بول ريكوروتأويل المقدس الديني

حجم الخط
0

بول ريكوروتأويل المقدس الديني

لان الخطاب المطلق اكتمل فاستراتيجية التفكيك هي الحيلة التي تسمح لنا بالكلام:عمارة ناصربول ريكوروتأويل المقدس الدينيإن درس تاريخ الفلسفة يذكرنا دائما أن هناك تفعيلا دينيا وراء كل تغيير يطرأ علي نسق الفلسفة، ليس الدين باعتباره الارتباط المصيري بمجموعة من القيم والعقائد وإنما باعتباره تجربة للفكر داخل دائرة المفاهيم، والتمثلات التي يقتضي فهم المعاني القائمة بها، التحاما ظاهراتيا بمستوي الحقيقة الذي يرتسم عبر أفقٍ، ظاهرهُ اللغة وباطنهُ فيه عمل التخمين والانتظار وهو مجال متاخم لحدود الفلسفة باعتباره باعثا علي فعل التخييل علي مستوي الفهم وعلي فعل التأويل علي مستوي اللغة، وهي اللحظة التي لا تستطيع فيها الفلسفة أن تُدخل إلي عمقها المفاهيمي موضوعا غير قابل للاختزال علي مستوي الصورة ولا علي مستوي اللغة، والذي لا يمكن أن يكون إلا هامشا، لأن في الفينومينولوجيا ذاتها استباقية منهجية تجعل من الالتحام بالحقيقة نسبيا، بل يلفُّه الوهم بانسجام الفلسفة والدين في دائرة لغوية واحدة، وبهذا تحاول الهرمينوطيقا التقليل من حدة هذا الوهم من خلال الاشتغال علي اللغة الدينية والعودة بها إلي مواقع الفهم وإيجاد القاعدة الوجودية لكل شكل ديني ترتفع به اللغة إلي الفهم المتعالي، هذه المواقع ما هي إلا تاريخيات الفهم المستعادة في الوساطة الشمولية للغة، فالدين بشكله التاريخي الوضعي يشكل بالنسبة للفلسفة خارجا خاصا وتغايرا بحيث لا يمكن أن تضعه إلا في هامشها نفسه، علي الخط الداخلي الفاصل بين المتعالي اللاتاريخي والديني التاريخي . يجد التعاطي الفلسفي للغة الدينية شحنا جذريا للمعاني التي تتصلب حينما يتكرر الواقع تحت سلطة ماصدقها، فالنص الديني هو الهامش الذي يغذي المتن الفلسفي كما أنه يندرج ضمن مستوي فتح العوالم، هذا المستوي الذي لا يملك برهانية مستقرة يمكن استيعابها بشكل نهائي، وهذه اللانهائية في فتح العوالم التي تمتلكها اللغة الدينية تشكل إبداعية النصوص التأويلية، لأنها تنفلت من المصلحة عبر شِعريتها، وبهذا المعني كما يري ريكور اللغة الدينية لغة شعرية وكلمة شعرية هنا لا تعني نوعا أدبيا يضاف إلي النثر، لكنه التوظيف الشامل لكل أنواعه بصفته مقرا للإبداع الدلالي، لاقتراح عالمٍ ما، لإثارة فهم جديد للذات ، وعالم النص الديني عالم خصب بالدلالية وبالطرق الإنتاجية لها، فعبر مجازية اللغة وامتزاج التاريخي الراهن بالتاريخي المؤجل وباللغة التي تنتظر في اللغة، وبالأشياء التي توجد لأنها غاية في الغياب، وبالحالة الجذرية التي بموجبها يبدأ المعني بالالتصاق بالفهم دون أن يكون هناك فارق زمني يفصل ورود المعني عبر اللغة ووجوديتها واستعداد الفهم لاسقبال قصدية ما، هذا الفارق المنعدم يدرج تناقضا بين كونه فارقا أي أنه يحمل اختلافا هو بالضرورة فهم متغاير للاستباقية الوجودية، فهو شيء آخر، وهو عالم آخر للتأويل ، – وبين حالة الانتظار التي تحمل عدما ولكنها تحمل في الوقت نفسه حقيقة لشيء ما هو رهن الإيمان، وعلي اللغة حينئذ أن تتوسط بين قوة الحقيقة وضعف الفهم المنتظر فهذا التوسط ليس إلا التأويل؟ ولأن هذه الحقيقة لا تقدم فرصة لمحاصرتها بمنطق المنهج فإن الفينومينولوجيا هي المجال الأمثل للاقتراب من الحقيقة عن كثب ولأن الحقيقة وقوتها يستشعران في لغة النص، فإن التأويل الذي تحمله اللغة في الفينومينولوجيا، هو إذن بالمعني القوي للكلمة: هرمينوطيقا ؟ ومع هذا يبقي الاختزال الذي يجهز به هوسرل الفينومينولوجيا كمنطق اللحصول علي معطي مطلق، لا يتوفر علي أيِّ تعالٍ مشوبا بحالة الوهم الذي لا يمكن الاستدلال عليه إلا بوضوح اللغة وأشيائها.تأويل النص الإنجيليهل الإنجيل نص فلسفي؟ يجيب أحد رواد التأويلية المعاصرة والمشتغلين بعمق علي النص الإنجيلي عن هذا السؤال بشكل مباشر وتأسيسي: الإنجيل نص غير فلسفي، والصليب رمز غير فلسفي وبهذا ينفتح المجال لقول شيء ما وللإصغاء إليه معا، حينما يكف الخطاب الديني عن الاختفاء خلف الجدلية الفلسفية ويقدم حقيقته لمجال الاستقبال التأملي بدل الاستقبال البرهاني الهادف إلي فك الجدلية والتأسيس المنطقي لمقاولات النصوص، بل إن المقولات التيولوجية توضع بنفس المستوي النظري للمقولات الفلسفية، حيث الخطاب التيولوجي لا ينبني بدون اللجوء إلي مفاهيم مستعارة من الفلسفات النظرية، الأفلاطونية، الأرسطية، الديكارتية، الكانطية، الهيغلية؟ الفلسفة إذن توضع كنص مساعد بالنسبة للخطاب التيولوجي فلا تداخل بين النص الديني والنص الفلسفي من حيث المفاهيم، ويستحيل الدين هامشا متاخما للحدود الفلسفية، ولكن النص الإنجيلي ينتج الحقيقة من خلال الواقع الذي تشكله لحظة الصراع بين كُتّاب الأناجيل والأوضاع السياسية والاجتماعية المتراكمة خلف المسيح؟ولأن الأناجيل مرت بترجمات كثيرة من اللغة الأولي زمن المسيح والفترات المتقطعة لكتابتها، فهي لغة لحقيقة مختزلة ومخففة، باعتبار قوة الحقيقة من قوة اللغة، وفعل الكتابة الذي يؤسس للفهم التاريخي يشكل البداية النظرية لتعديل الحقيقة- المعني أو ترسيم الدلالة الدينية داخل تاريخية الفهم وهذا ما يذكرنا به هيدغر دائما حيث الدين اليهودي والمسيحي مؤسسان علي كلام مأخوذ ككلام الله، لكن هذا الكلام ليس قابلا للاستعمال خارج الكتابات التي دوَّنها القديسون، فيظهر جيدا أن العلاقة بين كلام الله.تأويلية تتأسس بين الكلام كمعطي وموضوع للتأويل والكتابة كتمظهر للكلام، أي بداية تشكل الوساطة اللغوية بين النص الديني الشفاهي والفهم المترتب عن القراءة، إنه التأويل؟ويذكرنا غارودي أن عبارة – إبن الله – لم تُحفظ – في الأناجيل – للمسيح وحده ، وإن كانت هذه العبارة تؤسس لكل العقيدة المسيحية، لم تحتفظ بنفس المعني، فإن عمل التأويل بالنسبة للإنجيل هو استرجاع المعاني القديمة عبر رمزية اللغة والتعامل مع الأسطورة؟إن الإنجيل صورة مباشرة لفعل الكتابة لكنها- وعبر الدلالة المُرمَّزة دينيا-كتابة مقدسة، ثم إن الكتابة المقدسة ككل وثيقة تاريخية أخري لا يمكن أن تمتلك قيمة مطلقة، فما كُتِب ليس بالضرورة حقيقة .طبيعة الرمز والإشارة في النص الإنجيلي: إن لافلسفية الإنجيل ورمزه (الصليب)، تهدف إلي رفع الفعل الإنساني إلي المستوي الإلهي أو تجنيبه التناقض والاحتكام إلي اللغة، وبهذا تم ترميزه من خلال تضمينه الفلسفات النظرية والمثالـــــية، وحتي يبقي حيا، كان لابد من العودة دائــما إلي الأسطورة لتعليق التاريخ في اللغة ولتحريك التاريخ من خلال التأويل والعودة بالتأويل إلي نقاط الوجود من خلال الفينومينولوجيا ورفع الأخيرة إلي اللغة – الخلق من خلال الهرمينوطيقا.ويمكن أن نفهم الرمز الإنجيلي كطبيعة حضورية ولأن الرمز يتحرك من وراء الغياب ويصبغ به اللغة التي يعبرها، فإن الإنجيل ليس رمزا بالمعني الذي يحتمل التأويل إذ لا توجد أية مسافة بين عيسي التاريخ ومسيح الإيمان، وتكتب الوحدة:عيسي – المسيح، في دارة قصيرة بين المعني والحادثة، فلا مسافة بين الحضور والغياب ومنه لا يمكن تعبير كثافة لغوية داخل دائرة جديدة لفهم تكتسب تمفصلا تاريخيا هو نشاط للتأويل. والإمكانية الوحيدة هي في تكثيف المعني وترسيم الرمز باستدعاء الأسطورة والتنظيرات الفلسفية، ثم يستجيب الإنجيل لشرط الإيمان باعتباره المنطقة الرمزية حيث وظيفة الأفق تتناقض، دون أن تتوقف وظيفة الموضوع .الذات الإلهية وحضورها في النص الإنجيلي:تتخذ الكتابة في نص الإنجيل مهمة إنتاج المعني أي أن الفعل التاريخي يؤسس للمعني والدلالة، هذا الحضور الكتابي سيصبح الذات المتكلمة بتعاين فاصل بين وعي بالمطلق المتعالي ووعي بالتاريخي، وبهذا يحاول ريكور تأويل الشهادة وتقديمها كفعل لتفسير الإنساني الحاضر في الإنجيل فهي تعطي شيئا ما ليُؤوَّل والخطاب الإنجيلي يمارس نقدية تاريخية علي الحوادث المتعلقة بشخص المسيح وحضور الإله، بحيث يجعلها قابلة للتأويل ومنهجاً هرمينوطيقا من خلال الشهادة في تفسيرين: تفسير الشهادة التاريخية للمطلق وتفسير الذات بنفسها في نقدية الإلهي.تحاول التأويلية المعاصرة المستندة إلي التراث الإنجيلي – الأسطوري اليوناني – تحاول رفع الأحداث الكبري في الإنجيل إلي مستوي التنظير لإعادة تشكيل الوعي المسيحي بالتاريخ ثم العودة مجددا من النص النظري إلي الفعل أو الحادثة لترسيم هذا الوعي في التاريخ، هذه الدائرة تتم من خلال التمثيل الدلالي للتجلي والآلام كصورتين للفهم الإنجيلي للنص والحادثة، فالإله يتعين من خلال تعالي الأحداث المؤسسة بالعلاقة مع المجري العادي للتاريخ .إن حادثة آلام المسيح هي فعل تاريخي لكنه ارتفع بفعل الكتابة ثم من خلال التفسير والتأويل إلي مستوي التعالي، ويعود التأويل نفسه إلي وضع الحادثة في مراهنة تاريخية؟ حيث يتعين – الإله- في الشيء المحكي، وأثره في التاريخ قبل أن يكون في الكلام هو في الحادثة ، فتجلي الذات الإلهية في الإنجيل يحضر باستدعاء تاريخي للتغاير بين الأنت و اللاّأنت ، ثم تعمل البنية الخاصة لبعض أشكال خطاب الإيمان علي دفع مرجع الإله إلي اللانهاية المتلاشية، ليتحقق فعل الإيمان نفسه، كلاهما يتلازم مع الآخر ليحقق ماهيته.وبهذا تتحدد معالم الذات الإلهية في الإنجيل مع باقي أشياء النص من خلال فعل الشهادة كنمط من التأويل يحمل اللغة إلي الحادثة لفهم الشيء وحمل الحادثة إلي اللغة لفهم الذات ، حيث تتشكل حلقة هرمينوطيقية بين الكلام- الوحي والجماعة الشاهدة والمؤوِّلة، حيث يتأسس شيء هذا الكلام من خلال ما يحمله المؤول له من معني وكتابة ويتأسس بناء علي هذه الكتابة فهم للذات.وفي سلسلة دفع مرجع الإله إلي التلاشي عبر بنية الإيمان واستدعاء هذا المرجع حينما تتصل اللغة بالتاريخ وتحديد شكل هذا الاتصال، داخل هذه السلسلة يندفع التأويل نحو اللغة لفك رموزها أي لتقديم دلالات واضحة ومنشرة علي سطحية التاريخ وللعلامات التي يخلفها كأثر تمطط المرجع الإلهي بين التجلي – الحضور والغياب.إن إشاراته-أي الإنجيل- هي تحريك للأشياء أو تجميدها داخل الفكرة، بل لا يكاد يفكر إلا بها (الأشياء)، فالتمثيل الديني في الإنجيل يسير نحو الحقيقة بمنطق الإسقاط الشيئي وإن حاول رفع الحوادث إلي مستوي المطلق غير أن المطلق ذاته لا يكاد يخرج عن دائرة الأخلاق، فالعلامات التي لا تشير، كانت قد رسَّمت المسيح ورموزه في أيقونات هاته الرسومات والصور التي تدل علي عجز الكتابة الأولي (المقدسة) عن تعبير المعني وترميزه والإشارة إلي قصديته.استراتيجية التفكيكولأنه كما رأي ريكور أن الفلسفة لا تبدأ أبدا لأن كثافة اللغة تسبقها، وأنها تبدأ من الذات، لأنها هي التي تشيِّد مسألة المعني ، ولا يمكن لهذه الكثافة أن تستحيل إلي معاني مؤسسة إلا باستنطاق الذات لذاتها، بدون الاعتماد علي خارج هو طريق إلي المزيد من الأوهام ولأن اللغة تنغلق علي مجال محدود من المعاني المربوطة بلوازم النحو والدلالة وبنية الخطاب، فلا يمكن إنتاج المعاني إلاّ من خلال التموضع داخل شروخ هذه الكتابة لأنها الفرصة الوحيدة لالتقاط وإنقاذ اللغة – التاريخ من النهاية العدمية.التفكيك هو الشكل المفترض للفهم المنتج للمعاني من خلال التفكيك ذاته، فاستراتيجية التفكيك هي الحيلة التي تسمح لنا بالكلام، في الوقت الذي لا يوجد ما نتكلم عنه، لأن الخطاب المطلق قد اكتمل . وبالإنزياح عن السلطة وتحريك الرغبة والتفتيش عن التناقض والاختلاف يتم تحريك الشكل الثابت الذي تصبغه اللغة علي التاريخ: فللغة فعل وهو عين فعل التاريخ.ہ باحث من الجزائرهامش:من كتاب سيصدر قريبا بعنوان اللغة والتأويل عن منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية