بيان ثقافي رقم 1

حجم الخط
0

بيان ثقافي رقم 1

خيري منصوربيان ثقافي رقم 1بدءا، آمل من أصدقاء وزملاء طالما همسوا بأذني وآذان سواي بأن ضيق التنفس قد أصابهم بسبب ما مبثوث من أكاسيد الفساد الثقافي أن لا يلوذوا بالصمت أو أن يمسكوا العصا من منتصفها لأنها ستنزلق حتما ذات يوم من القبضة المعروقة إلي أحد طرفيها، إضافة إلي أن من يمسك العصا أو القلم لا فرق من منتصفه سيجد أنه المضروب به مرتين حتي لو حاول أن يضرب شخصا آخر..لقد تجاوز السيل الزبي، ولم يعد الخجل ضمانة أخلاقية لوضع حد لهذه المتوالية الصفراء، بعد أن تحول التاجر إلي شاعر يشهر صوته كالعورة في وجوه شعراء كابدوا من شقاء العيش وشظف السياسة وكدح الإبداع، ضامنا الصمت أو التواطؤ كي تتحول المسألة إلي مقايضة، تتخلص في عبارة واحدة اصمت عني.. وسأتكلم عنك أو معك تحت إضاءة تسلي ربات البيوت ومن يبحثون عن سبيل لتزجية ليل عربي طويل، مهدد بالكوابيس.في السياسة كان للفساد قدر تعلقه بالطغيان والاستفراد وحظر تداول السلطة جملة أسباب يعرفها معظم الناس، لكن ما نود التوقف عنده منها هو ببساطة إسهامنا الشعبي علي تفاوت النوايا في تغذية وإرضاع هذا الفساد، فالرئيس أو الحاكم وكل سلالته ينعمون عندما يحظون بالسلطة بمعصومية دونها بوليصات التأمين كلها.. وما أن يترجل عن المقعد حتي تبدأ تصفية الحسابات، بحيث يسدد هو وذريته مديونيات يضاف إليها الكثير من الربا السياسي والاجتماعي.. لهذا يجد الزعيم نفسه مدفوعا بقوة خارقة للحفاظ علي ما ينعم به، خشية الهجران والعقاب وسأذكر حادثتين فقط، إحداهما عشتها علي نحو مباشر والثانية شاهدتها شأن الملايين علي إحدي الفضائيات.الأولي.. دخلت ذات يوم علي صديق في بغداد كان ضابطا في الجيش العراقي عام 1948 ويعرف قريتي وبعض أقاربي، وكنت أزوره بانتظام لأسمع منه ما لم أقرأه مكتوبا، خصوصا بعد أن لفت الراحل د. هشام شرابي انتباهي إلي ما سماه التاريخ الشفوي وقدم نموذجا رائدا في هذا السياق عن روايات شفوية لصالح برانسي الذي التقاه في الولايات المتحدة.كانت سيدة يبدو عليها الوقار رغم الإفراط في الماكياج تجلس بجانب الرجل، ولم أعرفها بالطبع، ثم قال لي صديقي هامسا انه يبحث عن صحيفة تصدر بالإنكليزية لنشر إعلان عن بيت من طابقين من أجل تأجيره لأجانب، لأن أصحابه يشعرون بالحرج من ذكر اسمهم أو اسم العائلة.. ثم عرفت أن البيت المعروض للإيجار هو للسيدة زوجة الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف، وكان العراق في ذلك العام من نهاية السبعينيات ينفق ملايين إن لم يكن مليارات الدولارات علي بيوت في بغداد والقاهرة ولندن وباريس وروما، يعيش فيها ضيوفه من المثقفين والساسة العرب المتقاعدين أو الباحثين عن مستأجر سياسي!وأذكر أنني همست بأذن صاحبي قائلا، إن من حق من يتولون السلطة في هذا العالم العربي أن يرفعوا شعار قاتل أو قتيل، ما دام الأمر علي هذا النحو، لكن صاحبي صحح لي العبارة وقال إنهم يرفعون شعار قاتل أو قاتل لأنهم أدري منك ومني بما يحدث لهم في المرتين في الإقبال والتصفيق والإدبار والتصفير!الحادثة الثانية شاهدتها قبل أسبوع علي شاشة إحدي الفضائيات، وهي حوار متلفز وطويل مع كاميليا السادات ابنة الرئيس أنور السادات فقد قالت انها باعت ما تملك، وتعيش في ملجأ ولست معنيا هنا بتصديق أو تكذيب السيدة ابنة الرئيس، لكن المجال متروك لخيال القارئ العربي أو ما تبقي من هذا الخيال بعد أن قضمه الواقع الأغرب منه.ہہہمقابل هذه الوقائع السياسية التي أدت إلي تشبث أهل السلطة بمقاعدهم حتي لو تحولت إلي توابيت، ثمة وقائع ثقافية غذت الفساد الثقافي، سنذكر منها عينات فقط…فمن يعمل وزيرا للثقافة سواء كان شاعرا أو روائيا أو فنانا لا بد أنه يبذل الكثير من الجهد لصد ما أمكن صده من محترفي الإطراء ومن الحُطيئات المعكوسين أو المقلوبين علي ظهورهم ذلك لأن كل لعاب يسيل علي العتبات دافعه بدءا من النشر والمكافآت والتوظيف.. حتي السفر والمشاركة في اللجان.وقد عرفت من صديق عمل وزيرا لعدة عقود في إحدي عواصم العرب أن عشرات من الكتاب والشعراء والصحافيين كانوا يتقاضون من يده مرتبات تعف عنها البغايا، لأن بعضها لا يتجاوز العشرين دولارا أمريكيا!إن المثقف أو ربع المثقف أو المحسوب زورا علي المثقفين لأنه يحمل بطاقة عضوية في أحد الأندية إذا ما قيض له أن يصبح مسئولا أو رئيس تحرير مجلة أو مديرا لتليفزيون أو مديرا لمهرجان أو ملحقا ثقافيا، فهو علي موعد مع دراسات نقدية وقراءات بأثر رجعي لنصوصه المهجورة، إضافة إلي تحوله إلي زبون دائما لكل الفعاليات المماثلة للفعالية التي تورطت به.يترتب علي ذلك أن موجة من الذين كانوا للتو نكرات.. يطفون علي سطح المستنقع، لأن السرخس يعقد كل صباح معاهدة مع الطحلب وأي تجفيف للمستنقع أو تعقيم لمائه قد يجرف كل السراخس والطحالب معه إلي الأبد!ويترتب علي هذا أن تنشأ أوهام لدي من لا حضور إبداعياً لهم، بحيث تفتح شاعرة شابة تخطئ في نون النسوة وواو الجماعة إضافة إلي ألف الاثنين في وجه شاعر معروف ومكدود.. لتقول له: أنت.. أنت.. أنت تبدي رأيك في شعري!!ويترتب علي هذا أيضاً، أن تصدر الكتب عن هيئات رسمية بمكافآت استثنائية لمن يعتاشون علي التسول ولملمة قشور النصوص، فيما يبتلع مبدعون مشهود لهم ريقهم المر، لأن كبرياءهم الثقافي والإنساني يحول دون طرق الأبواب..ہہہمن كان وزيرا أو مديرا لمهرجان أو ملحقا ثقافيا أو سفيرا لبلاده أو ذا منصب في النشر، جرب نفسه ما نحاول أن نقول علي صعيد نظري مجرد، فقد انصرف عنه الذباب لمجرد أن تلاشت الحلوي علي مائدته، ورأت فيه العاشقة الشابة ذلك الأعور رغم أنها طالما تغزلت بعينه الوحيدة!لهذا يدافع هؤلاء عن مناصبهم ووظائفهم بكل ما امتلكوا وما لم يمتلكوا.. وهم لا يدرون أن سواهم ممن يتناسون وجودهم عفوا عشرين مرة عن وظائفهم.إنهم يضطرون للانحناء حتي يلامس الجبين القدم كي لا يفتضح التقاعد أو البطالة عريهم الإمبراطوري، وقد يضطرون لالتهام الصراصير والديدان إذا طلب منهم ذلك كي لا يعودوا عراة إلا من كتاباتهم!ولهؤلاء سايكولوجيا لم يجسدها أحد مثلما جسدها موريس في كتابه القرد العاري الذي أوشك أن يعثر فيه علي الحلقة المفقودة بين الأورانج أوتانج والإنسان.سايكولوجيا تدفع الذكر الفخور بذكورته أمام شقيقته وامرأته إلي أن يتقمص الأنثي في أقصي درجات الامتثال والرعوية كي يسترضي سيدا أو ولي نعمة.وحسب سايكولوجيا هذا القرد العاري، فإن الصوت الجهوري في المقهي يصبح خفيضا ورخيما أمام الأعلي والأرفع مكانة.إن كل ما يحتاجه الناس الذين عزفوا منذ زمن طويل عن القراءة هو ضبط مثقفين متنفجين حسب وصف الجاحظ وهم متلبسون بهذا العري وبهذه المراوحة الكوميدية بل التراجيكومدية بين الأنثي والخنثي..ہہہسأستعيض عن الهوامش انسجاما مع شروط هذا المتن بالأمثلة..أولا: تنشر إحدي المؤسسات ذات السمعة القومية كتابا خلال ثلاثة أيام فقط.. لأن أحد خبرائها مدعو لمهرجان. والوسيط هو المترجم.ثانيا: يطلب مني مدير مؤسسة ذات باع في النشر والتزوير أن اذكر اسمه ولو مرة واحدة في أي سياق مقابل إعادة نشر أعمالي كلها أو معظمها وبأجر لم أحلم به.ثالثا: يطلب مني مترجم شهير أن أتوسط له مع جهة ذات شأن ولها اهتمام بالثقافة مقابل ترجمة ديوان خلال أقل من شهر وإصداره من دار معروفة في عاصمة أوروبية.رابعا: في المرات التي عملت بها محررا ثقافيا أو خبيرا في شؤون التأليف وشجون النشر بدءا من مجلة ّ أفكار الأردنية عام 1973 مرورا بالأقلام العراقية والفكر العربي المعاصر اللبنانية وانتهاء بالدستور الأردنية ورفضت عشرات وربما المقالات التي تخصني، كتبها أناس معظمهم الآن علي قيد الحياة، وكانت المقايضة واضحة في كل المرات.. وهي الكتابة عني مقابل النشر لهم، ولا بد أن عشرات الزملاء العرب الذين تولوا منابر ثقافية جربوا ما جربت، وكان منهم من قبل بدور الطحلب ومنهم من لم يقبل.ہہہأحيانا يؤدي التهميش علي اختلاف دوافعه وأنماطه إلي خلق شبكة من العلاقات بين المهمشين هي أقرب إلي المنظمة السرية أو إلي العصابات أو إلي النقابات غير المعلنة للمتسولين أو البغايا..وهذا التوصيف ليس إدانة لضحية التهميش بقدر ما هو محاولة للبدء في تحريضها علي التحرر، وما يحدث الآن، هو أن شبكة من العلاقات التي تحتكم إلي معيار لا صلة له بالإبداع بدأت تحكم ما يشبه الحزب أو المنظمة السرية، وهناك كتاب ومثقفون وشعراء عرب يشعرون باغتراب لا حدود له عن القطيع، ويرفضون الاشتباك معه علي عشية أو أمسية أو بطاقة دعوة..و إذا استمرت هذه المتوالية، فإنها ستنتهي حتي إلي فك آخر ارتباط بين الناس ومن يكتبون باسمهم أو لهم، هذا إذ تجاهلنا من يلبسون لكل أمسية أو مقالة لبوسها، فإن كان عدد من يحضرون أمسيتهم عشرة أو أقل من المبشرين بالشعر الخالص فالرد الفوري هي أن الكتابة ليست لملايين الجهلاء.. وإن حدث العكس فالشكر والعرفان لجهل صحا من غيبوبته وتاب!ومن لا يهمه حسب ما يقول عدد من يشترون نسخا من كتابه.. يخرج عن صمته ويقيم الدنيا إذا أبلغه الناشر أنه باع ستين نسخة!ہہہإذا كان الفساد كما يقال متعدد الرؤوس فإن له ذيلا واحدا، أو دابرا واحدا كما يسمونه وكما يهددون بقطعه.فساد الثقافة هو فساد الملح، الذي حذر منه السيد المسيح، وهو سبب الفساد السياسي وليس من محاصيله كما يروق لبعض واضعي العربات أمام الخيول أن يقولوا!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية