بول باولز… عاشق مدينة طنجة

حجم الخط
0

جاءها عام 1947 وبقي فيها حتى ماتغرناطة ـ محّمد محّمد الخطّابي: مرّت على الذكرى المئوية لميلاده سنتان، وما فتئت الأوساط الأدبية في مختلف أنحاء العالم تحتفي بهذا الكاتب وتتحدّث عنه وعن أعماله، في طنجة مرتع أحلامه، ومقرّ إقامته، وفي نيويورك حيث كان يطبع أعماله الروائية، وفي إشبيلية ومدريد ومالقة، وفي مختلف البلدان الأوربية حيث ما زالت تترجم أعماله ويعاد طبع رواياته، وفي بلدان أمريكا اللاتينية، في المكسيك، وغواتيمالا، وفي كولومبيا، حيث أجرت الكاتبة الكولومبية’ لينا فارغارا’ مؤخّرا استجوابا مع أحد أصدقائه القدامى الروائي الغواتيمالي ‘رودريغو راي روسا’ نشرته مجلّة ‘سيما نا’ الصادرة في بوغوتا، حيث يحكي لنا ذكرياته في طنجة وصداقته مع بول باولز الذي كان برفقته قبيل وفاته. وفي هذه المدينةـ التي عاش فيها ‘روسا’ عدّة سنوات- كتب روايته ‘الساحل الإفريقي’ تحت إشراف الكاتب الأمريكي نفسه، وفي ورشه الأدبية، والتي تدور أحداثها في مدينة البوغاز، وعندما أهداه روايته’ سجن الأشجار’ (الخيال العلمي) تصدّرها إهداء خاص إلى باولزالذي نقلها الى الإنجليزية، وكتب عنها دراسة مستفيضة يعبّر فيها عن إعجابه بها، والتي قورنت برواية ‘إختراع مورييل’ للروائي الأرجنتيني ‘أدولفو بيو كاساريس’ كما ترجم باولز مجموعة قصصية أخرى لرودريغو راي روسا ونشرها في نيويورك. يقول عنه’روسا’: ‘لقد كان باولز محافظا، ولكنه في الوقت نفسه كان متفتّحا مع جميع الناس على اختلاف مشاربهم، وكان يتحدّث بنفس الطريقة مع أيّ مغربيّ مغمور، أو مع موسيقار جاء لزيارته من نيويورك، كان بيته مفتوحا على مصراعيه لأيّ زائر طرق الباب’. العديد من أصدقاء باولز ما زالوا يذكرونه، ويستحضرون ذكرياتهم ومعايشاتهم معه إلى اليوم، هذا الكاتب الذي نقل ‘الخبز الحافي’ لمحمد شكري من المحليّة إلى العالمية عندما كتب تقديما لهذه الرواية الجريئة وترجمها إلى الإنجليزية، أعماله الروائية ما زالت تترى وتتصدّر المجلات الأدبية ومكتبات العالم، وتطل علينا بشكل متواتر عبر دهاليز وشبكات عناكب الإنترنت إلى الآن.

الرحّل المترفون بول باولز، اتّخذ من مدينة طنجة مقرّا ومستقرّا له منذ 1947 عاش فيها أسعد وأحلى أيام عمره، هو وزوجته ورفيقة حياته ‘جين’، هناك تعرّف على العديد من الشخصيات السياسية والادبية والفنية العالمية. يشير بيبي كارليطون (88 سنة)- وهو مواطن إسباني من أصدقاء بول باولزما زال يعيش في طنجة- ان بول وجين كانا بالنسبة له اكتشافا كبيرا، ومنذ ان تعرف عليهما لم يغب قطّ عن الاجتماعات التي كانت تعقد بمنزلهما غالبا ما كانت تتم في جنح الليل، كان احد اصدقائهما وهو الفريدو طوخان يطلق عليهما ‘الرحّل المترفين’. لقد أصبح باولز معروفا في طنجة حتى غدا من معالم هذه المدينة، وهو نفسه كان قد صرّح عام 1986: ‘أنّ الامريكيين كانوا يصلون الى طنجة وبعد زيارتهم لقصر السلطان، ومغارة هرقل، يأتون لزيارتي ثم ينصرفون’. شاهد على عصره خلال إقامة بول باولز بطنجة أصبح شاهدا على العديد من التطورات التاريخية التي عرفها العالم في عصره، إندلاع حروب، وانطفاء اخرى، ظهور ثقافات واندثار اخرى، هذا الكاتب الذي سحره العالم العربي ونظرة العرب والاسلام للعالم كان دائما محطّ اهتمام العديد من النقاد والقراء والسينمائيين، فقد قام المخرج العالمي برناردو برتلوتشي (صاحب: آخر الاباطرة) باخراج فيلمه ‘شاي في الصحراء’ وهو مستوحى من رواية باولز ‘السماء الواقية’. كان ‘باولز’ يقول انّ ثقافة اليوم تفتقر الى الإبداعات الكبرى، إنها لم تعد كما كانت عليه فيما مضى، ان ّكتاب العصور السالفة وفنّانيها قد اضطلعوا بدورهم، وأنجزوا أعمالا رائعة ولامعة، الثقافة الغربية تكاد تصبح اليوم نوعا من الزيف، ومعظم الكتّاب يسخرون من جمهورهم، كما ان وضع التربية في العالم أصبح وضعا مؤسفا. ففي أمريكا تزداد نسبة الامية يوما بعد يوم، على عكس ما يبدو للعيان.

وهناك العديد من الناس لا يقرأون. وكان باولز يعتقد انّ الوضع في أوروبا سوف يؤؤل هو الآخر الى الأسوأ، لانّ العالم كله قد أصبح يقلّد الولايات المتحدة الامريكية في كل شيء، وما يحدث هناك يهمّ الناس في الخارج، وان كانت الحياة هناك غير ذات أهميّة. إستقرّ باولز في طنجة بعد ان عاش في عدّة بلدان مثل فرنسا، وألمانيا والمكسيك، واسبانيا، وسيريلانكا. وقال انّ الذي حدا به الى مغادرة أمريكا هو تطلّعه للتعرّف على ما كان يطلق عليه في ذلك الابّان بمركز العالم وهو باريس فذهب الى هناك ولمّا يتجاوز عمره بعد العشرين ربيعا حيث عمل في البداية ملحّنا. ويشير انّ غيرترود شتاين هي التي أشارت عليه فيما بعد بالتوجّه الى طنجة التي كان يقول عنها: لقد تغيّرت ملامحها، وتغيّر عمرانها، واتسعت رقعة المدينة، واتجه الناس الى تحديث العمارات، وطفقت بالتالي تمّحي تدريجيا آثار المعمار العربي الأصيل، والناس خاطئون فهم يعتقدون ان كل ما هو غربيّ أو عصري هو ذو قيمة، وهم بذلك لا يحترمون ثقافتهم الخاصّة بهم، ويرى باولز انّ للاستعمار دورا في ذلك، فعندما ذهب الفرنسيون من المغرب أراد بعض المغاربة ان يصبحوا فرنسيين أكثر من الفرنسيين أنفسهم.

ثقافة المقهى وكان باولز يصف جهاز التلفزيون أنه سمّ حقيقي للثقافة، ويقول منذ ثلاثين أو أربعين سنة كان يوجد في كل مقهى رواة قصص وحكايات وموسيقيون، أي كانت هناك ثقافة داخل المقهى، ومنذ أن ظهر التلفزيون لم يعد في المقهى سوى الكراسي، وبالتالي لم تعد مكانا للتجمّع والتّحاور، ولم يعد فيها قصاصون ولاموسيقيون، ان منظر المقهى الغاص بالروّاد وهم يشاهدون التلفزيون قد أصبح شبيها بمقبرة.

، يشاهدون مدنا وأحداثا وأفعالا، ولكن ماذا في العمق لا شيء. وكان باولز يقول عن العامل الديني ‘انه حيث لا وجود للدّين لا وجود للأمل، واذا لم يكن هناك إيمان في امكانية تغيير الحياة فان الحياة تغدو حزينة، ان المتديّنين يعرفون كيف يعيشون وليست للغربيين الآن هذه المقدرة’. وعن الأدب الملتزم كان يقول: ‘إنه غير متحمّس لهذا الادب، وانه كان قد كتب رواية تحت عنوان ‘بيت العنكبوت’ عن معاناة الناس تحت نير الاستعمار في المغرب، وعلى الرغم من ذلك فإن الالتزام في الادب لم يهمّه كثيرا.

ذلك ان الادب ـ في نظره-لا يمكن ان يصبح أداة في يد ايديولوجية مّا ويظل مع ذلك أدبا، ان كل ما يصدر عن ايّ كاتب له معنى اومغزى اجتماعي، ولكن عندما يحاول الكاتب إدخال هذا العنصر او إقحامه عنوة فان الادب لا يصبح أدبا بل يغدو مجرد منشور أو بيان’. وعن المستقبل كان باولز يقول: ‘المسلمون يقولون: ‘ان المكتوب أو المقدّر لا يمكن تغييره’ وما سيحدث لا بدّ له ان يحدث، ونحن لسنا مالكين لقدرنا ولا لأنفسنا’ إننا نعتقد أننا نتّخّذ قرارات شخصية وليس الامر كذلك.

ان قرارات الانسان رهينة بأصله وعرقه ووراثته ودمه وظروفه، وربما تكون بعض قراراتنا قد اتّخذت منذ خمسة آلاف سنة’. مدينة الأحلامقال صديقه الكاتب المكسيكي كارلوس روسل عن باولز: انه كان رجلا محبوبا ومعروفا في مدينة طنجة التي أطلق عليها ايان فينلايسون اسم ‘مدينة الأحلام’. وفي هذه المدينة كان الناس ينعتونه بـ’الكاتب الامريكي’. وتشير راشل مويال صديقة الكاتب وزوجته جين، ان باولز كان دائما يقول:’ طنجة مدينة الأحلام لن أقول لها وداعا قط’. ويصف لنا روسل لحظة زيارته لصديقه باولز في بيته في مدينة طنجة فيقول:’ قبل الوصول الى منزل بول باولز يستنشق المرء روائح الطيب العبقة الفواحة التي تتميّز بها هذه المدينة، انه بعد ان دار حول الساحة العمومية التي تفصل المدينة القديمة (القصبة) عن المدينة الحديثة اتجه نحو ربوة صغيرة مرتفعة ثم وصل الى منزل الكاتب الذي استقبله بترحاب، وقال له انه يؤثر الحديث عن الأدب وان السياسة لا تعنيه. ويشير روسل ان منزل باولز يمتلئ بالعديد من التحف والنفائس التي جمعها أثناء رحلاته وسفرياته المتعددة، فهو شغوف بالحفاظ على مختلف الحاجيات التي اقتناها أو حصل عليها في البلدان التي زارها، وهذه الحاجيات تنقله بسرعة عندما ينظر اليها الى’ذلك الوادي البعيد، أو الخيمة الجميلة أو الميناء القديم’. بيته صالون أدبي وعلى الرغم من قرب البحر من منزل باولز فإنه كان يتوق باستمرار ليعرف ماذا يجري خلف الهضاب والآكام، وكان يقول ان حياته تنساب في هذه المدينة في هدوء، وأصبح لا يطيق العيش ولو لمدة شهر واحد في المدن الغربية الكبرى. ولم يكن لديه ما يفعله في أخريات حياته سوى الكتابة التي كانت قد اصبحت متنفسه الوحيد، وكما أكّد ‘راي روسا’ في الاستجواب الآنف الذكر فإنّ باولز كان يستقبل في منزله العديد من الأصدقاء، وقد تحوّل بيته إلى صالون أدبي يؤمّه مختلف الادباء والكتّاب، فضلا عن المشتغلين بالسينما الذين كانت لهم رغبة في نقل بعض أعماله الى الشاشة الكبيرة، وهكذا عندما أخرج برناردو برتولوتشي روايته ‘السماء الواقية’ لم يكن باولز يتوقّع ان يحقق هذا الشريط أي نجاح، وعندما اخبره صديقه روسل ان هذا الفيلم قد تمّ عرضه كذلك بنجاح في المكسيك عبّر عن دهشته ا، وكان باولز يقول عن هذا الفيلم:

انه جيّد الا انه من الصعب ان تجمع في ساعتين ونيّف مجلّدا يحتوي على العديد من الصفحات، السينما في نظره تقلّص الافكار. وقال ربما كان خير قرار اتّخذه في حياته هو عدم الاقامة في احدى المدن الغربية.

فهو في طنجة كان يعيش حياة هانئة ولا يزعجه أحد قط، بل ان قراره باختيار العيش في طنجة كان من أهمّ الاحداث الهامة في حياته، وهو لم يشعر قط انه كان وحيدا بل كانت له علاقات اجتماعية متنوعة وأصبح معظم الناس يعرفونه. وكان يقول ان الحياة في الغرب تحوّلت الى كابوس والكوابيس لديه منها الكثير. ويشير ‘روسل’: ‘وجهه المستطيل، وعيناه اللامعتان والصافيتان، وقامته كل ذلك لم يكن ينسجم مع صوته الخفيض الذي يبدو وكأنه ينبعث من أعماق محيط بعيد’. كانت حياة باولز تمر في هدوء في طنجة، فهو كان يصحو باكرا ليكتب بضع وريقات، وعند ما يأتي المساء كان يشعر بسعادة غامرة، فالمساء جميل وليس له نظير في هذه المدينة الساحرة التي تطلّ على أوروبا والتي نام فيها ‘هرقل’ في مغارته بعد أن أنجز عمله، والتي علق بها وعشقها العديد من الادباء، والشعراء، والشخصيات التاريخية، والسياسية، والادبية، والفنية، والسينمائية المعروفة. كما تم تصوير العديد من الافلام العالمية بها، أشهرها فيلم ‘الريح والأسد’ مع شين كونري وسواها. كان باولز يقول في هذه المدينة يعيش المرء في هدوء وبدون استعجال، وكان يبعث له بعض الكتاب الشبّان انتاجاتهم الابداعية لابداء الرأي فيها، وكان دائما يرحّب بذلك ولم يكن يرفض عملا واحدا منها.. كانت تربط بول باولز صداقات مع العديد من الادباء الكبار مثل كارلوس فوينتس، وأوكتافيو باث، وخوان غويتيسولو، ومحمد شكري، وخوان رولفو، وكان من أشدّ المعجبين بهذا الكاتب المكسيكي الكبير، ويشير باولز ان قصّته ‘بيدرو بارامو’ ليس لها نظير في الآداب العالمية. كما كان يحلو له الحديث عن الادباء والفنّانين والشعراء والمشاهير الذين زاروا مدينة طنجة، أو أقاموا فيها، منهم باربارا هوتون، وزوجها غاري غرانت، أوجين دي لا كروا، ونستون تشرشل، خورخي لويس بورخيس، روبين داريوّ، تنيسي وليامز، برايان جيسين، ماريانو فورتوني، هنري ماتيس، جان جينيه، رامبرانت، جاك ماجوريل، إيف سان لوران، مارلين ديتريش، غاري كوبر، وسواهم وهم كثر، كلهم هاموا بهذه المدينة وكتبوا عنها الكثير. من كتب بول باولز: السماء الواقية، بيت العنكبوت، سيرته الذاتية التي صدرت تحت عنوان: مذكرات رحّالة، بعيدا جدّا عن البيت، الرؤوس الخضر، الأيدي الزرق، زمن الصداقة، وسواها. (ولد بول باولز في نيويورك 1910 وتوفي في طنجة 1999).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية