بومبيو في المنطقة: “ربط نزاع” لسنوات أربع مقبلة!

رلى موفّق
حجم الخط
0

يبدو المشهد سريالياً. وزير خارجية الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته يقوم بجولة خارجية، فيما دوائر القرار في الدول المُستهدَفة بالزيارة بدأت اتصالاتها مع الفريق الانتقالي في إدارة الرئيس المنتخب لولاية جديدة. مشهدٌ لا يمكن قراءته إلا من زاوية عمق المواجهة وحِدَّتها التي يعتزم دونالد ترامب خوضها في مواجهة خَـلَـفَه في “البيت الأبيض” جو بايدن، وكأنه يُقفل عليه الباب للسنوات الأربع المقبلة، ويُصَـعِّب عليه الطريق إلى حين الانتخابات المقبلة. فترامب الذي لم يُسلِّم بعد بالهزيمة، وينتظرُ المسار القضائي لحسم النتيجة، يرغب بأن يخرجَ من هذه المعركة بموقفٍ حاسم من آليات “التصويت البريدي”، ودوره في “سرقة” الانتخابات وإبقاء ظلال الشك حول شرعية الرئيس الجديد، مُتكئاً على أصوات ما يفوق 70 مليون أمريكي محضوه الثقة، في وقت كانت استطلاعات الرأي تتوقع سقوطاً مدوّياً له.

اللافت أن كثيراً من دوائر القرار، سواء على ضفتيّ الحلفاء أو الخصوم، كانت تتوقع أن يفوز ترامب بولاية ثانية للجمهوريين، لكن مع وصول إدارة للديمقراطيين، بدأ الكل يُرتّب أوراقه للتعامل مع الرئيس الديموقراطي والسياسة المتوقّع أن ينتهجها حيال قضايا المنطقة. أرسل ترامب وزير خارجيته مايك بومبيو إلى المنطقة برسالة إلى الحلفاء مفادها أن المعركة لم تنتهِ، ولا بدّ تالياً من المضي قدماً في تعزيز الاتفاقات التي خطَّها بيده، وفي مقدمها “الاتفاق الإبراهيمي” والبناء عليه لترسيخ التحالفات الجديدة، بحيث إنه سيعمل خلال الشهرين المتبقيين من عهده على تثبيت ما تحقّق، واتّخاذ خطوات إضافية تُعزّزُ من قدرة هذه التحالفات على مواجهة إيران ونفوذها في المنطقة.

على أنه بمقدار ما يُوحي بالرغبة في تصليب موقف هؤلاء الحلفاء، فهو يُريد بقوّة تصعيب المهمة أمام خصمه في ملف إيران. لن يكون باستطاعة بايدن أن يعودَ إلى النقطة التي انتهى إليها رئيسه باراك أوباما في الاتفاق النووي. رسم ترامب وقائع جديدة من الصعب تجاوزها. أَضعفَ طهران وأَنهكها في الداخل وفي الساحات التي تتواجد فيها، وجرت تحوّلات استراتيجية على مستوى السلام والتطبيع العربي – الإسرائيلي. وكلما زاد من منسوب الوقائع، صَعَّب المهمة على الرئيس المُنتخب الذي عليه أن يُؤسِّسَ على المعطيات الجديدة وينطلق منها في استراتيجيته حيال الشرق الأوسط، المتوقع لدى كثيرين أن تكون نسخة عن استراتيجية أوباما، والتي انتهجت “سياسة الاحتواء” بالنسبة إلى إيران.

 عاشت طهران 4 سنوات من الضغوط والعقوبات “الترامبية” كانت مفعاليها مدمرة اقتصادياً ومالياً أكثر من الحرب العسكرية. ضيَّق الخناق عليها، فبدأت مسار الانحدار في النفوذ الذي شهد صعوداً قوياً في زمن سلفه الديموقراطي، إلى درجة أضحى معه النظام الإيراني يتغنّى بأنه يحتل أربع عواصم عربية.

الرهان “الترامبي” هو على زرع المطبّات بما أَمكن لبايدن. واتّخاذ قرار بسحب عدد إضافي من القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق قبل مغادرته “البيت الأبيض” خطوة في هذا الاتجاه. يُراهن على إعادة خلط الأوراق في هاتين الدولتين، لكن إيران هي الأخرى تنتظر ذلك، لا بل إنها تتوق إلى رؤيته يحصل. فالفراغ في أفغانستان والعراق لا يمكن أن يملأه أحد سواها وأذرعها العسكرية وحلفائها، وهذا بذاته سيمهّد الأرضية لعودة التطرّف والإرهاب، ولفصل جديد من الحروب الطائفية والمذهبية. سينفجرُ كل ذلك، من جديد، في وجه الرئيس المُنتخَب.

 إيران، بعد وصول بايدن، ماضية بقوة وبسرعة في ترتيب أوراقها. هي تعملُ على خلقِ وقائع جديدة: أوراق نووية في الداخل، بحيث يتحوّل عنوان المساومة للدفع بالعودة إلى “الاتفاق” كما كان من دون تعديل. وفي الخارج، تُحرِّك ساحاتها في اليمن والعراق وسوريا وحتى لبنان، وفي غرب آسيا، وحيث تطال يدها، في استعراض تذكيري لمدى قدراتها، فارضة على المفاوض الأمريكي أن يأخذ في الاعتبار أن الاتفاق المقبل يجب أن يكون اتفاقاً شاملاً يعترفُ بنفوذها في المنطقة ويحفظه.

كانت طهران قد أقدمت على خطوات “حسن نية” تجاه ترامب عشية الانتخابات، على الرغم مما عانته على يده. في المعلومات، أن رئيس الوزراء العراقي لعب دوراً أساسياً في تمرير الرسائل بين الطرفين. وصل إلى الإيرانيين ما يشبه التعهدات بتفعيل آليه انسحاب القوات الأمريكية من العراق بعد الانتخابات. كان هذا ليكون يوم السعد لدى طهران، كما كان الاتجاه أن يبدأ ترامب عملية التفاوض معهم بعد شهر. على كل، هو أعلن أنّهم سيجلسون إلى الطاولة بعد فوزه. شملت التفاهمات غير المباشرة بين الجانيين مسائل عدة في العراق، منها ما يندرج في إطار تقسيم النفوذ على النفط شمال البلاد والسباق على خطوط الإمداد، وما يُفترض ألَّا تمتدَ له يد إقليم كردستان بعد معركة كركوك، والحديث يطال في هذا الإطار قضاءي مخمور وسنجار. يقول قريبون من “محور إيران” إن ثمّة خروجاً عن التفاهمات التي حصلت، لكنهم اعتبروا أن التصعيد عبر الأذرع العسكرية سيبقى مضبوطاً ومدروساً بما لا يُحدثُ مفاجآت ليست في الحسبان.

على مقلب منظّري “محور إيران” لا توقعات بحرب آتية. وعلى مقلب منظّري ترامب، فإنَّ الرجُلَ ليس برجلِ حرب. ويذهب مراقبون إلى القول: من يُريد حرباً لا يعمل على تخفيض عدد جنوده في بقعة المواجهة بحيث يصبحون لقمة سائغة للأعداء! بعض السيناريوهات تُوجِّه الأنظار إلى ردٍ على جبهتي الجنوب اللبناني والسوري، في حال تمَّ استهداف إيران بضربة كبيرة، ولكن ليس هناك من أجواء تحضيرات فعلية لحرب مقبلة، على أقله لدى المحور.

أتى بومبيو إلى المنطقة، بعدما سبقته الأخبار عن توجّه لدى الإدارة الأمريكية بتصنيف الحوثيين جماعة إرهابية. الأمر لا يزال جدياً وقائماً. وهناك من يضرب مواعيد بأنه سيكون معلناً مع بداية كانون الأول/ديسمبر. سيُعدُّ ذلك تصعيداً كبيراً من جانب إدارة ترامب في مواجهة المشروع الإيراني في الشرق الأوسط. وسيُعقّد أكثر الملف اليمني، وسيُرخي بظلاله أيضاً على أمن الملاحة البحرية الدولية في مياه الخليج. تلعب إيران دوراً حاسماً في ضمان أمن الملاحة وسلامة الممرّات البحرية الدولية في مضيق هرمز وباب المندب وبحر عُمان والخليج العربي. يمكن ردعها بتحالفات بحرية عسكرية على غرار تحالف “سنتينال” الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أو من خلال تفاهمات معها. سيكون ذلك أحد العناوين المطروحة على الرئيس الأمريكي الجديد الذي سيدخل “البيت الأبيض” مُثقلاً بما أحدثه وباء كورونا من تحدّيات وأضرار اجتماعية واقتصادية في أمريكا، كما في العالم.

يذهبُ وزير الخارجية إلى إسرائيل، مكمِّلاً تدعيم “الاتفاق الإبراهيمي” بين تل أبيب والمنامة. يزور كأول وزير خارجية أمريكي مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل من سوريا عام 1967 ليؤكد “الاعتراف الترامبي” بأنها جزء من إسرائيل. اعتراف لن يكون سهلاً، على من سيأتي إلى “البيت الأبيض” التراجع عنه، ولا عمّا تعتبره تل أبيب “مكتسبات” تحققت ضمن خطة ترامب للسلام.

كلامه في السعودية لا اختلاف فيه من حيث الأهداف والتوجّهات. الرياض كانت أيضاً تتوقع ولاية ثانية لترامب، غير أنها في نهاية الأمر تتعامل مع الإدارة، سواء أكان ساكن “البيت الأبيض” جمهورياً أم ديموقراطياً. لا شك أن تناغماً، لا بل تطابقاً، حصل بين القيادة السعودية الراهنة وترامب في الاستراتيجية حيال إيران، مغايراً لما كانت عليه الحال في زمن أوباما الذي شهد تمدّد نفوذ “الحرس الثوري” إلى دول عربية عدّة.

إنما اليوم، ومع وصول بايدن، بدأت الاتصالات مع فريقه الانتقالي تحضيراً للمرحلة المقبلة. وفي المعلومات، أن الاتصالات تتركّز على أن تشملَ أول جولة خارجية لبايدن، والمرتقب أن تكون أوروبية، محطة عربية في الرياض، بحيث تتمّ بلورة المسار الذي سيطبع العلاقة بين البلدين الحليفين، وعرض كل من الطرفين لرؤيته في الملفات التي تعني المنطقة، وفي مقدمها ملف إيران، لكن أيضاً هناك ملفات أخرى لا تقلّ أهمية، بدءًا بالاقتصاد العالمي واستقرار سوق النفط وأمن الطاقة، ولا تنتهي عند محاربة التطرّف والإرهاب. على أن المعركة في عناوينها ستدور أيضاً حول من يُمسك بالمفتاح عندما يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي.

في زمن أوباما، انتعش الإسلام السياسي، لا بل كان هناك تحالف قوي بينهما. صعدت تركيا وحاولت أن تُمسك بيد الإخوان في مصر قبل أن يتلقّوا ضربة قاصمة. اليوم سيعود إلى الواجهة السؤال المرتبط بمستقبل الإخوان المسلمين والإسلام السياسي بقيادة تركيا!

ستحبسُ المنطقة، لا بل العالم، أنفاسه نحو شهرين. بعدها ستبدأ حِقبة جديدة. كثير من المراقبين، يرون أنها لن تُشبه حِقبة أوباما ولا حِقبة ترامب، بل ستكون خليطاً من الاثنين في الوسائل والأهداف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية