بول شاوول: “حديقة الأمس”

حجم الخط
0

 في حوار مع مجلة “نزوى” العُمانية، يعود إلى سنة 2014، قال الشاعر اللبناني بول شاوول أنه، حين أصدر مجموعته الأولى “أيها الطاعن في الموت”، 1974، اختار من مئات القصائد ستاً فقط؛ ومجموعته الثانية “بوصلة الدم”، 1977، اشتغلها 73 مرّة، فكانت 600 صفحة، وصارت 40؛ وأمّا “أوراق الغائب”، 1992، فقد ظلّت بين يديه 6 سنوات قبل أن يفرج عنها. ذلك لأنّ الشعر في يقينه هو “فنّ الحذف، وليس فن الإضافة فقط، وينبغي على الشاعر أن يكون قاسياً على نفسه”؛ والقصيدة “مشروع طويل يحتاج إلى نضج”، و “لا يمكنني أن أراهن كلّ يوم على كتابة قصيدة”.

وبالفعل، ليس من العسير على قارئ الشعر المتدرب، ومن باب أولى ذاك العارف بالملامح التكوينية الكبرى التي صنعت وتواصل صناعة تجربة شاوول، أن يلاحظ سمة التأني البالغ في الكتابة، والتمهل المديد في الإنضاج، وإخضاع قرار النشر لمعايير عالية الصرامة؛ بما تُسفر عنه هذه الخيارات من حصيلة رفيعة في إعلاء جماليات القصيدة، أو بالأحرى: تدشين ذلك الطور المحدد المقترَح، المستجدّ غالباً، ضمن أطوار التجربة الشعرية. في “دفتر سيجارة”، على سبيل المثال الأحدث، كانت لذائذ التدخين الصغرى اليومية قد انقلبت إلى مجازات حسية بانورامية بعيدة الغور، ارتقت بها قصيدة رحبة طليقة، ابتدعت مقادير وفيرة من المرونة في مواجهة ضغوطات المحتوى، تعددية في تسخير الشكل.

اليوم، في مجموعته الجديدة “حديقة الأمس”، يذهب شاوول إلى مجازات النبات، شجراً وزهراً وخضرة، فتحضر أسماء الفتنة والياسمين والجوري والفلّ والنعناع والغاردينيا والسرو وشقائق النعمان والكينا والدفلى والصنوبر والسوسن والزيتون والأقحوان… كذلك تحتشد كائنات أخرى من حول النبات، فثمة الدوري والنملة والبزاقة والحرباء، وقبلهم الفراشة والهواء والألوان. القصائد، القصيرة أو المتوسطة داخل مجمعات طويلة، تعقد حوارات أخاذة بين أنا الشاعر وآخر خارجي عريض وفسيح تؤثثه هذه العناصر، فتتخلّق وشائج رهيفة تنوس بين المادي الملموس والاستعاري الميتافيزيقي، أقرب إلى مزيج مدهش من الاحتشاد الملحمي لعناصر الطبيعة والشدو الغنائي لصبوات النفس البشرية.

هنا الجزء I من قصيدة طويلة بعنوان “الجبال”:

صخرة ضخمة ملتصقة بالسماء، تتوقف

فجأة فوق رأسك. الجبال. كواكب

سائبة بلا دوران.

بلا نظرات. من بعيد. الجبال

على أهبة أن تفلت غرائزها عليك

من كواكب ملتصقة بالسماء مثلها.

جبال بلا قمم أو الأحرى جبال كلها

قمم. قمم بلا قمم. تطفو كغيوم. بلا جذور

جبال من الرّحالة. جبال

من الموتى تسير فوق الحديقة.

فوق رأسك. غيوم من الموتى

ترمي تذكاراتهم على أوراقها وصمتها.

الموتى يتساقطون من الغيوم.

هنا على وبر الصبّار، هناك على

الزئبق أو على

أسف الغبار. الغيوم قِطَع

قاسية من موتاها (فوق الحديقة)

بلا أسمال ولا قطن ولا بدلات

ولا بخور. كأنهم انفصلوا عن

الغيوم ونزلوا يتفقدون ما تركوه

على أوراق الحديقة (عليك).

دار النهضة، بيروت 2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية