلد.

ووصفت فون دير لاين وميلوني ورئيس وزراء هولندا أنفسهم بـ “فريق أوروبا” وسافروا مرتين إلى تونس، في حزيران/يونيو وتموز/يوليو ووقعوا مذكرة تفاهم غطت موضوعات تتراوح من الطاقة المتجددة إلى إدارة الحدود. وبناء على شروط العقد فستتلقى تونس 105 مليون يورو للحد من المهاجرين غير المسجلين و150 مليون يورو لدعم الميزانية. وستعطى أيضا 900 مليون يورو كدعم مشروط بعقد تونس صفقة مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة مساعدات بـ 1.9 مليار دولار. ولم ترد السلطات التونسية على أسئلة المجلة للتعليق، أما متحدث باسم المفوضية الأوروبية فقد قال “يجب إدارة الهجرة بطريقة تؤكد الالتزام بالحقوق الأساسية والواجبات الدولية”.

نتيجة للوضع الصعب، بدأت أعداد كبيرة من التونسيين بالهجرة نحو أوروبا، وأصبحوا في المرتبة الرابعة بالنسبة للجنسيات التي وصلت إلى إيطاليا هذا العام

وبالنسبة لتونس، فقد جاءت الصفقة وسط مشاكل اقتصادية وسياسية. وعانى الاقتصاد من تداعيات وباء كورونا وكذا آثار الحرب الروسية على أوكرانيا حيث تعتمد بنسبة 40% على الحبوب المستوردة من روسيا وأوكرانيا. وزاد التضخم أكثر من 16% وفي تزايد مستمر. ونتيجة لهذا الوضع بدأت أعداد كبيرة من التونسيين بالهجرة نحو أوروبا، وأصبحوا في المرتبة الرابعة بالنسبة للجنسيات التي وصلت إلى إيطاليا هذا العام. وبسبب الجفاف يتوقع أن يتراجع الناتج المحلي من القمح هذا العام بنسبة 60%. وتدعم الحكومة المحروقات والطعام، لكن زيادة الأسعار العالمية تزيد من الضغوط على الميزانية.

وفي التفاوض مع صندوق النقد الدولي طلب من تونس تخفيف الدعم، ولكن الحكومة التي تعرف أن زيادة الأسعار كانت سببا في اندلاع انتفاضات الربيع العربي، رفضت حتى الآن. وفي نيسان/إبريل وصف سعيد طلبات صندوق النقد الدولي بـ “الإملاءات”. ولا يزال الوضع الاقتصادي- الاجتماعي في تدهور رغم تحسن السياحة وزيادة تحويلات التونسيين في الخارج وحزمة دعم من السعودية بـ 400 مليون دولار ووعود بالدعم من الأوروبيين.

وقام 200 مخبز في يوم اثنين بالإضراب ضد قرار الحكومة تخفيض الدعم عن الدقيق ضد المخابز المتهمة بالمضاربة. وقال الخباز عبد الباقي عبدلاوي “جئت إلى هنا لعدم وجود دخل”. وقال إن “1.500 مخبز أغلقت ويواجه أصحابها السجن لأنهم لا يستطيعون دفع الأجر والديون”. ومنذ انتخابه عام 2019 يحكم سعيد بيد حديدية وقلب الكثير من الإنجازات التي تحققت بعد الربيع العربي. وقالت يركيس من كارنيغي “في كل يوم أو شهر يمضي نرى تآكل الديمقراطية”.

وفي تموز/يوليو 2021، علق الحكومة وحل البرلمان فيما وصفه النقاد بانقلاب ذاتي. وفي 2022 عزل 57 قاضيا ومدعيا عاما ووضع نفسه مسؤولا عن النيابة العامة ومرر تعديلات دستورية منحته سلطات واسعة، ثم تبع ذلك حملة قمع وملاحقات بناء على تهم واهية للمعارضين والصحافيين والناشطين.

وقالت دليلة بن مبارك مصدق “السجون اليوم مليئة بغير المجرمين” وهي تمثل ثمانية أشخاص بمن فيهم شقيقها وهم متهمون بجرائم تتراوح من الخيانة إلى محاولات اغتيال سعيد “عدنا مرة أخرى لعصر الديكتاتورية وكل صوت يعارض الحكومة يعتبر صوتا خائنا”. ولا يزال سعيد يحتفظ بدعم معظم التونسيين الذين يثمنون الاستقرار. وتقول يركيس “ما توصل إليه التونسيون هو أن الثورات لا تجلب الخبز”. ومن يعارض يحاول الخروج بدلا من الدعوة للاحتجاجات.

ومنعت تونس منذ بداية العام الحالي حوالي 35.000 مهاجر حاولوا العبور لإيطاليا، وهو ما اعتبرته روما نجاحا. وبنفس الفترة نجح حوالي 100.000 مهاجر بالوصول إلى الشواطئ الإيطالية ومقتل 2.000 شخص، وذلك حسب إحصائيات منظمة الهجرة العالمية. وقال ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية “هذه قضية قدرات” و”نطلب من الدول النامية والضعيفة وبنظام بيروقراطي متداع أن تتعامل مع مشكلة نكافح نحن الأوروبيين لمواجهتها في المقام الأول”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية