أهم ما تتميز به زيارة مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الوداعية إلى المنطقة هي الوقاحة، وتأكيد التزام بلاده بدعم اليمين المتطرف في إسرائيل ومهما فعل. وواصل بومبيو في زيارته لإسرائيل سياسة سيده في تقديم الهدايا لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتطرفة، فمن زيارة إلى مستوطنة أقيمت على أراضي مسروقة من الفلسطينيين، إلى جولة في مصنع للخمور يستخدم كروم العنب التي سرقها صاحب المصنع من الفلسطينيين.
وفي بداية جولته عرج بومبيو على إيمانويل ماكرون وتزود منه بذخيرة لمهاجمة تركيا اردوغان، حيث توقف في اسطنبول للقاء أسقف الروم الأرثوذكس بارثوموليس بذريعة بحث الحريات الدينية في تركيا وبدون أن يلتقي المسؤولين الأتراك. وهذه هي المرة الثالثة التي يزور فيها بومبيو المنطقة ويهاجم تركيا من دون لقاء الرئيس التركي الذي ظل مقربا من ترامب حتى الفترة الأخيرة، ولا وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو، حيث تعلل هذه المرة بأن برنامجه حافل باللقاءات، ولم ترد الرئاسة أو الخارجية التركية على طلبه اللقاء في اسطنبول كما كشف موقع “ميدل إيست آي” في 11 تشرين الأول/نوفمبر.
رسائل قبل الرحيل
والجولة في مجملها محملة بالرسائل السياسية والأيديولوجية لإسرائيل وحلفاء ترامب في السعودية والإمارات والقاعدة الإنجيلية التي ينتمي إليها ترامب، فهي من جهة تأكيد على بصمة الرئيس ترامب في العلاقة مع إسرائيل والتي اتسمت بالتحيز الدائم مع اليمين المتطرف وبظهوره في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان لم يكن يختلف عن أي مستوطن إسرائيلي يسعى لتوسيع البناء الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية. وترك بومبيو بصمته العام الماضي عندما ألغى الموقف القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية الذي ظل ولعقود يرى أن المستوطنات لا تتطابق مع القانون الدولي. ومن القدس التي أعلن عنها ترامب في 2017 عاصمة لإسرائيل ونقل إليها السفارة الأمريكية قال بومبيو إنه سيزور الجولان التي وصفها بأنها جزء مركزي من إسرائيل.
وهذه المرة الثانية التي يتخذ بومبيو من القدس إطارا خلفيا لمعتقداته الدينية، حيث أرسل منها رسالة داعمة لحملة ترامب الانتخابية. وكما يرى موقع “بي بي بي” (20/11/2020) فجولة بومبيو في المنطقة هي دورة انتصار نهائية لتأكيد التحول في سياسة ترامب وبالأيام الأخيرة في الخارجية. وهي بالضرورة فرصة لالتقاط الصور مع قادة إسرائيل والمسيحيين مصممة لخدمة حملة الجمهوريين لانتخابات الرئاسة عام 2024 لو قرر بومبيو الترشح للرئاسة. وكانت فرصة لتقديم عدد من المعايير حول التعامل مع منتجات المستوطنات على أنها “صنعت في إسرائيل” وليس “الضفة الغربية”. ولا يغيب الهدف الرئيسي من كل هذه الجولة وهي خلق معوقات أمام الرئيس المنتخب جوزيف بايدن لو أراد التعامل برؤية جديدة مع المستوطنات ويضع حدا لتوسعها، مع أن الجميع يتفق أنه لن يفتعل معركة مع إسرائيل في ظل التحديات التي تواجهها إدارته والتركة التي سيرثها عن ترامب، بشكل يجعل الشرق الأوسط في المرتبة الرابعة من اهتماماته في السياسة الخارجية. ويظل بايدن مؤيدا تقليديا لإسرائيل فهو لا يعتقد بدعم مشروط لإسرائيل. ولكن رموز المستوطنين ونتنياهو نفسه رموا له الطعم من خلال الإعلان عن بناء وحدات استيطانية في مستوطنة جعفات هاماتوس في بيت صفافا. وأشارت صحيفة “واشنطن بوست” (19/11/2020) إلى تصريحات متحدية من قادة المستوطنين أنهم سيتعاملون مع بايدن-هاريس كما تعاملوا مع باراك أوباما الذي يكنون له الكراهية الشديدة.
اللغة نفسها
ومن المعايير الجديدة والتي تتساوق مع الموقف الإسرائيلي هي إعلان بومبيو عن حركة “العدالة لفلسطين” أو مقاطعة البضائع الإسرائيلية “بي دي أس” كحركة معادية للسامية. وكان واضحا حركة جسد نتنياهو في المؤتمر الصحافي المشترك التي لم يخف جذله من القرار الأمريكي، فلطالما هاجم نتنياهو الحركة واعتبر نشاطها بمثابة عمل ينزع الشرعية عن إسرائيل.
والغريب أن بومبيو استخدم نفس التعبير الإسرائيلي في وصف الحركة التي تدعو لحقوق الفلسطينيين “سرطان” مؤكدا للمرة العاشرة تماهي إدارة ترامب مع التحول الجذري لإسرائيل باتجاه التيار المتطرف وبالضرورة تأكيدا على حل الدولة الواحدة، والذي تبدى من “صفقة القرن” التي تخلت فيها إدارة ترامب عن دور العراب الشريف ومنحت الفلسطينيين محفزات اقتصادية وأقل من دولة بدون سيادة أو حدود بل جيوبا معزولة عن سياقها ومحاطة بكتل استيطانية. ورغم أن بومبيو كان يؤكد في زيارته “عقيدة ترامب” إلا أن بعض الدوائر الصحافية بدأت تتحدث عن “عقيدة بومبيو” بشكل أثار ردة فعل خبراء مثل أرون ديفيد ميللر، من وقفية كارنيغي للسلام العالمي، حيث قال في تصريحات لشبكة “سي أن أن” (20/11/2020) إن “زيارة بومبيو لمصنع خمر في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان لا علاقة لها بالطموحات الأمريكية ولكن طموحاته لعام 2024”. وأكدت الشبكة نقلا عن مصادر في الخارجية تحضيرات الوزير لحياة سياسية بعد ترامب، وبدأت في أحاديثه مع مسؤولين في الحزب الجمهوري والإستراتيجيين فيه، وهو يقوم بمقابلات على كل المستويات، لمساعدته في توسيع قاعدته وجمع الأموال. ويعرف عن بومبيو خلطه بين أمور السياسة والطموحات الشخصية. ويدافع البعض عنه حيث يقولون إن ما فعله في إسرائيل لا علاقة له بطموحات رئاسية بقدر التزامه العاطفي معها. وقالت “سي أن أن” نقلا عن مصادر مقربة منه إنه لن يتقاعد عن السياسة ويعود إلى الحياة الخاصة “فهو لم ينته من القتال”.
اليمن
وما يهم في كل هذه الجهود هي خلق مشاكل وعقبات أمام الرئيس المقبل وإشعال أكبر قدر من الحرائق بحيث لا يستطيع التحرك أو إنجاز أي سياسة تلغي ما خربه ترامب خلال السنوات الماضية، وبالتحديد مع إيران، التي ظلت بمثابة هوس خاص لبومبيو، ووعد أنه سيفرض كل أسبوع عقوبات قاسية على الجمهورية الإسلامية. بالإضافة لخطوات أخرى تتعلق بمحاصرة الجماعات الوكيلة لطهران في المنطقة، وهناك حديث حول تصنيف حركة الحوثي في اليمن كجماعة إرهابية. وتوقعت الأمم المتحدة أن يجري الإعلان عن التصنيف في يوم الإثنين، ومن هنا عممت رسالة على موظفيها الأمريكيين في اليمن وطالبتهم بالانتقال إلى عدن أو أديس أبابا تحسبا لعمليات انتقامية من الحوثيين، كما كشفت مجلة “فورين بوليسي” (18/11/2020). وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” (20/11/2020) أن هناك عجلة لإعداد مسودة قبل الإعلان الذي كان متوقعا في الشهر المقبل. وتخشى منظمات الإغاثة الدولية من تأثير القرار على تدفق المساعدات الإنسانية في بلد صنفته الأمم المتحدة بأسوأ كارثة إنسانية في العالم. ويرى الخبير في شؤون اليمن بيتر سالزبري أنه “لو تم تعجيل هذا فإنك سترى توقفا في التجارة والمال في معظم اليمن وستفنجر العملية الدبلوماسية وسيقرر الحوثيون الرد على المكافأة بزيادة الهجمات على السعودية والتحول لإيران طلبا للمساعدة”. وتصنيف الحوثيين هو جزء من المرحلة الأخيرة من الضغط “الأقصى” على إيران وتنفيذا لسياسات مؤجلة مثل تخفيض الجنود الأمريكيين في أفغانستان والعراق. مع أن استراتيجية ترامب التي أشرف على تنفيذها وبحماس منقطع النظير بومبيو، فشلت في الحد من تجارة النفط الإيراني ولا زيادة معدلات التخصيب لليورانيوم الذي اعترفت به طهران وجاء ردا على تخلي ترامب عن الاتفاقية النووية في عام 2018. وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” (16/11/2020) إن ترامب سأل الأسبوع الماضي المسؤولين في اجتماع بالمكتب البيضاوي عما تبقى له من خيارات لضرب المنشآت النووية الإيرانية، لكنه حذر ضد أي تحرك قد يؤدي لتوسيع وتصعيد المواجهة في المنطقة. وأشارت الصحيفة إلى التنسيق الجاري بين أمريكا وحلفائها في المنطقة، إسرائيل والسعودية والإمارات وهي الدول التي تشملها زيارة بومبيو الوداعية. وترى إدارة ترامب أن الحرب في اليمن هي جزء من حملتها ضد إيران، مع أن الجماعة الحوثية التي تسيطر على شمال اليمن وكانت تعرف بأنصار الله، وتنتمي لطائفة شيعية تختلف عن شيعة إيران لم تتلق الدعم الكبير من طهران خلافا لما تقوله السعودية. ورغم زيادة الدعم خلال سنوات الحرب إلا أن الجماعة الحوثية تبدو مستقلة كثيرا مقارنة مع الجماعات الأخرى، مثل حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق. ورغم تحذيرات مسؤولين في البنتاغون من تأثير القرار على المساعدات الإنسانية لو صنفت الجماعة الحوثية إلا أن بومبيو أكد أنه ماض في قراره وطلب اقتراحات بحلول الأول من كانون الأول/ديسمبر. ويأتي القرار في ظل تدهور للأوضاع الاقتصادية وانتشار فيروس كورونا وتوقف عمليات المساعدة الحكومية. ورغم ما يتحدث عنه مسؤولون من استثناءات للجماعات الإنسانية إلا أن تجارب الماضي أثبتت عدم نجاحها. ويذكر الخبراء في هذا السياق بتصنيف حركة الشباب الصومالي في عام 2008 الذي أسهم في المجاعة التي أصابت البلاد. ويقولون إن الوضع في اليمن سيكون أسوأ لان حركة الحوثيين تعمل كحكومة في معظم أنحاء البلاد. ويبدو أن بومبيو ليس مهتما بحياة اليمنيين، كما هو الحال مع ترامب الذي أقام علاقات مع السعوديين والإماراتيين رغم سجلهم في حرب اليمن واستمر ببيع السلاح لهم رغم معارضة الكونغرس للحرب. وهي رسالة موجهة لبايدن الذي وعد بوقف الدعم العسكري لحرب اليمن وإعادة النظر في العلاقة مع السعودية. وبالضرورة عرقلة جهود بايدن العودة للمسار الدبلوماسي مع إيران. وبحسب مجموعة الأزمات الدولية فقد تم تقديم القرار على أنه نقاش داخلي وكجزء من توسيع استراتيجية ترامب ضد إيران وهناك من يقول إن التصنيف جاء بطلب مباشر من السعودية والإمارات.
فشل
وتعبر السياسة الأمريكية تجاه إيران عن فشل واضح كما يرى المعلق جيسون رضائيان الذي كتب في “واشنطن بوست” (16/11/2020) أن عقم بومبيو وصل ذروته في سياسته الفاشلة تجاه إيران. وأضاف أن انتخابات 2020 قد انتهت وأيام بومبيو في السلطة تخبو ومع ذلك فهو مصر على زيادة الضغوط ومواصلة موقفه المتشدد من إيران. وقال إن تحركه الأخير لئيم ومضلل في إشارة لخطط العقوبات الأسبوعية بل واليومية التي يزمع فرضها معلقا أن المدخل القائم على خبطات لم يتم التفكير بها، لا يتناسب بشكل جيد مع دبلوماسية حقيقية مع الحكومة في إيران. وأشار إلى أن كل إدارة أمريكية منذ 1979 حاولت وفشلت في التأثير على النظام الإيراني، لكن لم يكن أي منها بقسوة الإدارة الحالية. ولم تصب السياسات التي فرضها ترامب ومساعدوه إلا على الناس العاديين. وقال إن العقوبات الشديدة أربكت تدفق الطعام والدواء في وقت تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة وتواجه وباء فيروس كورونا. وبدلا من البحث عن المجرم الحقيقي قررت واشنطن تصنيف الحرس الثوري بشكل وضع الناس العاديين الذين جندوا فيه على قائمة المطلوبين لأمريكا. والحقيقة كما يقول رضائيان أن سياسة الضغوط المستمرة لا تفي إلا بأماني الصقور الداعين لتغيير النظام وكانت فشلا ذريعا. ولم تحقق السياسة أيا من أهدافها، فالتظاهرات التي اندلعت في البلاد لم تؤد إلا لتقوية ساعد النظام وسجن الآلاف. ولم يتغير التأثير الإيراني في اليمن أو مناطق أخرى عما كان عليه الحال عندما تولى ترامب السلطة في 2017. وكان فشل سياسة ترامب واضحا ويتحمل المسؤول الأول عن تنفيذها وهو بومبيو المسؤولية الكبرى. فرغم هوسه الذي بدا في خطابه الأول بعد توليه منصب الخارجية عام 2018 وألقاه في مؤسسة التراث، المحافظة وتحدث فيه عن قائمة من 12 مطلبا على إيران تحقيقها لو أرادت التعامل مع أمريكا إلا أنه فشل في دفعها للتحرك لأن قائمته كان ينقصها الحوافز لطهران. وظلت سياسة بومبيو حتى قبل توليه منصب الخارجية تقوم على الألاعيب، ففي عام 2016 عندما كان نائبا عن المنطقة الرابعة في ولاية كنساس منع تأشيرة لزيارة إيران مع نائبين لمراقبة الانتخابات البرلمانية. وهي صورة عن سياسة الغضب والشجب التي تفوقت على الدبلوماسية. ويرى رضائيان أن بومبيو أراد أن يكون ميراثه مرتبطا بإيران ولن يكون هذا بالطريقة التي حلم بها. بل كما قالت “هآرتس” الإسرائيلية بالرجل الذي أضفى شرعية على المستوطنات “شرب نبيذا مسروقا، سمح بالنهب والسلب، ولاحقا أعلن أن واشنطن ستسمح بوضع علامة على منتوجات المستوطنات باعتبارها منتوجات إسرائيلية”. و “كل ما تبقى له أن يفعله في زيارته هذه، هو المصادقة على ضم إسرائيل لمجلس مستوطنات الضفة وغزة”. هكذا يفعل أفشل وزير خارجية هو افتعال الحرائق وفرض العقوبات وتجريم الضحية.